"القصر والأمازيغ" .. قصة اجتماع عاصف بين الحركة والوفد الملكي

"القصر والأمازيغ" .. قصة اجتماع عاصف بين الحركة والوفد الملكي

بقليل من الريبة وكثير من الانتظار المحفوف بآلام الماضي، ترقبت مختلف التلاوين السياسية بالمغرب صعود الملك محمد السادس إلى سدة الحكم في بداية الألفية، على أمل أن يأتيها مرسول أو توجيه يبعدها من الرصيف ويأتي بها إلى قلب الساحة السياسية المغربية، خصوصا أن رهانات الملك الجديد برزت بقوة منذ أولى أيام حكمه، وهو المطالب بالتحاور مع أطراف همشت في فترة والده، وتتقدمها الحركة الأمازيغية التي مكثت في الظل منذ سنة 1967 إلى غاية 2000.

جريدة هسبريس الإلكترونية تنفرد بنشر مضامين وفحوى المفاوضات السرية التي جمعت القصر الملكي بقيادات الحركة الأمازيغية سنة 2000، ونقلت شهادات من مصادر مختلفة، حضرت اللقاءات التي جلس فيها محمد رشدي الشرايبي، مدير ديوان الملك محمد السادس، ومزيان بلفقيه، المستشار الملكي البارز، وحسن أوريد، الناطق الرسمي باسم القصر الملكي، إلى جانب وفد الحركة الأمازيغية الذي ضم محمد شفيق، وأحمد الدغرني، وعبد الحميد الزموري.

الجزء الأول: "الملك مبغاش مشكل مع الأمازيغ"

بين العدل والإحسان واليسار الراديكالي والحركة الأمازيغية، تفرقت سبل موفدي القصر الملكي الطامحين إلى استدامة حكم الملك العلوي الجديد محمد السادس دون مشاكل، خصوصا على مستوى ملف الأمازيغية الذي كان يمضي نحو مزيد الاستقواء، في سياق إقليمي مضطرب كانت الجزائر السباقة فيه إلى فتح المحافظة السامية للأمازيغية سنة 1995، وهو ما أحرج النظام السياسي المغربي الذي بقي "جامدا" في جانب الأمازيغية، وانتظر إلى غاية سنة 2000 ليرسل الملك وفدا رسميا للتفاوض.

عقيدة "المواجهة" في جميع الملفات السياسية دفعت الجزائر بعد تأسيس المحافظة السامية إلى دمج العديد من الوجوه القبائلية في منظومة الحكم، يتقدمها أحمد أويحيى. ولم يكن هذا كافيا بالنسبة لها فقد بادرت السلطة الجزائرية إلى التواصل مع الحركة الأمازيغية المغربية من أجل استضافتها ضمن لقاء رسمي تطرح فيه العديد من الأمور، وهو ما أثار حفيظة دوائر السلطة المغربية التي سارعت إلى ترتيب العديد من اللقاءات مع الحركة لتفادي "قبائلية الحركة الأمازيغية بالمغرب".

شهر أبريل كانت أسماء من الحركة حسمت موضوع شد الرحال صوب مدينة تيزي وزو الجزائرية وحضور الموعد الذي ستحتضنه جامعة "مولود معمري"؛ لكن يومين قبل اللقاء الموعود، حمل محمد شفيق هاتفه في ساعة متأخرة من الليل واتصل بأحمد الدغرني، الذي كان يتولى التنسيق الأمازيغي في تلك الفترة، وطلب منه عدم التوجه إلى الجارة الشرقية، فمستجدات كثيرة حاصلة داخل المغرب، لكن دون كشف أي تفاصيل عما حدث أو سيحدث.

في اليوم الموالي، سيعاود شفيق الاتصال بالدغرني على الساعة الواحدة بعد الزوال، ليخبره بأن المستجد هو الجلوس مع وفد من القصر الملكي، بغية التداول حول "بيان شفيق" الذي وجهته 329 شخصية للقصر، وفي شأن المطالب التي رفعتها الحركة الأمازيغية طوال سنوات، داعيا إياه إلى الالتحاق بمنزله، فوفد مكون من مزيان بلفقيه ومحمد رشدي الشرايبي وحسن أوريد سيكون في الانتظار.

الاتصال المفاجئ لم يتم التحضير له بشكل جيد من جانب الحركة الأمازيغية، فالقيادي عبد الحميد الزموري لم يتم إخباره إلا والوفدان جالسان إلى طاولة الحوار، ليلتحق متأخرا بعد أن جُلب من منزله بجوار ثانوية "ديكارت" بحي أكدال بالرباط، ليبدأ الطرفان في تبادل أطراف الحديث. والنقاط كان قد رسمها المستشار مزيان بلفقيه على ورقة كتبت باللغة الفرنسية وبخط اليد، وأُخبر فيها الوفد الأمازيغي بأن الملك اجتمع بالمستشارين في مراكش وأمرهم بالتواصل مع الحركة، وبأن "سيدنا لا مشكلة له مع الأمازيغية، ولا يريد أي مشكل مع الأمازيغ ابتداء من هذا الاجتماع".

وفي المقابل سأل الناطق الرسمي باسم القصر الملكي حسن أوريد: "واش الحركة الأمازيغية عندها مشكل مع سيدنا؟"، وهو ما أجاب عنه الحاضرون بألا مشكل لهم مع الملك محمد السادس، وأن هذا غير مطروح أساسا على مستوى البيان الأمازيغي. لكن الصراع اشتعل حين تحدث أحمد شفيق عن كون مشكل الأمازيغ ثابت مع الأوساط المخزنية، وهو ما رفضه رشدي الشرايبي بشكل قاطع، متسائلا: "أنت أستاذ الملك محمد السادس، ألست كذلك من الأوساط المخزنية؟ فكيف يكون لك مشكل معها؟".

من جهته لم يتوان عبد الحميد الزموري، أحد الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال، في توجيه نقد لاذع للملك الراحل الحسن الثاني، وهو ما لم يتقبله الوفد الملكي، خصوصا رشدي الشرايبي، الذي قال لمحمد شفيق: "واش بغيتي محمد السادس إضور وانتاقد باه؟"؛ فيما اتجه الزموري مجددا نحو مزيد من الاستفزاز حين قال إن "جميع سكان المغرب أمازيغ، والعرب لا يتواجدون سوى في أماكن قليلة جدا".

واستمر الوفد الملكي في إصراره على عدم خلق مشكل خلال الاجتماع، طبقا للمهمة التي جاء من أجلها؛ لكن مع ذلك استمرت بعض أوجه المواجهة، إذ لم يستسغ محمد مزيان بلفقيه الانتقاد اللاذع الذي وجهته الحركة الأمازيغية للميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي أعده هو، وأقنع به الأطراف شديدة المعارضة، كما أنه أدرج ضمنه الأمازيغية من أجل الاستئناس؛ لكن أحمد الدغرني واصل اعتباره مجرد وسيلة لترويض الأمازيغية وجعلها في خدمة اللغة العربية لا غير.