الحياة في شوارع كندا .. صرامة احترام القانون وسياقة بلا "كلاكْسون"

الحياة في شوارع كندا .. صرامة احترام القانون وسياقة بلا "كلاكْسون"

من السماء، وأنت في الطائرة ليلا، يظهر لك النظام السائد في شوارع مُدن كندا، من خلال نور مصابيح الكهرباء التي تبدو من بعيد مثل قطع ألماس مصفوفة بعناية، راسمة أشكال الشوارع الفسيحة والمنظمة.

حين تلجُ إلى مطار مونتريال، تجد عبارات الترحيب منقوشة بخط عريض على واجهة مخادع عناصر شرطة الحدود المكلفين بختْم الجوازات: Bienvenue au Canada، أو Welcome to Canada عبارة تقرأها عيناك وأنت مُنتظر دورك، وحينَ يُختم الجوازُ تسمعها على لسان الشرطي المكلف بالعملية.

في مطار محمد الخامس بمدينة الدار البيضاء، يخضع المسافرون المتوجهون إلى كندا إلى إجراءات تفتيش دقيقة جدا، تنفيذا لطلب وجّهته السلطات الكندية إلى نظيرتها المغربية، إذ يتمُّ تفتيش الأمتعة وحتى الأحذية، بعد أن ينزعها المسافر، بدقّة، وتُمرّر آلة اكتشاف المتفجرات على مختلف أنحاء الجسم.

بعد الوصول إلى مطار مونتريال الدولي، يخال زائر كندا للمرة الأولى أنَّه سيُعامل بالصرامة نفسها أثناء عملية التأكد من الهوية من لدن شرطة الحدود؛ لكنَّ ذلك لا يحدث عادة، إذ يكتفي الشرطي، بعد التأكد من هوية المسافر، بطرح أسئلة بسيطة حول الغاية من زيارة كندا، ثم ما يلبث أن يمدّ إليه جواز سفره مرفوقا بعبارة "مرحبا بك في كندا".

احترام القانون

حين يضع زائر كندا رجْله الأولى خارج عتبة بوابة المطار، يقف على أول الإجراءات الصارمة التي تفرضها هذه الدولة الواقعة في أمريكا الشمالية لاحترام القانون المنظم للحياة العامة. ثمّة لوحة تحمل أمْرا بمنْع التدخين، ليس داخل المطار فحسب، بل على بُعْد سبعة أمتار من البوّابة، ومن سوّلتْ له نفسه خرْق هذا القانون عليه أن يستعدَّ لدفع غرامة مالية قد تصل إلى 5000 دولار كندي.

لعلَّ أوّل ما سيلحظه أيّ مغربي حينَ يحطّ الرحال بكندا هو أنّ أذنه ترتاح من زعيق منبهات العربات، سواء بالليل أو النهار، إذ ينذر أنْ يمدَّ سائق عربة يده إلى "الكلاكصون"، إلا عند الضرورة القصوى. وقدْ تراقبُ ملتقيات الطرق لساعة من الزمن أو أكثر، فترى العربات تتوقف عند الإشارات الضوئية، ثم تنطلق بسلاسة، دون أن تسمع صوتَ منبّه منطلق من جوف سيارة.

في كندا، يُعتبر احترام قانون السير طقسا مقدّسا، سواء من لدن سائقي العربات أو الراجلين. وسط الشوارع التي تخترق الأحياء السكنية ثمّة علامات تشوير كثيرة تحدّد السرعة المسموح بها، إذ لا يُسمح لرقّاص عداد السرعة أن يتعدّى، في الغالب، الحدّ الفاصل بين 50 و60 كيلومترا. أما عند الاقتراب من أماكن عبور التلاميذ، فإنّ السرعة المسموح بها لا تتعدّى 30 كيلو مترا في الساعة.

احترام قانون السير في كندا ليس مفروضا على سائقي العربات وحدهم، بل على الراجلين أيضا. حين يريد أيّ راجل أن يعبُر الطريق، فعليه أن يتوجّه إلى المكان المخصص لهذا الغرض، ثم ينتظر إلى أن تظهر الإشارة الضوئية التي تأذن له بالعبور، وهي عبارة عن رسم على هيئة رجل باللون الأبيض، تكون مرفوقة برنّات لإعلام المكفوفين، ومَنْ خَرَق القانون يدفع غرامة مالية تصل إلى 125 دولارا كنديا.

