الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (10) .. تكامل أساليب التخريب

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (10) .. تكامل أساليب التخريب

يسود الاعتقاد عند المثقفين عموما، بل حتى عند بعض الباحثين المتخصصين، بأن الحديث عن المسألة الأمازيغية إبان عهد الحماية إنما يعني أساسا الظهير البربري بتاريخ 16 مايو 1930. وهذا الاعتقاد خاطئ لا محالة؛ لأن ظهير 1930 لم يكن في الواقع إلا تتويجا ونتيجة حتمية لمسلسل بدأت الإيديولوجيا الكولونيالية في رسم حلقاته منذ أمد بعيد؛ وهو ما يسعى إلى تبيانه الدكتور الطيب بوتبقالت في السلسلة الرمضانية لهذه السنة.

30/10.. تكامل أساليب التخريب

لم تكن المسألة الأمازيغية كما يعتقد البعض مجرد حدث منعزل زمانيا ومكانيا أو مجرد جعجعة بدون طحين تم توظيفها من لدن هذه الجهة أو تلك من أجل بلوغ أهدافها المبيتة. إنها بكل تأكيد تطور نوعي في مسلسل اختراق الهوية المغربية. ومما لا ريب فيه هو أن القوى الإمبريالية كانت منذ اهتمامها الفعلي بالتسرب إلى المغرب منشغلة باستئصال مناعة أهله في حالة عدم تمكنها من إبادتهم! وليس في هذا القول أي مبالغة، إذ يوجد ضمن التقارير العسكرية الاستخباراتية الفرنسية تقرير للملازم كارمان بتاريخ 1825 يشير إلى مشروع تم تقديمه إلى الإمبراطور الفرنسي، نابليون بونابارت، ومضمونه هو إزاحة المغاربة في حالة استحالة إبادتهم إلى ما وراء جبال الأطلس... وبعد ذلك يشير المشروع إلى احتلال البلاد بصفة نهائية عن طريق مستوطنات فرنسية في كل المناطق التي أزيحت الأهالي المغربية منها، إلا أن قلة عدد الفرنسيين آنذاك هي التي كانت تبدو عائقا أمام تحقيق هذا الهدف. وبدلا من ذلك اقترح الملازم كرمان مشروعا انتقاميا يتماشى وقدرات فرنسا العسكرية حينئذ معللا رأيه بقوله: «قد يكون من المعقول نظريا ومن الممكن عمليا اقتراح انتقام تأتي نتائجه على شكل احتلال أو تدمير إحدى العاصمتين المغربيتين، فاس أو مكناس، وبهذا سنتمكن من نشر الرعب المسيحي في أوساط هؤلاء الهمج". !

وتوالت الأحداث الاختراقية لتشمل رقعة الشمال الإفريقي بكاملها، ومع تسلسلها تراكمت التجارب الاستعمارية ليصبح المغرب على عتبة القرن العشرين في وضع الفريسة التي تلفظ أنفاسها من جراء ما تلقته من ضربات قاتلة. وحتى تتمكن السلطات الاستعمارية من إحكام قبضتها على المغرب، وتسخير كل ما يمكن تسخيره من أجل تخريبه من الداخل ليتسنى لها بعد ذلك الاستيلاء عليه نهائيا، كلفت أحد أقطاب علم الاجتماع الكولونيالي، إدمون دوتي، برصد شامل لعناصر الشبكة الاختراقية وعقلنة توظيفها.

مشروع الاختراق الشمولي لإدمون دوتي

بطلب من الحاكم العام للجزائر، وبعد موافقة الدوائر الرسمية المسؤولة بباريس، قام إدمون دوتي في سنة 1900 بإجراء دراسة ميدانية شاملة لعناصر تغلغل النفوذ الاستعماري الفرنسي بالمغرب. وكان الهدف من هذا البحث الميداني الاستخباراتي هو جرد لكل الوسائل التي جرى توظيفها لهذا الغرض. أولا، لمعرفة ما هي النتائج التي تم الحصول عليها؛ ثانيا، لمعرفة ما هي الثغرات ونقاط الضعف في الإستراتيجية الدعائية الكولونيالية العامة التي يجب التغلب عليها وتدارك ما يمكن تداركه على ضوء هذه الدراسة الميدانية. إنه برنامج شامل أحيط بعناية بالغة وتم اعتماده كوثيقة ذات مصداقية عالية، وكثيرة هي القرارات التي استمدت روحها من دراسة إدمون دوتي الهادفة إلى ترسيخ وتطوير النفوذ الفرنسي بالمغرب. وكباقي الأعمال التجسسية تمت هذه المهمة في سرية شبه تامة.

