عصيد يرثي الرايس أوبلعيد: "هرم أسايس" ينزوي في ذاكرة الخلود

عصيد يرثي الرايس أوبلعيد: "هرم أسايس" ينزوي في ذاكرة الخلود

هل تموت الحكمة والكلمة الصادقة؟ الجواب في دُرر الآداب العالمية من كل العصور ولدى كل شعوب الأرض، والتي ما زالت تصارع الزمن وتتحدى غباره، فقد حفظت ذاكرة البشر الكثير من المخزون الشعري كما تحفظ اللآلئ وتكنز الذهب، في الوقت الذي اندثرت فيه آثار كان الناس يعتقدون أنها من القوة بحيث يمكنها الصمود في وجه النسيان.

واحد من مبدعي تلك الدّرر وصاغتها هو الرايس عثمان أوبلعيد، الذي انسلّ في صمت مغادرا قافلة التعب في صبيحة يوم الخميس، وانزوى بالتدريج ليحتل مكانه في ذاكرة الخلود.

عاش سنواته الأخيرة منهكا في غير مرض أو سقم، كان ثقل السنين وحده من ظل يضاعف غور تجاعيد وجهه ويجعل صوته أكثر ارتعاشا، حتى أنه خلال إحدى المحاورات الأخيرة عجز عن إتمام إنشاد أشعاره، وتوقف في منتصف الحوار، موحيا بإشارة من يده إلى محاوره أن يتابع ذلك بنفسه.

اكتشفت الرايس عثمان أوبليعد سنة 1976 من خلال محاوراته الشعرية الشيقة التي ذاع صيتها آنذاك، ومنذ ذلك التاريخ لم أتوقف عن متابعة شغبه الفنيّ الجميل.

هرم شامخ من أهرام أسايس، وأحد مشاهير النظم الذين شدّوا إليهم اهتمام جمهور واسع عقودا من الزمن، شخصية فنية فريدة، وشاعر ذو سطوة وحضور قويين يجعلان إيقاع النظم يسير حسب إرادته ورغبته، يُمسك بيده خيوط الحوار الشعري المرتجل من مبتدئه إلى منتهاه، ويصنع من اللغة بدائع جميلة غاية في الإتقان.

ولد الرايس عثمان ؤبلعيد سنة 1928 بقرية آيت عبّو Ait obbu المجاورة لقرية ئكيدار Igidar بمنطقة المهارة على جنبات نهر سوس ناحية مدينة تارودانت، وعاش طوال حياته بمسقط رأسه حياة الفلاحين البسطاء، تأثّر منذ صباه بالشعراء الذين لقوا شهرة واسعة في منطقته آنذاك أمثال ابراهيم أعثمان Brahim A3tman وحمّاد أساكني Hmmad Asakniy ومحمّاد بويحزماي Muhmmad Buyhzmay ، وانطلق في نظم الشعر منذ وقت مبكر وهو بعد طفل يافع، عاصر جيلا من الشعراء الأقوياء الذين اضطرّوه إلى خوض المعارك الفنية الكثيرة لإثبات الذات، ومنهم إحبيرّو Ihbirru وسّي عمر Ssi 3umar وبوزّيت Buzzit وؤشّن Uccen وبعدهم كوكوKuku.

وكان له حظّ أن يصادف صعود نجمه ظهور الشريط الصوتي خلال الستينات مما ساعد على انتشار أشعاره بشكل واسع. وقد اقترن اسمه خلال سنوات السبعينيات باسم الرايس لحسن أجمّاع الذي رافقه في معظم سهراته في تلك الفترة التي شهدت إقبالا منقطع النظير على فنّ أحواش بفضل رواج الشريط الصوتي. زار العديد من المدن بالمغرب كما رافق بعض الفرق الفولكلورية لفترة وجيزة، وشارك معها في تظاهرات فنية وثقافية داخل المغرب وخارجه.

يتصف عثمان ؤبلعيد بخصائص جعلته محبوبا لدى جمهور أسايس من كلّ الأعمار، ومنها طبعه البدوي الخشن والبسيط، وصوته الاحتفالي القوي ذي النبرات الرجولية، وروحه المرحة مع نزعته التهكمية التي لا تفارقه إذ عُرف بالطابع الساخر لمعظم محاوراته التي يتعمّد فيها إثارة محاوره عن طريق الغمز واللمز في شخصه أو في الإيحاء بالقضايا المحرمة، وبجانب ذلك اشتهر الرايس عثمان بإتقانه لألحان أحواش أولوز التي كان يؤدّيها بأسلوبه الخاصّ الذي يخلو من التصنّع، وقد برع في استقطاب جمهور الحاضرين بسهولة بفضل أسلوبه الهجومي ومناوراته الفنية التي يعمد إليها من أجل رفع حرارة اللقاء وإيقاع المحاورات الشعرية.

ويتّصف الرايس عثمان علاوة على الخصائص المذكورة بجرأة كبيرة تجعله يتناول جميع أبواب النظم بما فيها المحرّمة، غير أنّ الخاصية الأكثر إثارة للإهتمام في شخصيته ميله إلى المحاورة في القضايا الكبرى ذات الصبغة السياسية، واعتماده أساليب الترميز والمجاز والصور البلاغية بشكل مكثّف لا يكاد يضاهيه فيه أحد، مما يجعل الإستماع إلى شعره وحضور محاوراته متعة كبيرة. كما أنّ لديه قدرة مشهود لها على الاختزال والتكثيف حيث يقدّم صورا شعرية عميقة وغنية في أقل عدد من الكلمات، خلافا لغيره من الشعراء الذين يفضّلون الإطناب الذي يؤدّي في كثير من الأحيان إلى الإسفاف. وبفضل خاصية الاختصار المذكورة استطاع الرايس عثمان أن يجعل أشعاره على كلّ لسان بسبب سهولة حفظها، حيث تلتقي فيها خاصيتا الإختصار والجمال الفني وحسن الصياغة.

يُعدّ الرايس عثمان أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية "إماريرن" سنة 2003، والتي تضمّ كبار شعراء "أسايس". كما كان من الفنانين الأوائل الذين حظوا باهتمام المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية حيث تمت استضافته لمدة أسبوع كامل في "إقامة الشعراء" سنة 2010، وهي التظاهرة التي ينظمها المعهد كل سنة بمناسبة اليوم العالمي للشعر 21 مارس، وكانت ثمرة ذلك الحضور إصدار أول ديوان شعري له سنة 2012 عن منشورات المعهد، يضمّ العديد من قصائده ومحاوراته الشهيرة.