حافلات راقية

يُقبل الكنديون على التنقل كثيرا عبر وسائل النقل العمومي. حافلاتُ النقل داخل المدن هنا حديثة. لا تخلّف سُحبا من الدخان عندما تنطلق كما يحدث في المغرب، ويمكن للمستعمل أن يعرف موعد مرورها، عبر خدمة إلكترونية، أو الاتصال برقم هاتفي مخصص لهذا الغرض. حين تصعد إلى الحافلة ترمي ثمن التذكرة في آلة أوتوماتيكية وتسحب تذكرتك ثم تمضي إلى مقعدك.

حافلات كندا نظيفة للغاية، لا توجد مقاعدُ مخدوشة أو متسخة. تستطيع ملاحظة تحضّر الكنديّين وتقدّم بلدهم من خلال حافلاتهم. لا ضجيج ولا ازدحام. مَن لا يقرأ كتابا يطالع جريدة، أو يلهو بهاتفه. حين يريد راكب أن ينزل لا يصرخ مطالبا السائق بالتوقف، أو يضرب باب الحافلة بعنف كما يحصل عندنا، يكفي أن يجرّ خيطا أصفر يتدلى من النوافذ فيصْدُر رنينٌ يُعلم السائق بوجود راكب يريد النزول في المحطة المقبلة.

إذا كان التنقل عبر "حافلات النقل الحضري" بكندا سَلِسا، بالنسبة إلى الأشخاص "العاديين"، فهو كذلك، بالنسبة إلى الأشخاص ذوي إعاقة أيضا، إذ ما أن يلمح السائق شخصا ذا إعاقة يريد الصعود أو النزول على متن كرسي متحرك، حتى يضغط على زرّ فيتدلّى لوح معدني أسفل الباب نحو الرصيف، ويشكّل جسرا للعبور بكل سهولة.

كل شيء في كندا موضوعٌ بدقّة. عند محطات الحافلات ثمّة صناديق للصُّحف يمكن لأي شخص أن يتناوَل منها صحيفة ويقرأها، في انتظار قدوم الحافلة. داخل كل محطة توجد لوحة إرشادات، مكتوبة باللغتين الإنجليزية والفرنسية، تحمل مجموعة من التوجيهات موجهة إلى الركاب، من قبيل إعطاء الأسبقية للنازلين من الحافلة قبل الصعود، وحمْل مبلغ التذكرة في اليد، حين الصعود إلى الحافلة ربْحا للوقت.. وغيرها من الإرشادات.

بيئة نظيفة وأمْن مُستَتبّ

حين تتجوّل في شوارع مونتريال أو أوتاوا، تستنشق هواء نظيفا ومُفعما بروائح الأزهار التي تؤثث الحدائق الصغيرة التي تحيط بالبيوت. الأزبال التي تلفظها المنازل تُوضع في أكياس بلاستيكية زرقاء وسوداء، بعد فرز الزجاج والبلاستيك عن باقي النفايات. الكنديون أنفسهم يشتغلون عمّالا للنظافة ويرافقون شاحنات جمع الأزبال، لارتفاع الأجر الذي يتلقاه العاملون في هذه المهنة، والذي يصل إلى أكثر من 20 دولارا في الساعة.

يُولِي المسؤولون عن تسيير الشأن المحلي في كندا اهتماما كبيرا للبيئة ويحرصون على نظافتها. بين حديقة وحديقة ثمّة حديقة. في فصل الصيف تتحوّل هذه الحدائق الفسيحة إلى ما يشبه حقولا واسعة تكسوها الخضرة. عُشبها مشذّب بعناية، وعلى جنبات الممرات كراسٍ خشبية. وللحفاظ على نظافتها يُمنع اصطحاب الحيوانات، أو إدخال الدراجات إليها، أمّا الشوارع فيتمّ تنظيفها بالماء ومساحيق النظافة مرتيْن كلّ أسبوع.

