عدنان يدون مشاهداته في مصر .. "هنا القاهرة" حواري وطبقات

عدنان يدون مشاهداته في مصر .. "هنا القاهرة" حواري وطبقات

هنا القاهرة. مطار القاهرة. أو ميناؤها الجوي. كنت في يفاعي أضحك من هذه التسمية. فالموانئ للبحار لا للنفاذ من أقطار السماوات. لكنني وجدتُ فيما بعد مِن إخواننا المشارقة مَن يستَثْقل كلمة مطار التي اعتمَدْناها نحن. ثم إنّ لهم بعض الحق. لقد كانوا أكثر أمانة في ترجمة الكلمة اللاتينية. فهو بالضبط كما يقولون: Airport ميناء جوي.

هذا عن المطار، فماذا عن القاهرة؟

اعتدتُ أن أكتب عن المدن شعرًا في المطارات ومحطّات العبور، أو محكيات حرة مفتوحة. لكنني وجدتُ على الدوام صعوبةً في الكتابة عن القاهرة. نوعًا من التهيّب. لأنها ليست مدينة. ليست مجرد مدينة. إنها طبقات من المدن. مدنٌ في مدينة. والكتابة عنها تحتاج الكثير من التريّث.

كنت أقطع شارع الفجّالة قادمًا من باب الشعرية باتجاه ميدان رمسيس، حينما سألتُ سهير النرش، مُرافِقتي، أين الفجل والجرجير؟ أخبرتني أن الفجل هجر شارعه من زمان لتحل محله الكتب، وبعدها جاء السيراميك. لكلٍّ زبناءُ وطُلّاب. والشارع يتجدَّد بتجدُّد الرواد.

ألم أقل لكم إن القاهرة طبقات مدن. مدينة فرعونية جاءت بعدها مدينة الأقباط ثم الفسطاط مدينة عمرو بن العاص فقاهرة المماليك وقاهرة الفاطميين ثم قاهرة نابليون وقاهرة الإنجليز وقاهرة جمال عبد الناصر فالسّادات و"زحمة يا دنيا زحمة". وما زالت القاهرة تمتد وتتوسع حتى نبتت في ضواحيها في السنوات الأخيرة مدن جديدة كمدينة الشيخ زايد و6 أكتوبر وغيرها.

ثم إن هناك سببا آخر للتهيُّب. فالقاهرة مدينة كتب عنها أبناؤها الكثير. يكفي نجيب محفوظ. لذلك حينما دعتني الصديقة سهير إلى أخذ استراحة من مجالس الأدب وسهرات الأدباء والاستسلام لغواية التجوال الحرّ السعيد في حواري المدينة طلبتُ رأسًا زيارة "بين القصرين".

أخذنا شارع الأزهر باتجاه الغورية. كان هناك سور حديدي يفصل طريقَيْ الذهاب والإياب تفاديًا للعبور العشوائي للشارع المزدحم. لكن أبناء الجوار عرفوا كيف يحتالون عليه. هكذا أحدثوا في الشُّبَّاك الحديدي فجوة ترى الناس مصطفّين في طابورَيْن من الجهتَيْن يتناوبان على العبور منها. لم يكن مُروقنا عبر الفتحة سلسًا على كل حال.

قطعنا باتجاه شارع المعز، مشينا حتى شارع جوهر القائد (الموسكي)، ثم انحرفنا يمينًا باتجاه مسجد سيدنا الحسين. دخلت المسجد، حيث كانت ثلاث مجموعات من الصوفية متحلقين. لكلٍّ أوراده وأذكاره. كان واضحا أن طقوس منتصف شعبان قد طبعت الجو داخل المسجد بميسم روحاني خاص. تذكرتُ مساجد مراكش، وحلقات الذكر في ضريحَيْ أبي العباس السبتي وسيدي سليمان الجزولي. الجو نفسه. العبق نفسه، لكأنّ غيمة نورانية واحدة تظلّل قاهرة المُعِز وحاضرة المرابطين.

أخذنا شارع المشهد الحسيني باتجاه خان جعفر حيث الفندق القديم، فندق الأمراء، وأمامه مباشرة منصة عارية كانت خشبة المسرح القديم الذي غنّى به كبار المطربين. قالت لي سهير إن عبد المطلب قدّم حفلات له على هذا المسرح في الثلاثينيات. تخيّلتُ نفسي ضمن الجالسين في ذلك الزمن القديم أتمايل طربًا وأنا أستمع للرجل: "ساكن في حيِّ السَّيِّدة، وحبيبي ساكن في الحسين. وعشان أنول كل الرضى، يُوماتي أروح لو مرِّتين.. مِن السيدة.. لسيدنا الحسين". كدت أسأل هل "السيدة زينب" بعيدة من هنا، لكنني فضلتُ احترام مسار الجولة. ثم إنَّ القصد "بين القصرين".

