"مايكل أزرو" .. شاب مغربي يصون الأغنية الأمازيغية من الضياع

"مايكل أزرو" .. شاب مغربي يصون الأغنية الأمازيغية من الضياع

بما أن الشعر، باعتباره من الفنون الجميلة، يحتاج إلى من يحفظه من الضياع والنسيان عبر توثيقه، فإن الموسيقى، بشكل عام، والأمازيغية على وجه التحديد، المسجلة في "الكاسيط"، في حاجة، هي الأخرى، إلى من يصونها ويرعاها أمام المد التكنولوجي الجارف. لكن هذا العمل "الأرشيفي" لن يكتمل ولن يتم بالشكل المطلوب إلا بتوافر شخص غيور على الفن عموما، كما هو حال يوسف بوتُنفيت، الملقب والمعروف والشهير بـ"مايكل أزرو".

تعود أصول مايكل إلى الريصاني بالجنوب الشرقي للمغرب، لكنه ولد وترعرع بمدينة أزرو الأطلسية سنة 1985، تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي بالمدينة نفسها؛ وبعد حصوله على البكالوريا في شعبة العلوم بثانوية طارق بن زياد، درس سنتين في شعبة التدبير المقاولاتي، غير أن ظروفا اجتماعية حالت دون إتمامه دراسته الجامعية.

بدايات مايكل مع الاشتغال في محل لجمع الأغاني الأمازيغية في "كاسيط" ترجع إلى سنوات تعليمه الثانوي، إذ كان يساعد صاحب المحل الأصلي في بعض الأشغال من أجل توفير مصروفه الشخصي الذي يكفيه كشاب في سنه حينها؛ وعقب سنته الثانية بعد البكالوريا، صادف ظروفا عجلت بمغادرته مقاعد الدراسة للاشتغال بشكل يومي في المحل الذي حوله في ما بعد إلى قبلة للباحثين عن الدرر من الموسيقى الأمازيغية الكلاسيكية المسجلة في "الكاسيط".

وعن طبيعة عمله، قال مايكل إن الفنان الأمازيغي لما يسجل أغنيته على "الكاسيط" في أحد الأستوديوهات، يقدمها له من باب الدعاية والإشهار، كما هو متوفر في مقاطع "فيديو" على الموقع العالمي "يويتوب"، من أجل التعريف بالأغنية وصاحبها، لأن الناس تقبل عليه من كل فج عميق، للسؤال عن "كاسيط" معين، لما لهذا النوع من القطع الموسيقية النفيسة من جاذبية للماضي وللزمن الجميل.

وبما أن غزو التكنولوجيا اقتحم حياتنا العامة والخاصة، فمن المؤكد، حسب مايكل في تصريح خص به هسبريس، أن يتراجع الإقبال على "الكاسيط" بشكل ملحوظ، وتتقلص نسبة مبيعاته مقارنة بتسعينيات القرن الماضي.

"أمام هذا الوضع أقوم بتحميل أغاني آلة "الوتار" بمفردها، وآلة الكمان لوحدها، فأضعها في الحاسوب، وكلما رغب الزبون في تخزين أغانٍ معينة في الناقل التسلسلي USB أتكلف بالمهمة حتى يستمتع بأغانيه المفضلة، سواء داخل السيارة أو في منزله، وفي مرات أخرى أتلقى من الزبون لائحة من الأغاني المفضلة لديه، فأجمعها له في قرص مدمج CD. وأغلب الزبناء من الأطلس ينتقون الأغاني الأمازيغية لفنانين مختلفين"، يقول المتحدث ذاته.

وعن قصة لقب "مايكل أزرو" الذي اشتهر به، يردف الشاب ذاته: "هذا اللقب رافقني منذ صغري، وبالضبط منذ أن كنت تلميذا في السنة الثالثة ابتدائي، إذ كنت أقلد حركات الراحل مايكل جاكسون، ومن ثمة أصبحت معروفا بمايكل أزرو، لتمييزي عن مايكل الأمريكي رغم أصوله الإفريقية"، وتابع: "سأحكي لك قصة رغم أن والدتي تنصت إلى حديثنا الآن..حدث أن كنت بصحبتها في الشارع ونودي علي بمايكل، فاعتقدت أن أصدقائي ينادون علي "موكلي فتى الأدغال"، فنهرتني ألا أقبل أن ينادى علي بذلك الاسم، فشرحت لها أنهم يطلقون علي "مايكل" وليس "ماوكلي"، فتفهمت في ما بعد وألفت هذا الاسم، وهي فخورة بي".

إن أسباب إعجاب مايكل بالعمل في محل لجمع "الكاسيط" تعزى بالدرجة الأولى إلى أنه مورد رزق له، كما أنه يهوى الموسيقى بدرجة كبيرة وبجنون وتجري في شرايينه وتدب في عروقه، ولا أدل على هذا الفيديوهات التي يتناقلها رواد "فايسبوك" في ما بينهم. والغريب في الأمر أن "مايكل" لا يفهم الأمازيغية ولا يتقنها، رغم أنه ترعرع في أزرو الأطلسية؛ لكن حبه لهذا اللون الغنائي وإحساسه به جعله يعض على المحل بالنواجذ، لأنه وجد ضالته في هذا العمل الشريف؛ علاوة على كونه يسعى إلى التعريف بمدينته من خلال تسليط الضوء على مميزاتها الطبيعية والفنية...

"لا أستقبل أبناء أزرو فقط"، يقول مايكل بخصوص طبيعة من يزورونه، مردفا: "بل ألتقي يوميا أناسا من مدن مغربية أخرى، زاروا أزرو خصيصا لأجلي؛ أولا للتعرف علي، وثانيا لتصوير فيديو للتوثيق برفقتي على إيقاع آلة "الوتار" أو الكمان في جو طابعه البهجة والسرور. كما أن أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج كلما دخلوا أرض الوطن يقصدني الكثير منهم للاستمتاع والإنصات إلى جديد الأغنية الأمازيغية، واقتناء ما تيسر من "الكاسيط".. حب الناس لي إحساس لا يوصف.. عفويتي والحمد لله تروق الجميع ممن يقصدونني من كل صوب وحدب".

وطالب مايكل بإعادة الاعتبار للفنان عامة والأمازيغي بشكل خاص من أجل انتشالهم من براثن الفقر وشبح البطالة الذي يؤرق بال العديد منهم، من خلال تنظيم مهرجانات بالأطلس، ودعوة فناني الأطلس لنفض بعض الغبار عنهم وإماطة اللثام عنهم، خاتما: "لك أن تتصور أن هناك فنانين يكادون لا يغادرون المقاهي، لأن فرص الشغل قليلة إن لم نقل نادرة. ونتمنى من وزارة الثقافة أن تولي مزيدا من الاهتمام بالفنان الأمازيغي، لأنه ساهم في الحفاظ على هذا الموروث العريق".