سيرة إدمون دوتي ومنهجيته البحثية

ازداد إدمون دوتي سنة 1867، ولما أنهى دراسته التحق بالسلك الإداري كموظف عادي؛ لكن سرعان ما جرفه المد الكولونيالي ليكرس بعد ذلك حياته العملية كلها خدمة لتنمية الاستعمار الفرنسي في إفريقيا الشمالية.

وهكذا شغل منصبا إداريا بمنطقة الأوراس بالجزائر اعتبارا من سنة 1899، بعدها عمل أستاذا مساعدا بمدرسة تلمسان إلى جانب المستشرق موليراس، ثم أستاذا محاضرا بالمدرسة العليا للآداب بمدينة الجزائر. كان إدمون دوتي يجيد العربية والأمازيغية على السواء، إضافة إلى اهتمامه بأسلوب الحياة اليومية والثقافة الشعبية في بلدان شمال إفريقيا. وفي سنة 1907، شغل منصب أستاذ-كرسي لتاريخ الحضارة العربية بكلية الآداب بالجزائر. ومباشرة بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، كلفته حكومة باريس بتنظيم الدعاية الفرنسية الموجهة للبلدان الإسلامية. وبعد انتهاء الحرب، أسندت إليه مهام أكاديمية في كل من المدرسة الكولونيالية ومدرسة العلوم السياسية بباريس. ويعد إدمون دوتي من بين الأعضاء المؤسسين لأكاديمية العلوم الكولونيالية بباريس وعضوا في معهد أصول السلالات البشرية. لقد وهب حياته بكل إخلاص وتفان للرقي بمستوى الفكر الاستعماري الفرنسي تنظيرا وممارسة. توفي إدمون دوتي بالجزائر سنة 1926، ويمكن اعتباره بدون شك من أعمدة الكولونيالية المبنية على أسس «علمية» بهدف استعباد الشعوب المستضعفة تحت ذريعة «تمدينها» والعمل على «تحديث» أنظمة عيشها في ظل الحضارة الغربية "الراقية".

قدم إدمون دوتي تقرير أبحاثه تحت عنوان «وسائل تنمية النفوذ الفرنسي بالمغرب»، مستهلا إياه بمدخل عام حدد فيه إطار دراسته الميدانية والأهداف المتوخاة من وراء المهمة المسندة إليه: «خلال المهمة التي حرصتم على تكليفي بالقيام بها في المغرب، تمكنت من تسجيل عدد من الانطباعات حول تلاقي الحضارة الأوربية بالحضارة الإسلامية، وخاصة فيما يتعلق بالوضع الراهن للنفوذ الفرنسي في الإمبراطورية الشريفة (...) إنه لا جدال في كون دخول المغرب تحت حمايتنا بات يشكل هدفا نرغب في تحقيقه بكل قوة. إن هذا البلد أكثر خصوبة وأكثر غنى من الجزائر، ويعتبر امتدادا طبيعيا وضروريا لهذه المستعمرة، كما أنه لا يمكننا إهمال مسألة جبل طارق، لأن أمن مستعمراتنا سيكون معرضا للخطر في حالة ما إذا استقرت قوة أوروبية على الحدود الغربية لهذه المستعمرات. وأخيرا يجب اعتبار استغلال المغرب من لدن دولة منافسة لنا انهيارا اقتصاديا بالنسبة لمستعمراتنا".