ولجنا حارة الصالحية، ومررنا من أمام برج نجم الدين الصالح أيوب قبل أن نجد أنفسنا إزاء مجموعة السلطان قلاوون الألفي التي تضم مدرسة وقبة ومستشفى تعدُّ أهم معالم "بين القصرين". أخبرتني سهير أن ابن النفيس كان يعمل في هذا المستشفى. لعله اكتشف الدورة الدموية في هذا المبنى ذي المدخل المتهالك.

التقطتُ صورة أمام "مدرسة النحاسين"، مدرسة الرواية التي ظهرت في الفيلم وكمال يغادرها ليلتحق بالمظاهرات. أدرتُ رأسي في الجوار. لم يكن كمال هناك ولا أيٌّ من سلالة السيد أحمد عبد الجواد. فقط شباب يتابعون ليفيربول ويهتفون باسم محمد صلاح.

تركت المعركة حامية الوطيس على الشاشة بين كتيبة صلاح البريطانية وقطيع الذئاب الرومانية (فريق روما) وطلبتُ زيارة "زقاق المدق". زقاق إيه يا بيه؟ لا أحد يعرف زقاق المدق. سألنا أكثر من شخص من أهل الجوار: تجّارًا وسُكّانًا. لا أحد. لا الزقاق ولا حميدة ولا حتى زيطة صانع العاهات. لكأن محفوظ خلق المكان وشخوصه من عدم. واصلنا مسيرنا باتجاه سبيل محمد علي ثم جامع السلحدار. أمام هذا الجامع بالذات، ألحّ عليّ طيفٌ من حيث لم أحتسب. لم يكن طيف وليٍّ أو فقير. بل طيفَ نازك السلحدار. صفية العمري في "ليالي الحلمية".

ياه، ماذا فعلت بنا مسلسلات تلك الأيام؟! كانت الأسرة تتحلق نصف ساعة قبل انطلاق المسلسل تناقش كل ما حصل في الحلقة السابقة وتنتظر الجديدة بتلهُّف: صراع سليم البدري مع العمدة سليمان غانم، دهاء بنت الباشوات وتعالِيها على العالم والناس.

منذ "ليالي الحلمية" لم أعد أتابع الدراما بالشغف نفسه. لم أعد أصدِّقها، أو أتماهى مع شخوصها. ياه يا نازك! ظنَّ صديقنا سلامة أنّ حالة خشوع خاصة تلبّسَتْني إزاء جمال الجامع، فنبّهني إلى أن مسجد السلطان برقوق أجمل، وهو على بُعد خطوات فقط. لم أحدّثه عن نازك ولا عن ليالي الحلمية، وتبعته نحو جامع السلطان برقوق، ثم جامع الأقمر.

لم تكن هذه الجولة في القاهرة الفاطمية سياحتي الأولى. فقد سبق لي أن طفتُ تلك الحواري بشغف في أولى زياراتي إلى مصر قبل سنوات بعيدة. لكن فيما بعد، مع توالي الزيارات، صرت أستسلم لأجواء التظاهرات الثقافية التي أحل ضيفا عليها: مهرجانات شعرية وأدبية، دورات لمعرض الكتاب. أتحرّك بين الفندق والمعرض، أو بين الفندق والمجلس الأعلى للثقافة، وكلما تبقّت أمامي هوامش، في الليل غالبًا، أستعيضُ عن الفسحة بالسهر، وعن التجوال بالسمر.

هكذا وبدل الانطلاق في رحلات حرّة في المدينة، صرت أبحث عن لمّات الأصدقاء في "ريش" و"الغوريون" وغيرها من مقاهي ومطاعم وسط البلد التي يرتادها أدباء القاهرة في العادة، هناك في شارعَيْ طلعت حرب وعبد الخالق ثروت وما جاورهما.

القاهرة طبقاتُ مدن، وحتى صداقاتي القاهرية طبقاتٌ أيضا. في البداية، جئت القاهرة باحثا عن ميسون صقر وحلمي سالم وعبد المنعم رمضان وأحمد الشهاوي. ومنذ الزيارة الأولى تعرّفت إلى شعبان يوسف وتوثقت بيننا عُرى الصداقة. جئتُ القاهرة شاعرًا، وكان لنا أيامَ "الغارة الشعرية" تعلُّقٌ خاصٌّ بأسماء بعينها من شعراء السبعينيات في مصر والعالم العربي. قاسم حداد في البحرين، عباس بيضون في لبنان، حلمي سالم وعبد المنعم رمضان في مصر.

