عصيد: مشكلة حميش مع الأمازيغية تنغمس في "المواقف الشخصية" (3)

عصيد: مشكلة حميش مع الأمازيغية تنغمس في "المواقف الشخصية" (3)

كيف نواجه التهديدات الخارجية

تحدث الأستاذ حميش عن المقومات الوطنية التي مكنت المغرب من مواجهة الأخطار والهزات التاريخية القوية والمتنوعة، والتي منها " الغزو الأيبيري لساحليه الأطلسي والمتوسطي طوال القرنين 15 و16 م، ومنها التهديد العثماني على حدوده الشرقية، هذا فضلا عن حلقات صدمة الحماية والاستعمار الفرنسيين"، لكنه لم ينتبه إلى أن الأخطار التي تحدث عنها توجد اليوم في ذمة الماضي، رغم كل الآثار التي ما زالت تلقي بظلالها علينا حتى اللحظة الراهنة، وأن الأخطار الجديدة التي تواجهنا اليوم أشدّ تهديدا وأشرس بسبب التحافها برداء الدين والمعتقد، مما أدى إلى شرعنة الكثير من آثارها المدمّرة للشخصية المغربية ولمقومات التلاحم الوطني، أقصد هنا تحديدا إيديولوجيتين دينيتين أجنبيتين فتاكتين بكل ما هو وطني، "الوهابية السعودية ـ الباكستانية ـ الأفغانية" و"الإخوانية المصرية ـ القطرية"، اللتين أصابتا بلوثتهما بعض مواطنينا وكادتا أن تعصفا بمقومات الأسرة المغربية والتدين المغربي السّمح، وجعلتا من النظام التربوي المغربي مشتلا للغلو الذي يعوق كل تنمية ، كما يضادّ قيم المواطنة والبناء.

إن مواجهة الأخطار الخارجية لا يكون بنظرية المؤامرة واستعداء المواطنين والأطراف السياسية والثقافية ، بل بترتيب البيت الداخلي عن طريق تحقيق الاعتراف المتبادل وتقوية أسُس العيش المشترك عبر التربية على الحق في الاختلاف واحترام التنوع وتفعيل مكتسبات الدستور التي ما زالت حبرا على رق.

بصدد "أسلم تسلم" وقضايا أخرى

ومن أخطاء الأستاذ أنه تناول قضايا لا يعرف سياقها ولا حقيقة مواقفي منها، بل اتبع فيها ما قاله الخصوم مما صادف هوى في نفسه، ومن ذلك حديثه عن رسالة "أسلم تسلم" واتهامي للرسول بالإرهاب، والحقيقة أنني أربأ بالأستاذ حميش أن يتناول الموضوع بنفس فكر البداوة الذي تناوله به مجانين السلفية، فأستاذ الفلسفة القريب من عالم العلوم الإنسانية والذي كان وزيرا للثقافة سيعلم بلا شك بأن هذه الرسالة "منسوبة" إلى الرسول وغير موجودة كوثيقة تاريخية، إلا إذا كان الأستاذ حميش يعرف المتحف الذي تقبع فيه بعد تحليلها بالكاربون 14 والتدقيق في خطها ورموزها من طرف أهل الاختصاص، وهذا كله غير موجود على الإطلاق، فقبل العملة النقدية لعبد الله بن الزبير التي ضُربت في بلاد فارس، والتي تعود إلى العصر الأموي، لا يوجد أي أثر مادي لعصر النبوة والخلفاء الأوائل، بما في ذلك القرآن نفسه الذي تقول المصادر إن الخليفة الثالث عثمان قد أمر بجمعه، والذي لا أثر له اليوم، إذ أن أقدم نسخة للقرآن (نسخة صنعاء) تعود إلى ما بعد عصر الخلفاء بعقود طويلة. ولهذا لم يقل أحد من علماء المخطوطات وأهل الاختصاص أن النبي قد ترك أية رسالة من رسائله، ومن تمّ فرسالة "أسلم تسلم" من الأخبار التي تم تلفيقها بعد العصر النبوي بأزيد من 150 سنة، وإذا كان العرب قد بعثروا كل أثر لهم بسبب عدم اهتمامهم بالتوثيق والكتابة، فإنه بالمقابل لا يوجد أي أثر لهذه الرسالة في أرشيف الدول التي زعمت رواية الفقهاء أن النبي قد قام ببعث رسائله إليها. مع العلم أن هذه الدول قد احتفظت في أرشيفها بوثائق تعود إلى ما قبل الإسلام بقرون.

هذه الرسالة إذن شبيهة بأحاديث البخاري الذي أتحفنا بأخبار من نوع "جئتكم بالذبح" و"نُصرت بالرعب" و"أمرت أن أقاتل الناس" و"لا يفلح قوم ولوا على أمرهم امرأة" وغيرها كثير، والتي جمعها الرجل بعد 220 سنة من وفاة الرسول، والتي ساهمت بشكل كبير في تشويه صورة النبي وصورة الإسلام في عصرنا.

