الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (29) .. الظهير الذي دق أجراس الخطر

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (29) .. الظهير الذي دق أجراس الخطر

يسود الاعتقاد عند المثقفين عموما، بل حتى عند بعض الباحثين المتخصصين، بأن الحديث عن المسألة الأمازيغية إبان عهد الحماية إنما يعني أساسا الظهير البربري بتاريخ 16 مايو 1930. وهذا الاعتقاد خاطئ لا محالة؛ لأن ظهير 1930 لم يكن في الواقع إلا تتويجا ونتيجة حتمية لمسلسل بدأت الإيديولوجيا الكولونيالية في رسم حلقاته منذ أمد بعيد، وهو ما يسعى إلى تبيانه الدكتور الطيب بوتبقالت في السلسلة الرمضانية لهذه السنة.

30/29 الظهير الذي دق أجراس الخطر

انتهت أشغال اللجنة الإدارية المكلفة بتحضير نص قانوني يتعلق بسير العدلية البربرية وتنظيمها، وكان ذلك يوم 13 مارس 1930، أي على بعد حوالي شهرين من الإعلان الرسمي عن الظهير البربري. وهكذا قدمت اللجنة اقتراحاتها للإقامة العامة في شكل "مشروع ظهير" وجيز نسبيا، لم تكن مواده تتعدى ثمانية فصول.

وأفادت مقارنة نص مشروع الظهير الذي أعدته اللجنة المذكورة ونص ظهير 16 ماي 1930 بأنهما متشابهان تشابها حرفيا، وجاءت الحصيلة كعصارة لكل ما راكمه النظام الاستعماري من مناورات تخريبية وأباطيل دعائية وخروقات عدوانية في مجال ما تمت تسميته بالسياسة البربرية.

لقد كان استصدار هذا الظهير تتويجا لمرحلة متداخلة الحلقات من المجهودات الاختراقية، وهو في الوقت نفسه فاتحة عهد جديد لتوطيد الاحتلال وتعزيز المكاسب الكولونيالية.

إنه لم يعد بالإمكان التعامل مع المسألة البربرية عبر اللجوء إلى الأساليب الليوطية التضليلية، نظرا لحدوث متغيرات كثيرة على الساحة الدولية، وكذلك على الساحة الوطنية التي شهدت بزوغ حركة سياسية تتابع عن كثب ممارسات السلطة الاستعمارية.

لكن بقي اللجوء إلى الظهير من أجل التزكية والتطبيق أمرا كان من الصعب على الإقامة العامة تفاديه. وتساءل أحد أعضاء اللجنة المذكورة قائلا: "إن القبائل التي أمناها خضعت لفرنسا، وبمجرد دخولها تحت إدارتنا أعادت عدة قبائل جماعاتها القديمة التي كانت قد انقرضت تحت سلطة القواد الكبار، وكيف يمكن إصدار قانون بدون ظهير؟".

ولخص كورديي تطورات السياسة البربرية جاعلا من السلطان حصان طروادة في مواجهة كل العراقيل، تماما كما دأب على القيام بذلك الجنرال ليوطي، وقال: "لا يلزم فقط إصدار ظهير من السلطان لتنظيم العدلية البربرية وتحديدها، بل يجب أيضا أن يتعاون السلطان مع الدولة الحامية لتنفيذ هذا التنظيم، لقد أدخلنا تحت سلطته الكتلة البربرية وهذه الكتلة لم تأت عندنا إلا بشرط الاحترام لعوائدها وقد وعدناها بذلك باسم جلالة السلطان وباسم فرنسا، والسلطان سيفهم قطعا قيمة هذا الوعد".

وطبعا كانت هذه الطروحات هي نفسها التي بنى عليها ليوطي تصوره البراغماتي واستصدر ظهير 1914 تجسيدا لذلك، وفعلا كان هذا الظهير إلى حدود 1930 هو الوثيقة الوحيدة التي اعتمدت عليها إدارة الشؤون الأهلية في الجهات العسكرية، وعلى مستوى إدارة المراقبة المدنية في النواحي الحضرية.

مضمون ظهير 1930

يمكن إجمال مقتضيات الظهير البربري في المحاور الآتية:

- إحداث محاكم عرفية واعتراف قانوني بالجماعات البربرية.

- إمكانية استئناف الأحكام العرفية.

- إضفاء الصفة القانونية على جهاز المراقبة وسكرتارية الجماعات القضائية مع إحداث مفوضية سكرتارية الضبط.

