بحث يرصد تعايش الشرع الإسلامي والعُرْف "العلماني" للأمازيغ

بحث يرصد تعايش الشرع الإسلامي والعُرْف "العلماني" للأمازيغ

قدّم المحفوظ أسمهري ومبارك أيت عدي، وهما باحثان بمركز الدراسات التاريخية والبيئية بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، بحثا رصدا فيه تعايش العُرف والشرع في تدبير الحياة الاجتماعية بالمجالات الأمازيغية، وتحديدا في منطقة سوس.

انقسام مواقف الفقهاء

يشير الباحثان في مستهل بحثهما، الذي قُدم مساء الأربعاء بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إلى أنّ موضوع الشرع والعرف له حضور كبير في الذاكرة الجماعية بمنطقة سوس، كما نال اهتمام فقهاء سوس الذين انقسمت مواقفهم إزاءه إلى ثلاثة اتجاهات.

الاتجاه الأول لم يمانع في تحويل الأعراف من ضوابط شفوية إلى ألواح مدوَّنة، ومن رواد هذا الاتجاه الفقيه الحسن بن عثمان التاملي. أما الاتجاه الثاني فقد رفض الأعراف جملة وتفصيلا، واعتبر الاحتكام إليها بمثابة "الاحتكام إلى الطاغوت"، كما ذهب إلى ذلك الفقيه محمد بن عمر الهشتوكي التاملي، بينما تبنى الاتجاه الثالث موقفا وسطا، بقصْر تطبيق الشرع على الأمور التي تصل إلى السلطان، وتدبير باقي القضايا بالقانون العرفي.

ودرَس الباحثان المحفوظ أسمهري ومبارك أيت عدي حالة فريدة للتعايش بين الشرع والعرف في منطقة تدعى زاوية وأكادير سيدي يعقوب بالأطلس الصغير، حيث توجد الزاوية، كمؤسسة شرعية، بجوار "أكادير"، الحصن أو المخزن الجماعي، الذي يمثل المؤسسة العرفية، باعتباره مقرَّ اجتماعات "إنفلاس"، وهم عرفاء القبيلة الذين يطبقون الأحكام العُرفية.

والأحكام العرفية التي كانت تنظم الحياة الاجتماعية للأمازيغ هي أشبه بالقوانين العَلمانية؛ إذ إنّ "ألواح إكودار"، التي تتضمن الأحكام العرفية، تعتمد العقوبة بالمال ولا تنص في مضامينها على الحدود الشرعية المعروفة.

ومن الأدلة التي رصدها الباحثان في هذا الجانب مقولة مدوَّنةٌ في ألواح قبائل جزولة فحواها "الشرع في الأملاك وغيرُه في العرف"؛ أيْ إنّ أحكام الشرع الإسلامي لا تُطبق إلا في القضايا المتعلقة بالأملاك، بينما يُحتكم إلى الأحكام العرفية في باقي القضايا.

تعايش بين العُرف والشرع

وبالرغم من أنّ العُرف هو قانون "علماني"، لا يمتح من المرجعية الشرعية، فإنّه تعايش مع الشرع في أكادير سيدي يعقوب الواقع بالأطلس الصغير، جماعة إداوكنيضيف، حيث أصدر الفقيه المختص النوازلي محمد بن علي سعيد اليعقوبي، الذي عاش بين 1803 و1878، فتوى أجاز فيها بناء الحصن بجوار الزاوية، لتتعايش هاتان المؤسستان جنبا إلى جنب، رغم مرجعيتهما المختلفتين، باعتبار الحصن مؤسسة عرفية والزاوية مؤسسة دينية.

يقول الفقيه محمد بن علي سعيد اليعقوبي إنه كان أشدّ منعا لبناء حصنٍ بجوار زاوية الشيخ أبي يوسف سيدي يعقوب بن يدر، حين شاوره السكان في هذه المسألة، "لما في الابتداء والابتداع من خوف"، غير أنه عدل عن هذا الموقف بعد زمن طويل من التفكير لحاجة الناس إلى بناء الحصن.

ويظهر من خلال الخلاصات التي توصل إليها الباحثان المحفوظ أسمهري ومبارك أيت عدي أن مجاورة الحصن للزاوية أدت إلى تداخل العمل بالعُرف والشرع في تسيير مؤسسة أكادير العرفية، بينما الأصل أنّ هذه المؤسسة كانت تسيّر بالأحكام العرفية وحدها.

التداخل بين العرف والشرع في لوح أكادير سيدي يعقوب يتجلى في فرض شيخ الزاوية، باعتباره رمزا للشرع، على عرفاء (إنفلاس) القبائل المجاورة، شروطا معينة، قبل السماح لهم ببناء أكادير في حرَم زاويته، وكذا التأصيل الشرعي للعمل بالعُرف في أكادير، بينما المعتاد في ألواح إكودار هو التنصيص مباشرة على الأعراف التي تسيّرها.

ويرى الباحثان اللذان أنجزا البحث أنّ الشروط التي فرضها شيخ الزاوية على عرفاء القبائل مهّدت لـ"دخول الشرع إلى مؤسسة عرفية"؛ ذلك أنّ من بين الشروط التي فرضها الشيخ أن يعمل العرفاء بـ"مقتضى الشريعة في كل حادثة ونازلة"، و"ألّا يُفعل داخل الحصن ما لا يُفعل في الزاوية، فهما سيان في التوقير والاحترام".

دخول الشرع إلى مؤسسة أكادير العرفية بقرية سيد يعقوب مهّد للتأصيل الشرعي للعرف، حيث تمّ إرساء بنود قانونية تستحضر الشرع بدل العرف في التسيير اليومي لأكادير، ومن تجليات ذلك عقوبة تارك الصلاة بدون عذر شرعي حتى خرج وقتُها، حيث يدفع أُوقية عن كل صلاة لم يصلّها في وقتها.

من مظاهر العمل بالقانون الشرعي بدل القانون العرفي في أكادير سيدي يعقوب، كذلك، منع التعامل بالربا، حيث تمّ التنصيص على أنّ "مَن تعامل بالربا في الحصن ككراء الدراهم بالدراهم أو بالطعام وكبيع سلعة بمال ثم اشتراها البائع من مشتريها بأقل مما باعها به له فإنهما يغرَّمان ريالا كبيرا على كل منهما".

وبالرغم من أنّ الشرع اقتحم تدبير الحياة الاجتماعية للناس بقرية سيدي يعقوب، فإنّ بعض الأحكام التي صدرت عن شيخ الزاوية لم تصل إلى حدّ التطبيق الحرفي لأحكام الشرع، ومن بينهما حُكم يتعلق بضبْط رجل وامرأة مختليين ببعضهما داخل بيت في الحصن، حيث اقتصرت العقوبة على إخراجه من أمور الحصن وأمور الزاوية، هو وذريته وإخوانه، وعدم السماح له بالرجوع والدخول مرة أخرى.