من جانب آخر لم ينتبه الكثيرون إلى أن نقاشي حول الرسالة المنسوبة إلى النبي هو نقاش بيداغوجي تربوي وليس دينيا، لأن الأمر يتعلق بكتاب مدرسي مُوجّه للأطفال، حيث لا يجوز أبدا تدريس مضامين غير تربوية تتضمن عنفا أو تحريضا على الكراهية، ولست أدري إن كان الأستاذ حميش قد تابع ما حدث بعد حملة السلفيين ضدّي، وسأذكره لعل الذكرى تنفعه في فهم ما يكتب ويقول، فبعد حكاية رسالة "أسلم تسلم" دعوت إلى مراجعة تفسير الفاتحة الذي يدرس للأطفال والذي يقول إن "المغضوب عليهم" هم اليهود و"الضالين" هم النصارى ، وتعرضت لنفس الحملة ، وشاءت الصدف الجميلة أن يقوم الملك محمد السادس بإلقاء خطاب دعا فيه إلى مراجعة كتب التربية الإسلامية لما تتضمنه من عنف وإرهاب، وكلف بذلك لجنة ملكية قامت بحذف الكثير من المضامين منها الرسالة المعلومة وكذا التفسير المذكور للفاتحة. ولم أسمع صوتا للذين تسابقوا على الشتم والسبّ والتحريض قبل ذلك، ولا ظهر لهم ذكر. فهل يعلم الأستاذ أن الموضوع الذي يتحدث فيه قد قامت الدولة بتسويته على أحسن وجه ؟

ولست أدري إن كان الأستاذ حميش يقوم بدراسة المقررات الدراسية للابتدائي والإعدادي ليعرف ما تدرسه المدرسة المغربية لأبنائنا، أم لأنه كان قد سجل أبناءه في البعثة الأجنبية لا يهمّه ما يؤرقنا ولا مصير أبناء الشعب المغربي، لكن فيما يخصني أقوم كل خمس سنوات بهذا التمحيص النقدي بغرض معرفة مقدار التطور الذي يحصل في مجال قيم المنظومة التربوية. بل إنني سبق لي أن عقدت ندوات صحفية لإبلاغ نتائج عملي للرأي العام ولوزارة التربية الوطنية بهذا الشأن. وقد نبهت في شتنبر 2019 إلى وجود درس جديد في مقرر التربية الإسلامية موجه للأطفال، يتحدث عن طرد يهود "بني النضير" من ديارهم وتخريب بيوتهم وقطع أشجارهم ونخيلهم، وللأستاذ أن يحكم على "القيمة البيداغوجية" و"الأهداف التربوية" لنص من هذا النوع.

غزوات الأمويين، الغنيمة، الجنس والمال

أنكر علينا الأستاذ حميش أن نعتبر أن غزوات العرب الأمويين لشمال إفريقيا كانت بغرض الغنائم والجواري والأموال، شخصيا لا أحب العودة إلى هذه المواضيع التي نشرنا فيها الكثير وقلنا الكثير، كما لم يُفهم هدفنا منها من طرف المحافظين، والذي هو نزع القداسة عن شخصيات تاريخية غير مُقدسة، وعن مرحلة كتب عنها القدامى بشكل موضوعي وقرأها المعاصرون لنا قراءة أسطورية عاطفية لا تثبت أمام النقد التاريخي، ولعل النصوص الغزيرة التي خلفها لنا المؤرخون المسلمون القدامى كفيلة بإظهار ما نقول، فقد رسم هؤلاء صورا كالحة لقادة عسكريين أمثال عمرو بن العاص ومعاوية بن حديج وزهير بن قيس البلوي وعقبة بن نافع وحسان بن النعمان وموسى بن نصير الذي سجن طارق بن زياد وعذبه بسبب الغنائم، وابن الحبحاب وابن عبد الله المرادي، ولأن المجال لا يتسع ها هنا لإيراد جميع النصوص المتوفرة، أترك أستاذنا وجها لوجه مع واحد من أكثر النصوص إفصاحا عن حقيقة الغزو الأموي، وهو ما رواه ابن عذاري في كتابه "البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب"، حيث يذكر أنهم "خمّسوا" الأهالي، أي اعتبروهم ضمن الغنائم التي يتم تقسيمها إلى خمسة أقسام، وهذا رغم إسلامهم، يقول المؤرخ المذكور عن عُبيد الله ابن الحبحاب الذي تولّى سنة 734 : "وأساء السيرة، وتعدى في الصدقات والعشر، وأراد تخميس البربر، وزعم أنهم فيء المسلمين. وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله. وإنما كان الولاة يخمسون من لم يجب للإسلام. فكان فعله الذميم هذا سبباً لنقض البلاد ووقوع الفتن العظيمة المؤدية إلى كثير القتل في العباد. نعوذ بالله من الظلم الذي هو وبال على أهله".