- تمديد صلاحيات المحاكم العرفية للبت في النزاعات العقارية غير تلك المنصوص عليها في ظهير 15 يونيو 1922 الذي ينظم القواعد المتعلقة بتفويت العقارات للأجانب لتشمل النزاعات التي تكون فيها الأطراف المترافعة تابعة للمحاكم الفرنسية.

- تحديد الاختصاصات الجنائية.

- منح التفويض للصدر الأعظم بهدف تحديد التنظيم والتسيير للمحاكم العرفية.

لا جدال في كون الظهير البربري يشكل حمولة خاصة في الذاكرة الجماعية الوطنية، وهو بذلك يعتبر وثيقة ثمينة ستظل الأجيال الغيورة على انتمائها للوطن تحتفظ بعبرها التاريخية. وللمزيد من الإيضاح نعرض هنا لفصوله الثمانية، أما حيثياته فإنها لا تعدو كونها اجترارا لطروحات الدعاية الكولونيالية الكلاسيكية مع ذكر مراحل إنجازاتها الجائرة.

1. إن المخالفات التي يرتكبها المغاربة في القبائل ذات العوائد البربرية بإيالتنا الشريفة، والتي ينظر فيها القواد في بقية مملكتنا السعيدة، يقع زجرها من طرف رؤساء القبائل، وأما بقية المخالفات فينظر فيها ويقع زجرها طبقا لما هو مقرر في الفصلين الرابع والسادس من ظهيرنا الشريف.

2. إن الدعاوى المدنية أو التجارية، والدعاوى المختصة بالعقارات أو المنقولات، تعرض على محاكم مختصة تعرف بالمحاكم العرفية ابتدائيا أو نهائيا بحسب الحدود التي يجري تعيينها بقرار وزيري، مع مراعاة القواعد المتعلقة باختصاصات المحاكم الفرنسية بإيالتنا الشريفة، كما تنظر المحاكم المذكورة في جميع القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية أو بأمور الإرث وتطبق في كل الأحوال العوائد المحلية.

3. إن استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم العرفية يرفع أمام محاكم تعرف بالمحاكم العرفية الاستئنافية؛ وذلك في جميع الأحوال التي يكون فيها الاستئناف مقبولا.

4. إن المحاكم المشار إليها تنظر أيضا في الأمور الجنائية ابتدائيا ونهائيا، ويقصد بها زجر المخالفات المشار إليها في الفقرة الثانية من الفصل الأول أعلاه، وكذلك زجر جميع المخالفات التي يرتكبها أعضاء المحاكم العرفية في نطاق اختصاصاتها الاعتيادية تحت إشراف رئيس القبيلة.

5. يعين لدى كل محكمة عرفية ابتدائية أو استئنافية مندوب مخزني، مفوض من طرف إدارة المراقبة، بالناحية التي يرجع إليها أمره، ويعين أيضا لدى كل واحدة من المحاكم المذكورة كاتب يقوم بدور موثق.

6. إن المحاكم الفرنسية التي تبت في الأمور الجنائية حسب القواعد الخاصة بها، تنظر كذلك في زجر الجنايات التي يقع ارتكابها في النواحي البربرية مهما كانت حالة مرتكب الجناية، ويجري العمل في هذه الأحوال بالظهير المؤرخ في 12 غشت 1913 المتعلق بالمرافعات الجنائية.

7. إن الدعاوى المتعلقة بالعقارات إذا كان الطالب أو المطلوب فيها من الأشخاص الراجع أمرهما إلى المحاكم الفرنسية، تكون من اختصاصات المحاكم الفرنسية المذكورة.

8. إن جميع القواعد المتعلقة بتنظيم المحاكم العرفية وتركيبها وسير أعمالها تعين بقرارات وزارية متوالية تصدر بحسب الأحوال وما تقتضي المصلحة.

كان هذا الظهير من توقيع المقيم العام، لوسيان سان، والصدر الأعظم، محمد المقري.

لقد أحست الدوائر الاستعمارية أن الظروف التي كان يمر بها المغرب مع بداية الثلاثينيات ليست مما يبعث على الاطمئنان، حتى وإن كان مخطط "التهدئة" يشرف على أطواره النهائية.

وتحسبا لانفجار ردود الفعل الوطنية والدولية الساخطة كانت الإقامة العامة تختبر مدى قدرة أطرها على استباق الأحداث وتلقي الضربات.

