إسمنت وأسلاك تضمن صلابة "جدار العار"ببيرو

إسمنت وأسلاك تضمن صلابة "جدار العار"ببيرو

هناك الكثير من المناقشات في الأمريكيتين حول الجدار الذي اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشييده للفصل بين الولايات المتحدة والمكسيك. وفي الوقت الذي تشتعل فيه المناقشات في هذا الشأن، هناك جدار تم بناؤه بالفعل مازال يمثل رمزا صارخا للظلم الاجتماعي في المنطقة.

وهذا الجدار الذي يدور عبر تل في ليما، عاصمة بيرو، يتكون من الخرسانة والأسلاك الشائكة. ويمتد الجدار لمسافة عشرة كيلومترات، ويبلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار، ويفصل منطقة خاصة عن منطقة بامبلونا العشوائية، التي يسكنها المستوطنون الحضريون. ويصف السكان الجدار بأنه " جدار العار".

وتفول اوفيليا مورينو البالغة من العمر 51 عاما، التي تدير مطعما في الحي الفقير، إنه "جدار العار لأن الأغنياء على الجانب الأخر يخجلون منا، نحن الفقراء. هم ينظرون إلينا على أننا شيئ غريب، هم يقومون بإخفائنا لأننا مصدر إحراج".

ويبدو المنظر من الجانب الأخر مختلفا تماما. وفي فيلم وثائقي حديث حول الجدار يقول شاب من منطقة كاسواريناس الراقية أمام الكاميرا:" إذا لم يتواجد الجدار أعتقد أنه كان سيكون هناك مزيد من النزاعات، لأن الحياة فى هاتين المنطقتين مختلفة تماما. دمج سكان هاتين المنطقتين والنجاح في جعلهما يعيشان معا بصورة ودية سوف يكون أمرا معقدا للغاية".

ومن أعلى هذا التل، يمكن رؤية تلك الاختلافات الاجتماعية بوضوح للغاية. فعلى أحد جانبي الجدار، المباني مطلية باللون الأبيض، وهناك منازل كبيرة بها حمامات سباحة، وعشرات المنتزهات وحتى ملاعب لكرة التنس. وعلى الجانب الأخر، يظهر المشهد أماكن إيواء صغيرة ومتداعية، وأكوام من القمامة وكلاب وقطط هزيلة، وممرات قذرة وملعب كرة قدم مغطى بالطين.

وكان بناء "جدار العار" قد بدأ في ثمانينيات القرن الماضي، عندما قررت مدرسة خاصة في منطقة "سانتياغو دي سوركو"، التي تنتمى لها منطقة كاسواريناس، أنه من الضروري حماية الطلاب والمدرسين من حرب العصابات التى كانت مستعرة في بيرو في ذلك الوقت.

وخطوة بخطوة، واصل سكان سوركو تمديد الجدار بتصريح من الحكومة المحلية، متعللين بحجة أنهم في حاجة لحماية منازلهم من الأشخاص الذين يستوطنون التل، بما أنهم كانوا يقومون بسرقة الأرض.

ويقول خوليو يتوري مدير رابطة كاسواريناس: " أولئك الأشخاص جاءوا من جبال الأنديز معتقدين أن هناك إمكانية للبناء في ليما" مضيفا " ولكن بمجرد أن وصلوا أدركوا أنه لا يوجد مكان للعيش لأنهم جاءوا على أمل أن شخصا ما سوف يعطيهم مكانا للعيش مجانا أو على أساس اتفاق ميسر".

ومع اكتمال بناء الجدار عام 2014، كانت أسرة مورينو و 300 أسرة أخرى استقرت بالفعل على الجانب الأخر من التل، الذي يعد جزءا من منطقة سان خوان دي ميرافلوريس التى يقطنها أفراد الطبقة العاملة. وقامت الأسر ببناء منازل صغيرة باستخدام الخشب والبلاستيك، حيث لم تكن لديهم أموال للبناء في قطع أرض في المناطق المتحضرة.

وأضافت مورينو: " من قبل، كانت بامبلونا مكبا للنفايات يتم اغتصاب النساء فيها ويتعاطى بها المجرمون المخدرات. كانت مكانا مظلما و كئيبا . الآن، الوضع مختلف. إنه موقع جميل وهناك سلم على التل. وتم إحراز تقدم كبير بمساعدة المنظمات التي لا تسعى للربح وبلدية سان خوان دي ميرافلوريس".

وتقول سيدة أخرى: " لم نرتكب مطلقا أي خطأ. كل ما أردناه هو قطعة من الأرض لنعيش عليها. ننظر للجدار الآن ولا نعرف ما علينا أن نفكر فيه. هل هو أمن أم تفرقة عنصرية؟".

الحياة في بامبلونا صعبة. لا توجد مياه جارية، لذلك يتعين على كل أسرة أن تنفق نحو ثمانية دولارات يوميا لملء صهريج يحتوي على نحو 500 لتر من المياه.

وتقول إحدى نساء المنطقة أيضا: " حتى خزانات المياه لا تتم معالجتها بصورة ملائمة لكي تجلب لنا مياها نظيفة. يقول السائقون: إذا كنتم تريدونها اشتروها، وإذا لم تريدوا لا تشتروها". مضيفة: "الشركة التي توفر المياه لا تهتم إذا ما أصيب أطفالنا بالمرض".

وبالإضافة إلى الافتقار للمياه، تعد بامبلونا ايضا أرضا حاضنة للمرض. عدم وجود شبكة صرف صحي يجبر السكان على القيام بحفر حفر في الأجزاء العليا من التل واستخدامها كمراحيض مؤقتة. وعندما تكون هذه المراحيض على وشك الامتلاء، يقوم السكان بتغطيتها بالنفايات والتراب.

وتظهر الإحضاءات الرسمية في بيرو أن تعداد سكانها يبلغ 31 مليون نسمة. من بينهم 5ر6 مليون شخص من الفقراء و 2ر1 مليون يعيشون في فقر مدقع.

وتقول مورينو، التي تقوم بتحضير وجبتي الافطار والغداء لنحو 125 شخصا يوميا بميزانية 45 دولارا، أن أكثر ما يثير غضب سكان بامبلونا هو أن الجدار يعيق طريقهم أثناء الذهاب للعمل في الصباح، مما يضطرهم لسلك طريق أطول كثيرا للوصول إلى كاسوارنياس.

وأضافت: "هناك الكثير من السكان الذين يعملون كخدم في المنازل وطهاه أو في مجال البناء على الجانب الأخر، قبل الجدار، كنا نستطيع العبور والوصول في ساعة. الآن علينا أن نقوم بالدوران ، ويستغرق الطريق ثلاث ساعات".

ويقول الأطفال في بامبلونا إنهم يفتقدون القدرة على رؤية المحيط وأضواء وسط مدينة ليما من أعلى التل. في بعض الأحيان، يقومون باستخدام سلم لتسلقه للوصول إلى أعلى الجدار واستراق النظر على الجانب الأخر ويسألون أنفسهم :" لماذا لا نستطيع أن نعيش هناك؟".