جامع "السلطان قابوس الأكبر" .. معلمة تاريخية بزينة زليج المغرب

جامع "السلطان قابوس الأكبر" .. معلمة تاريخية بزينة زليج المغرب

"عليكم السلام..هل أنت مسلم؟"، هكذا يبدأ موظف في رتبة عسكري، واقف أمام البوابة الرئيسية لـ"جامع السلطان قابوس الأكبر"، الذي يظهر شامخا وسط العاصمة العمانية مسقط، في سؤالنا حين هممنا بالدخول، للتأكد من هوية الزائر الدينية؛ وهو السؤال الذي طرحه أيضا على زائرتين ترتديان "الفولار"..قبل أن نلج المكان سالمِين غانمِين بمناظر خلابة.

فن الزليج المغربي

تبدو معالم المسجد، الذي ينهل من الفن المعماري الإسلامي، ويشبه كثيرا في منظره الخارجي "المسجد الأقصى" في القدس بفلسطين، من أمتار عديدة على امتداد شارع "السلطان قابوس" الرئيسي، متميزا بقبته المركزية التي ترتفع 50 مترا عن الأرض، بجانب مئذنته الرئيسية التي يمتد ارتفاعها لقرابة 91.5 أمتار، مع أربع مآذن ثانوية مرتفعة في زوايا سور المسجد بنحو 45 مترا.

المثير للانتباه حين ولوج الباب الرئيسي، حين تلتفت على جهة اليسار، لوحة زجاجية مكعبة ومعلقة على حائط المسجد ذات خلفية مذهبة كتبت عليها عبارة "فن الزليج المغربي"، تحيل على أن بعض مرافق البناية المعمارية استعانت بالفن المعماري المغربي القادم من مدينة فاس.

وضمت اللوحة عبارة: "تعمق الفن الإسلامي في الهندسة كمصدر رئيسي للزخارف والأشكال المعمارية والفنية في قصر الحمراء (مدينة غرناطة بالأندلس – إسبانيا)، التي تشهد على روائع الابتكار المعماري والتصميم، فالجداريات الهندسية تعبر عن تطور الفن التجريدي وتعقيده الجمالي، والذي استمد جذوره من عواصم الشرق المزدهرة (بغداد وسامراء) ومن تطور صناعته في بلاد الأناضول وكاشان".

وتضيف الجدارية الزجاجية: "انتقل هذا الفن من الأندلس إلى المغرب، وخاصة في الحقبة المرينية، حيث شكلت جدران أهم المساجد والمدارس في فاس ومراكش (القرون 7- 9 هـ / 13 – 15 م) بأعمال الخزف المعروفة بالزليج..إن تصميم هذه الكوات يعتبر امتدادا لهذا الفن العريق بنموذج معاصر لمدرسة فاس التقليدية".

على نفقة السلطان

أما في جانب قريب، فارتفعت جدارية أخرى من ثوب أخضر وعبارات صُقلت بالخط العربي الأصيل، تعلم الزائر بتاريخ بناية المسجد، وبأن السلطان قابوس هو من تكلف شخصيا بتمويله: "تم بحمد الله وتوفقيه في العهد الزاهر لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المُعظم افتتاح جامع السلطان قابوس الأكبر بمسقط، تحت رعاية جلالته السامية، وذلك يوم الجمعة 10 من صفر سنة 1422 الموافق 4 من مايو سنة 2001".

وتضيف الجدارية أن المسجد "أنشئ على النفقة الخالصة لجلالته، واستغرق بناؤه ستة أعوام، في الفترة ما بين 1415 – 1421 / الموافق 1995 – 2001م".

يقول مرافقنا العماني إن "جامع السلطان قابوس الأكبر" هو أكبر المساجد التي أمر ببنائها السلطان قابوس في البلاد، ويعد رمزا من الرموز الدينية والسياحية البارزة في عمان، إذ يسمح بزيارته يوميا من الثامنة صباحا إلى حدود الزوال، فيما تظهر معالمه الإسلامية من خلال جداريات الزليج المغربي والممرات والقباب والمنارات والحدائق الواسعة والنافورات المائية.

سجادة عجمية واحدة

يستوعب الجامع، الذي يمتد على مساحة تقدر بنحو 885 ألف متر مربع، في المجمل، قرابة 15 ألف مُصلٍّ ومصلية داخل البنايات المخصصة للصلاة، ويضم عدة مرافق رئيسية أخرى، منها الحرم الرئيسي للجامع الذي يشمل صحنا داخليا وأروقة جانبية، وصحنا خارجيا هو الأكبر، فيما توجد قبة رئيسة ومئذنة كبيرة وأربع مآذن ثانوية.

وتبقى أبرز مقومات المسجد الداخلية "السجادة العجمية"، التي تفرش بلاط المصلى بقطعة واحدة؛ فيما يُروَى أن صناعة هذه السجادة وإنتاجها استغرق أربع سنوات. أما السجادة الخاصة بالمحراب بالمصلى الرئيسي، الذي تزينه آلاف القطع من الفسيفساء، فحجمها كبير وتمت حياكتها في نيسابور الإيرانية، على أيدي 600 امرأة وفقا لمرافقنا، في حين يبلغ طول الثريا التي تتوسط قاعة الصلاة بالمسجد 14 مترا، وتوصف بأنها من أكبر الثريات في العالم.. في حين يبرز المنبر في جدار القبلة على يمين المحراب، وهو مصنوع من الرخام المنقوش.

أما عن ملحقات الجامع، فالبناية التاريخية تضم مساحة بنحو 985 مترا مربعا، بنيت فوقها قاعة كبيرة مخصصة للاجتماعات والندوات تتسع لحوالي 500 شخص، ومكتبة تضم أكثر من 14 ألف عنوان في مختلف مجالات المعرفة باللغتين العربية والإنجليزية؛ فيما أخبرنا مرافقنا بأن "جامع السلطان قابوس الأكبر" ليس معلمة دينية فقط، بل أبوابه مفتوحة أيضا، في أوقات محدودة، للوفود السياحية القادمة من مختلف بلدان العالم.