والواقع أن مجمل التوقعات قد تم استعراضها وتحليلها خلال الجلسات التحضيرية لصياغة الظهير النهائية، وكان الانطباع السائد عند ضباط الشؤون الأهلية أن الأمور ستأخذ مجراها الكولونيالي العادي وأنه لا تخوف من محيط اجتماعي مغربي لم تعد نقاط ضعفه لتخفى عن مصالح الاستخبارات التي كان يشرف عليها ضباط الشؤون الأهلية.

ملاحظات استعمارية حول اصلاح العدلية البربرية

لم تقم الإقامة العامة بنشر الظهير البربري حتى تأكدت أنها استوفت كل النقاشات الهادفة إلى مراجعة السياسة البربرية وإعطائها قفزة نوعية كفيلة بإرضاء الأطماع الاستعمارية المتصاعدة. وهكذا تم تسهيل تبادل الآراء والأفكار بين مختلف الإدارات في إطار لجنة تأسست خصيصا لهذا الغرض.

والجدير بالملاحظة هو أن كل التساؤلات والتعقيبات التي أدلى بها أعضاء اللجنة كانت تفترض ضمنا أن المغاربة عبارة عن غنيمة كولونيالية تعمل فرنسا على توزيعها، وكان التعبير عن بعض التخوفات فقط بدافع تحسين أداء المنهجية الكولونيالية وترشيد العمليات المبرمجة.

وانسجاما مع هذا التوجه، قال رئيس محكمة الاستئناف: "ابتدأ العمل في إطار العدلية البربرية بطريقة مجانية، وشرع في تطبيقها دون نص قانوني صريح، فإذا كان ظهير 1922 الخاص بمسألة العقارات في بلاد العرف أتى بنتائج حسنة، كان علينا لزاما تعزيز ظهير 1914 بظهير سلطاني آخر يعترف بالوجود القانوني للجماعة، ويعترف بصحة أحكامها، ويلزمها بتنظيم ومراقبة ميزانيتها".

وقال الجنرال نوكيس، وكان آنذاك المدير العام للشؤون الأهلية المسؤول عن المخابرات العسكرية: "إن دراسة تنظيم العدلية البربرية أمر مستحيل". ولعله كان يعني بذلك أن التشريع الكولونيالي لا يحتاج إلى دراسة، وإنما إلى تطبيق عملي.

وقدم المحامون الفرنسيون مذكرة يطالبون فيها بتوسيع دائرة "الإصلاحات" لتشمل العدلية الشريفة، ومنها ما جاء على لسان بيكار: "يعتقد المحامون الفرنسيون في المغرب أن الغرض الذي يرمي إليه الظهير هو إنشاء عدلية فرنسية في البلاد البربر وتطبيق العرف المحلي الذي تجتهد الإدارة وتحاول تطويره وتوجيهه في طريق المدنية الحديثة، ويلفتون نظر اللجنة إلى ضرورة متابعة إصلاح العدلية الشريفة في الوقت نفسه الذي يتابع فيه إصلاح العدلية البربرية، وهم يخشون أن يكون إنشاء المحاكم العرفية البربرية الخالصة مضرا بإصلاح العدلية الشريفة وتوجيهها توجيها فرنسيا خالصا".

وكان رئيس إدارة المراقبة المدنية يرى أن البداية يجب أن تكون بإقامة محكمة فرنسية بالخميسات، وأنه لا مانع يمنع ذلك. ومن موقع تجربته الميدانية بناحية فاس، قال الضابط الترجمان كييو: "إن العرف البربري يتغير من قبيلة إلى أخرى، وهذا التغيير يوجد حتى في مسائل مهمة وجوهرية، وليس من مصلحتنا إيقاف العرف في حالته الراهنة، ففي كثير من المسائل يلزم تطوير العرف حتى لا يبقى متعارضا مع مصالحنا، ولا يحول دون امتداد مدنيتنا، وقد دفعنا فعلا بعض الجماعات المتطورة إلى تضييق الخناق على «حق الشفعة» في أحكامها، ذلك الحق الذي ظهر في كثير من الحالات أن فيه تجاوزا للحدود". وهناك من تساءل عن "التعريف القانوني للبربري".

وإجمالا، كانت موازين القوى لصالح المستعمر. لقد فرض كل هذه الترهات بقوة الحديد والنار، وكذلك تحت ستار التعتيم والتضليل. إلا أن تداعيات الظهير البربري وانعكاساته الداخلية والخارجية كانت بمثابة صفعة ملتهبة أفقدت المستعمر غروره وعناده...

*أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة – طنجة