حين تتجوّل في شوارع مونتريال أو أوتاوا، من النادر أن تلمح دورية للشرطة تتجول في الشارع؛ لكنَّ الأمْن هنا مُستتبّ، ويمكنك أن تخرج إلى الشارع في الساعة الثالثة صباحا وتتجول دون أن يزعج راحتك أحد. مظاهر سيادة الأمن، هنا، تتجلى، أيضا، في صناديق الرسائل المفتوحة الموضوعة أمام أبواب البيوت، دون أن تطالها يدٌ أخرى غير يدِ صاحبها.

حياة سعيدة

تبدو وجوه الكنديين بشوشة. في إحدى الساحات العمومية وسط مدينة مونتريال، تلتئم مجموعات من الشباب من هواة الموسيقى، ويرقصون على إيقاع نغمات آلاتهم الموسيقية، وعلى مَبعدة بضعة أمتار ثمّة أدراجٌ زُيّنت بألوان زاهية يتخذها العشاق مكانا للاستمتاع بأوقاتهم، وفي ممرٍّ عمومي ثمّة مربّعات عملاقة للشطرنج يمكن لأي عابر أن يجرّب عليها مهارته في هذه اللعبة مجانا.

تشبه شوارعُ وساحات كندا لوحات تشكيليةً مرسومة بعناية فائقة. في حيِّ المِثليّين بمدينة مونتريال، تتدلّى من أعلى الحيّ آلاف الكُرات البلاستيكية من مختلف الألوان، تشبه قِلادات، مشكّلة لوحة فنية رائعة. في هذا الحيّ يتعايش المِثليّون، من الجنسيْن، جنبا إلى جنب مع الناس الآخرين، دون أن يضايقهم أحد، وغير بعيد يوجد حيُّ الصينيين، تُزيّن مدخله يافطة حمراء مكتوبة باللغة الصينية.

هناك أيضا أحياء في هامش مونتريال، يسكنها المهاجرون القادمون من شمال إفريقيا. داخل الأسواق التجارية يتصرفون كما يتصرف الكنديون. ينتظمون في صفوف أمام صناديق الأداء، ولا يمدّون أيديهم إلى السِّلال المخصصة للخبز، بل يستعملون الملاقط المخصصة لهذا الغرض. في متاجر مونتريال لا تزال الأكياس البلاستيكية رائجة؛ لكنَّ اللافت هو أنك لن تعثر على كيس بلاستيكي مَرمي في الشارع. "هذا يدلّ على أنّ المشكل ماشي فالميكا، بل في عقلية البشر"، يقول مغربي مقيم هناك.

يُعدّ مقر البرلمان الكندي من الأماكن التي يقصدها الكنديون، وأيضا زوار مدينة أوتاوا. بخلاف ما هو معمول به في المغرب، فإنَّ أبواب البرلمان الكندي مفتوحة أمام العموم، وبإمكان أيّ زائر أن يتجوّل داخله، ويخرج بمعلومات وافرة يقدّمها دليل مكلف بتقديم معلومات للزوار، ولا تُمنع الزيارة إلا إذا كان البرلمان يحتضن جلسة لرئيس الوزراء.. وبالرغم من الحراسة المشدّدة، فإن عناصر الأمن المكلفين بحراسة مقر البرلمان، والمدجّجين بمختلف أنواع الأسلحة، لا يتردّدون في قبول طلبات التقاط "سيلفيات" وصور مع الزوار.

اللافت هو أنّ الطريق لا تُقطع حين يقصد وفْد رئيس الوزراء البرلمان في سيارات رباعية الدفع ذات لون أسود، بل يسبقه فقط شرطي على متْن دراجة نارية ضخمة لإفساح الطريق والحيلولة دون عبور الراجلين إلى أن يمرّ، ثم يواصل الجميع مسيره، دون أن تسمع زعيق منبّه سيارات الشرطة أو ترى أيْدي عناصر الأمْن تلوح في الهواء بتوتّر آمرة السائقين بالتوقف أو الراجلين بالابتعاد عن طريق وفد رئيس الوزراء.