كان حلمي وعبد المنعم قد جاءا المغرب قبلها بفترة قصيرة فصاحبناهما أنا والشاعر عزيز أزغاي. كانت لنا معهما رفقة جميلة في الرباط بمناسبة مهرجانها العتيد الذي صار أثرًا بعد عين. لكن حينما اكتشفتُ أنّ بين مجايلينا التسعينيين في مصر من يأخذ منهما المسافة ذاتها التي نقيمها في المغرب مع محمد بنيس استغربتُ الأمر.

حتى في الجزائر، كنت ألحظ باستغراب شغف الجزائريين، بختي بن عودة ونجيب أنزار وأبو بكر زمال، بمحمد بنيس شخصًا ونصًّا. كيف تتحاضن الأجيال المختلفة خارج الحدود فيما تتنابذ، أو على الأقل تتباعد، داخل البلد الواحد؟ الظاهرة جديرة بالتأمل، ولعلها خاصة بالشعراء.

لكنني سرعان ما حوّلتُ الاتجاه من الشعر إلى القصة لأذهب إلى محمد هاشم في "دار ميريت" بمجموعتي القصصية الأولى "من يصدّق الرسائل؟". ومع الانعطافة الجديدة، صار لي في القاهرة أصدقاء جدد من قبيلة السُّرَّاد هذه المرة: حمدي أبو جليل، عبد الحكيم حيدر، بهاء عبد المجيد، وحيد الطويلة. وظلت صداقاتي الأدبية في القاهرة تتعدد وتتجدد مع توالي الزيارات: من سعيد الكفراوي وابراهيم عبد المجيد وفريد أبو سعدة حتى فاطمة البودي وسيد محمود ونجاة علي وسهير المصادفة ومحمود الغيطاني وسامح محجوب على سبيل المثال فقط؛ ذلك أنَّ لائحة الأصدقاء لا تُحصى.

القاهرة طبقاتُ مدن، وطبقاتُ صداقات. لكن الصداقات الأولى التي انحفرت في داخلي مع شخوص روايات محفوظ تبقى الأقوى؛ لذلك حزنت حين لم نجد من يدلُّنا على "زقاق المدق". فقد فاتني أن أحيي صلة الرحم مع حميدة. لكن فيما كنا في طريقنا لزيارة مطبعة صديقنا سلامة رشوان العتيقة في باب الشعرية، لمحتُها تقطع الطريق وسط زحمة الميكرو باصات. لكأنها هي. لعلها غيّرت الحي. ربما نزلت لتوِّها من إحدى الميكرو باصات. كانت مصرية جدًّا. بنت بلد. لباسُها شعبي بسيط. لكنها تجلّت لي شهية لذيذة بجسد مكتنز لا تدفُّق فيه، وكانت ابتسامتُها ساحرة.

لم ينتبه رفيقاي لشيء. ظل طيف حميدة يلازمني حتى بعد أن غادَرْنا المطبعة العتيقة واتّجهنا إلى العشاء عند "زيزو نتانة". كانت أول مرة أسمع فيها اسم هذا المحل في "التجربة الدانماركية" حين طلب عادل إمام من أبنائه في الفيلم مرافقته للأكل عنده. هلمّ إلى العشاء عند زيزو إذن. كبدة اسكندراني وسجق من فضلك. في القاهرة، الحياة شهية وحارة، بسبب الشطة، تمامًا مثل الكبدة اسكندراني. لكن زيزو ظل يصرخ طول الوقت، يصرخ في صبيانه، والصبيان مُستأنسون غير مُبالين كأنما تعوّدوا على الزعيق.

سألني أحدهم: ماذا يريد صديقنا المغربي؟ سألته: وكيف عرفت أصلي؟ فكان أن أجاب: من القاف والنون. يا لقاف المغاربة، يفضحهم مهما تقنّعوا في لهجات الآخرين. صبية المحل كانوا لطفاء ودودين، لكن دون فهلوة. تذكرتُ صبي "الجحش". كانت ميسون صقر قد دعتني قبل سنوات خلت، ومعنا بعض الأصدقاء الشعراء، لزيارة "السيدة زينب".

هناك سمعت المنشد الصوفي ياسين التهامي أول مرة يغنّي وسط مشهد جذبة لا يُنسى. اقتنيتُ له من "السيدة" يومئذ أكثر من شريط، وظللت لسنوات طويلة لا يغمض لي جفنٌ ساعةَ القيلولة إلا على إيقاع أناشيده. بعد الحفل، اقترحت علينا ميسون وجبة عشاء في الجوار، عند الجحش. ماذا؟! هو اسمه هكذا. محل للفول والطعمية لعله من أشهر محلات القاهرة. لكن قبل أن تأسرنا لذة الأطباق فتنَنا صبي المحل بحركاته البهلوانية.

