معركة على البيوت والأصوات في قلب أرض الأكراد ببلاد الأناضول

معركة على البيوت والأصوات في قلب أرض الأكراد ببلاد الأناضول

كان عامل الكهرباء الكردي سوكرو جوندوز يؤدي عمله عندما جاء أحد أصدقائه مسرعا لإبلاغه بأن منزله يتعرض للهدم وبداخله خمسة من أفراد أسرته.

انتابته نوبة من الغضب والانزعاج وأسرع إلى البيت. وعندما وصل كان حفار آلي قد أحدث فتحة في البيت الصغير الواقع في حي سور التاريخي بمدينة ديار بكر أكبر مدن جنوب شرق تركيا الذي يغلب فيه الأكراد على سكان المنطقة.

كانت والدة جوندوز وزوجته وثلاثة من أولاده الخمسة داخل البيت لكن لم يصب أحد بسوء واستطاع إقناع عمال الهدم بالتوقف. لكن لم يكد يمضي أسبوعان حتى كان قد جرى هدم المبنى المكون من دورين في مطلع العام تنفيذا لقرار المصادرة الذي أصدرته السلطات.

والبيت واحد من آلاف البيوت التي سويت بالأرض بمقتضى برنامج تطوير عمراني تنفذه الدولة بغرض نقل السكان من المناطق التي تعرضت للتدمير بعد صراع استمر عشرات السنين بين القوات الحكومية ومقاتلي حزب العمال الكردستاني واستأنفه الجانبان في العام 2015.

وتأمل الحكومة أن يدعم هذا البرنامج الاقتصاد ويحقق للرئيس رجب طيب إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم شيئا من الرضا بين السكان وكذلك كسب الأصوات في إطار الاستعدادات للانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تجري في 24 يونيو حزيران المقبل.

غير أن جوندوز وثلاثة غيره هدمت السلطات بيوتهم وأجرت رويترز مقابلات معهم قالوا إنهم في انتظار الحصول على تعويضات. كذلك فقد عامل الكهرباء جزءا من مصدر رزقه فقد كان الدور الأرضي من بيته محل الأدوات الكهربائية الذي يملكه ومتجرا للبقالة.

وقال جوندوز (47 عاما) في فناء بيت في سور يقيم فيه هو وأسرته "لم أبع البيت ولم أتسلم أي أموال أو أوقع على أي شيء. فبأي حق تهدمون بيتي؟"

وامتنع مسؤولان حكوميان في أنقرة عن التعليق على مسألة التطوير العمراني. لكن وزير البيئة والتمدن الحضاري محمد أوزحسكي قال في مارس آذار إن الحكومة ستوفر المسكن لكل الذين تشردوا بسبب أعمال الهدم في حي سور أحد سبعة مناطق تشهد أعمال تطوير في جنوب شرق البلاد.

وقال الوزير في لقاء حاشد في حي سور عندما زاره إردوغان لإعطاء إشارة البدء في بناء البيوت الجديدة "سنمنح بيوتا لكل الإخوة الذين تعرضت بيوتهم للتدمير. معدلات الاتفاق بلغت حوالي 80 في المئة. وعند تشييد بيوت للعشرين في المئة الباقية وتسليمها سنكون قد ضمدنا الجراح".

كانت الاشتباكات بين قوات الأمن التركية وحزب العمال الكردستاني قد دفعت مئات الآلاف في جنوب شرق تركيا للنزوح عن بيوتهم منذ بدأ الحزب حملة التمرد عام 1984 والتي سقط فيها أكثر من 40 ألف قتيل في الصراع مع الدولة.

وتعتبر تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الحزب تنظيما إرهابيا.

وتقول جماعة تأسست لدعم النازحين في سور إن أكثر من 700 شخص رفعوا دعاوى قضائية للطعن في قرارات المصادرة وشروط التعويض عن بيوتهم وهي من بين حوالي 4000 عقار تم هدمها في تلك العملية.

ورفضت المحكمة الإدارية تلك الطعون استنادا إلى ضرورة تطوير المناطق التي تعرضت للدمار في الصراع وعلى أساس أن المباني المعنية تمثل خطرا على السكان المحليين ولا تحترم التراث الثقافي المحلي.