وحقيقة هذا الفعل الشنيع أن خليفة العرب الأمويين في الشرق كان قد عزل الوالي السابق لما رفض أن يبعث له نفس عدد الرقيق والغنائم التي كانت تصل إلى الخليفة السابق عليه، حيث أجابه الوالي بأن البربر أسلموا ولم يعد يمكن استرقاقهم، فعزله وعين ابن الحبحاب لما عُرف عنه من غلظة وبطش وعنصرية ضدّ غير العرب، فكانت ثورة الأمازيغ الذين تحولوا إلى المذهب الخارجي، المعادي للأمويين، الثورة التي أنهت حكم العرب في شمال إفريقيا إلى الأبد، وأسست لاستقلال المغرب عن المشرق سياسيا، وفتحت الباب أمام تأسيس الأمازيغ لممالكهم وأمبراطورياتهم الكبرى في إطار الإسلام نفسه. أما الذي قاد هذه الثورة المظفرة فقد لقبه العرب بـ"ميسرة الحقير"، كما لقبوا من قبل زعيما آخر بـ"كسيلة اللعين"، لأنه رفض عنصرية عقبة وبغيه وتطاوله عليه وهو زعيم في قومه، وانتهى إلى قتله وإبادة جنده معه.

أما عن العوامل التي جعلت غزوات الأمويين لشمال إفريقيا غزوات غنيمة واسترقاق وجنس ومال فموجودة في الجزء الثالث من "نقد العقل العربي" بتفصيل، والذي عنونه الدكتور الجابري بـ"نقد العقل السياسي العربي"، ويمكن للأستاذ الإطلالة عليه لما فيه من فائدة في هذا الباب، كما يمكنه الاطلاع على الصورة القبيحة لولاة العرب بشمال إفريقيا في كتاب "البربر عرب قدامى" للسيد محمد العرباوي نفسه. هذا إن كان الأستاذ لا يطيق ما ورد في أمهات الكتب القديمة.

معنى الدولة الفدرالية

تناول الاستاذ موقفي من الدعوة إلى الدولة الفدرالية كما لو أن ذلك شُبهة أو جريمة، بينما هذا موقف جزء من اليسار المغربي بجانب الحركة الأمازيغية والعديد من الشخصيات الوطنية، وله مسوغ في اختيارات الدولة المغربية نفسها كاقتراح الحكم الذاتي في الصحراء وإعلان الجهوية الموسعة والمتقدمة، فهل يعتقد الأستاذ بأن إقرار الحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية سيظل مجرد حلّ محدود مشروط بقضية الصحراء ؟ الحقيقة أن ذلك لن يكون إلا بداية مسلسل تطوري نحو نموذج دولة أرقى من النموذج المتمركز، لحصول المناطق الأخرى على وضع الحكم الذاتي في ظل الوحدة المغربية الجامعة، فما دامت الدولة الوطنية المركزية عاجزة عن إنجاح مشاريع التنمية والتوزيع العادل للثروة وتطبيق الجهوية الفعلية والحدّ من الهجرة في اتجاه المدن الكبرى، فلن يكون التجاوز إلا بالانتقال من النموذج التقليدي إلى نموذج أكثر مرونة وانفتاحا كدولة الجهات ثم الفدرالية. ولا علاقة لهذا الأمر ب"التفكيك والبعثرة" اللذين يخشاهما الأستاذ، إذ من أعظم النماذج الناجحة في العالم نماذج الدول الفدرالية. كما أن الخطر الحقيقي هو في البقاء على وضعية مؤذنة بالانفجار بسبب التردّي العام وسوء الحكامة وقوة السلطوية الجامحة وضعف الثقة في المؤسسات.

كلمة شكر

أشكر الأستاذ حميش الذي أتاح لي أن أكتب ما كتبت، والذي بلا شك سيفيد قراء كثيرين، وسوف لن أردّ ثانية على أي مقال أو تصريح لأستاذنا، لكن حبل الودّ لن ينقطع، ففي حالة ما إذا احتاج الأستاذ المحترم لمراجع أو وثائق أو دراسات أو تقارير رسمية وغير رسمية حول مسلسل مأسسة الأمازيغية، أو إلى الجلوس مع أهل الاختصاص لمساءلتهم عن أمور يريد تدقيقها، أو أراد تعلم اللغة الأمازيغية حتى يُميزها عن لغات أخرى، فسنكون رهن إشارته. أما توعّده بكتابة مقالات "يُفحمنا" بها ويقضي علينا قضاء مُبرما، فرغم أنه سيُسعدنا أن نحظى باهتمام وزير ثقافة سابق صار متخصصا في هجائنا، فإننا نشفق عليه من التعب والإنهاك الذي لا طائل من ورائه، لكن يمكنه دائما المحاولة إن كان يشعر في ذلك بمتعة ما، دون أن ينسى أن "المُفحم" الأكبر هو التاريخ. أما جيل دولوز فقد كتب يوما: "إن الكتابة من أجل التحطيم والدحض هي أحط أنواع الكتابة".

حاشية

إذا ظل في نفس الأستاذ حميش شيء من حتى، وكان بحاجة إلى تفريغ نفسي، أدعوه إلى مناظرة مُصورة، حتى يتمكن من "إفحامي" بشكل ماحق لا يُبقي ولا يذر، وحتى يستفيد جمهور أوسع من علمه وحكمته، وله أن يختار القناة التي يريد، حتى يطمئن قلبه.

الجزء الأول

الجزء الثاني