كنا في أواسط شهر آب، وكان الحرُّ الليلي خانقا. وما إن ركنت ميسون سيارتها غير بعيد عن المحل حتى هرع الصبي باتّجاهنا هاشّا: "تعالوا هنا ع البحر". كان يشير إلى الشارع المترب أمام المحل. ذهب بلائحة الطلبات، وفيما كان عائدا إلينا بصينية الأطباق باغتَنا وهو يرفع عقيرته بصراخ مُنغّم عجيب: "احنا بَقـ(أ)ى اللي خلّينا الطعمية يبقـ(أ)ى اسمَها كباب". انفجرنا من الضحك، فمازحتُه قائلا: "عموما نحن سندفع لك ثمن الفول والطعمية في هذا الزقاق المترب في جو القاهرة الخانق لا ثمن كَبابٍ على البحر". لكن المؤكّد أن الفتى الناحل كان يستحق أكثر من ثمن الطعمية. فهو بيّاع أوهام لذيذة واستعارات مستملحة. الاستعارة ملحُ اللغة. بهارُها الذي لا يقدّر بثمن.

القاهرة أطباقٌ ومدنٌ وطبقات أصدقاء. ثم إنها عصور وأزمنة تتراكم فوق بعضها. لذا، حينما جلستُ ألتقط الأنفاس عند مقام حسن الذوق ببوابة الفتوح، رأيت عسكريا يعارك جواده ليصعد به إلى شاحنة مركونة في الجوار. استغربت المشهد، وتخيلت العسكري في زيّ المماليك.

وأنا عائد إلى فندقي في الزمالك، سيرًا على الأقدام من ميدان عبد المنعم رياض إلى "الماريوت" عبر الكوبري، التقيتُ عسكريا آخر. مترجلا هذه المرة. كان وجود صياد يلقي بصنارته من الكوبري إلى قعر النيل قد أثار انتباهي، فاتجهت نحوه.

رحبّ الرجل بي بدماثة وسرعان ما انخرط معي في حوار حميم. قال لي إنه كان نجّادا، وكان الصيد هوايته الأثيرة. وحين استعاض الناس عن النجّادين بمحلات الأثاث العصرية صار الصيد له مصدر رزق وحيد. لكن الرجل كان يتكلم بنبرة فيها الكثير من الصدق والإيمان والقناعة. ثم فجأة جاء العسكري الملازم في موقعٍ للحراسة قريب.

ارتبتُ قليلا في أمر دنوِّه منا، قبل أن أكتشف أنّ صداقةً قد نمت بينه وبين الصياد. هكذا جالسَنا هو الآخر مجالسة الصديق وتشعّبَ الحديث بيننا. كان الصياد والعسكري يتكلمان اللغة ذاتها. لغة المصري البسيط ذي الأصول الفلاحية. لغة فيها الكثير من الصدق والدفء. ما أجمل حوارات المصريين حين يروق المزاج وتغيب المصلحة. فيها صدق وبلاغة، إيمان ونبالة.

كنت في الغرفة أستعد للنوم بعد مشي امتد لأزيد من أربع ساعات حينما جاءني اتصال: أينك؟ في الغرفة، أستعدُّ للنوم. نوم إيه يا مجنون؟ هي الساعة كام دي الوقت؟ الواحدة صباحا. في حدّ يا ابني بينام في القاهرة دي الوقت. تعال لي إلى "نايل مكسيم". اقطع الشارع بس. ماكسيم هو المركب اللي قصاد الماريوت بالضبط. لا تتأخّر. المركب قصاد فندقك.

هناك وجدت نفسي إزاء قاهرة أخرى، إزاء سرد آخر وقصة أخرى. صادفتُ دعاء زيادة وطمأنتني بأنها ترتب لإصدار ديوان جديد. والتقيتُ نيللي ووجدتها ساحرة كما كانت دائمًا: قمرا يضيء ليل المركب. فكّرتُ في عوامة السيد أحمد عبد الجواد. وبحثت عن زنوبة اللهلوبة. ثم صعدت إلى الطابق الأعلى من المركب وراقبت النيل والحياة في الجانب الآخر من النهر في اتجاه وسط البلد واستنتجتُ أن هذه المدينة ليست طبقات مدن فقط، بل طبقات حيوات أيضًا. حيواتٌ متجاورةٌ بتعبير محمد برادة، لكن لا تماسّ بينها. لا تماسَّ بين حياة وحياة. كانت السهرة "صَبَّاحي"، واكتشفت أن المدينة ما زالت تخفي عني المزيد.

يا للقاهرة، ليلها ليالي، ولياليها طبقات!

يا للقاهرة، مدينة لا تُدرَك.

كأنها ضوءٌ يتراقص وهمًا في غيبِ السماء.