ويقول أصحاب البيوت إن السلطات لم تعرض عليهم سوى إضافات بسيطة على المبالغ التي قررتها الدولة تعويضا عن عقاراتهم. وتم أيضا استئناف قرارات المصادرة أمام المحكمة الدستورية التركية.

وقال مسؤول بالمحكمة الدستورية إنها لم تدرج دعاوى الاستئناف على جدول أعمالها، ومن غير الواضح متى ستفعل ذلك.

انتخابات مبكرة

كان إعلان الرئيس إردوغان عن الانتخابات المبكرة قد أخذ المعارضة على حين غرة وسيسفر عن إتمام عملية تحول تركيا من نظام الحكم البرلماني إلى النظام الرئاسي.

غير أن حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد له سطوة كبيرة في جنوب شرق البلاد وقد فاز بنسبة كبيرة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي جرت في العام 2015.

وفي الصراع بين قوات الأمن التركية وحزب العمال الكردستاني شهد حي سور بعضا من أسوأ الاشتباكات واشتدت وتيرة العنف في الجنوب الشرقي منذ انهيار وقف إطلاق النار الذي استمر عامين ونصف العام في 2015.

وعندما زار إردوغان سور في مارس آذار أعطى إشارة البدء في بناء 1500 بيت وافتتح أعمال التجديد في الشوارع الرئيسية بالحي في إطار خطة تبلغ استثماراتها عشرة مليارات ليرة (2.36 مليار دولار) لتطوير المناطق المدمرة في جنوب شرق البلاد.

وقال إردوغان لجمهور الحاضرين الذين كانوا يلوحون بالأعلام التركية قرب واجهات متاجر بعد تجديدها في الشارع الرئيسي الذي يخترق الحي "عندما ينتهي الإرهاب سيأتي السياح. وسيأتي المواطنون من كافة أرجاء البلاد. وسيزدهر الاقتصاد".

عرضت السلطات على التاجر فرات كرتسجي، أحد الذين هُدمت بيوتهم في سور، شقة في منطقة سكنية جديدة خارج مدينة ديار بكر.

وقال التاجر البالغ من العمر 34 عاما "ذهبت وشاهدتها وأعجبت بها جدا. بدأنا الآن نتجاوز الأمر تدريجيا وجاء الدعم الأكبر من الدولة، ماديا ومعنويا ونفسيا".

ورغم توفر الوحدات السكنية الجديدة فإن منظمة العفو الدولية تقول إن كثيرين من بين النازحين البالغ عددهم 25 ألفا أي حوالي نصف سكان الحي في السابق أبدوا رغبتهم في العودة إلى سور.

ويرفض حزب العدالة والتنمية الحاكم ذلك التقدير ويقول إن الأغلبية العظمى من النازحين وافقت على التعويض.

وقال سردار بوداك رئيس الحزب في ديار بكر لرويترز "الناس ستنتقل إلى حياة أكثر عصرية من البيوت القديمة المتهدمة".

"الروح القديمة اختفت"

يقول حزب الشعوب الديمقراطي إن إردغان لا يمكنه أن يعول على الفوز بأصوات الناخبين بناء على برنامج التطوير العمراني.

وقال مصطفى أكينجين نائب رئيس الحزب في إقليم ديار بكر "يحسبون أن بوسعهم تحويل هذا إلى أصوات في الانتخابات. لن يتمكنوا من تحقيق النجاح في هذه المنطقة".

ويحصل من فقدوا بيوتهم على دعم شهري لاستئجار مسكن يبلغ ألف ليرة (236 دولارا) وقد أنفقت الدولة 96 مليون ليرة على هذا الدعم على حد قول حاكم الإقليم في أبريل نيسان.

مثل سكان سور الآخرين الذين التقت بهم رويترز، لم يكشف حسن يلماز بائع السجاد البالغ من العمر 53 عاما عن اختياراته في الانتخابات المبكرة. وما يشغله هو حجم ما ضاع بخلاف المباني.

وقال في متجره في سور "كان هناك تضامن شديد وتنسيق ونشاط اجتماعي بين الناس الذين عاشوا هناك. تلك الروح القديمة اختفت".