وهكذا، انضم إدمون دوتي إلى دعاة «شمال إفريقيا الفرنسية» وراح يحث الحكومة الفرنسية على استخدام كل الوسائل الممكنة لنشر نفوذها الاستعماري بالمغرب، معتبرا ذلك من أنجح السبل التي يجب اعتمادها بهدف الاستيلاء على البلاد. وهو يرى أن طريقة توظيف هذه الوسائل لا يجب أن تنبني على التفاوت النسبي لأهميتها، فكلها تتكامل مع بعضها، وكلها يجب أن تحظى بالاهتمام نفسه: «إن هذه الوسائل كثيرة جدا، ويجب علينا أن نقتنع بعدم التقليل من أهمية أي واحد منها. كما أن استعمالها مندمجة يبدو الطريقة الوحيدة التي ستمكننا من اختراق المغرب، وكل وسيلة على حدة يجب أن تكون محل عناية مستمرة». وضع إدمون دوتي تصورا عاما لتفاعل هذه الوسائل، جاعلا من الأعوان الرسميين، كمستخدمي القنصليات وحراس الحدود التابعين للشؤون الأهلية بالجزائر، المحور الرئيسي للاختراق. وصنف عددا من الأساليب والإجراءات ذات الطابع السياسي والعسكري الذي يجب التركيز عليها: الحماية القنصلية، الإعانات المالية، الزوايا، المناورات العسكرية البرية والبحرية، ممارسة المطاردة ضد العناصر المغربية، احتلال مناطق توات وأكلي وقنادسة وأدرار، استخدام صحافة مغرضة... وأضاف إلى ذلك توجيها يقضي بالتسرب إلى عمق الإدارة المخزنية: «ومن جهة أخرى يجب علينا البحث عن كل السبل الممكنة للتسلل داخل إدارة المخزن، عبر تأطير الجيش المغربي وقيادة البواخر المخزنية، وحماية التراب المغربي من الأوبئة بمضاعفة الوقاية الصحية والعمل على توفير راحة السكان (كذا) ! كما يجب تعيين فرنسيين في كل الوظائف التي تركها السلطان للأجانب".

ولكي تندمج هذه الأساليب بفعالية أكبر، يرى إدمون دوتي أنه لا مناص من تطور وسائل الاتصالات من بريد وسكة حديدية وغير ذلك. كان هذا المخطط يعتمد في المقام الأول على الموارد البشرية، وكان إدمون دوتي واعيا بكيفية التعامل مع هذا العنصر المركزي في إستراتيجيته العامة. لذلك، اقترح منهجا مأخوذا من صميم السياسة الكولونيالية: "مخططنا يرتكز على تدخل وسطاء يجب أن نعرف نقاط ضعفهم وقوتهم: إن استعمال اليهود والأهالي الجزائرية والمغربية يجب أن يخضع لدراسة دقيقة (...) وفيما يخص جاليتنا فإنه يجب أن نسهل لها الحصول على الملكية العقارية، والأراضي الصالحة للزراعة، ونساعدها على خلق صناعات محلية. ويجب على الخصوص أن نعمل على تطوير تجارتنا". وأما فيما يتعلق باستمالة الأهالي المغربية وإغرائهم، فإن إدمون دوتي كان يشدد على استعمال الدعاية المكثفة المبنية أساسا على الوعود بالمزايا العديدة التي ستوفرها لهم «الحضارة الفرنسية»... وينظر إدمون دوتي إلى مخططه الشامل باعتباره برنامجا «علميا» لدراسة المغرب وسكانه بهدف توطيد النفوذ الفرنسي والعمل المعقلن على تحقيق انتشاره الواسع، الشيء الذي كان يستدعي في الوقت نفسه التعريف بالمغرب لدى الفرنسيين وحثهم بقوة على الالتحاق بهذا البلد لاستيطانه: «يجب علينا أن نتابع الغزو العلمي للمغرب بدون هوادة، ونقدم كل المساعدات للدراسات حوله وتعميمها لدى الشارع الفرنسي بواسطة الكتاب والجريدة، وبشكل يدفع إلى تأجيج رغبة الفرنسيين في امتلاك هذا البلد الجميل".

هيكلة المشروع

قسم إدمون دوتي وسائل وأساليب النفوذ الفرنسي الواجب تفعيلها تفعيلا منسجما ومتكاملا على أرض المغرب إلى سبعة محاور، كل واحد منها ينطوي على عناصر تمت الإشارة إليها بمنهجية واضحة وقابلة للإنجاز. وهذه هي اللائحة الكاملة بالعناوين الرئيسية والفرعية لكل محور حسب تصور إدمون دوتي:

انتقاء الأعوان الرسميين المتعاونين؛

استمالة مستخدمي الهيئة الدبلوماسية والقنصلية؛

استمالة مستخدمي مصالح الشؤون الأهلية الجزائرية؛

تفعيل النفوذ السياسي؛

تطبيق قانون الحماية وفقا للمادة 16 من معاهدة مدريد لسنة 1880؛

تقديم مساعدات مالية لشخصيات من ذوي النفوذ؛

إجراء مناورات عسكرية بهدف الردع ونشر الرعب؛

بسط السلطة الفرنسية على أجزاء من التراب المغربي، ومنها منطقة توات؛

تطوير ودعم الدعاية الفرنسية عبر الصحافة؛

اختراق الإدارة المخزنية والجيش المغربي؛

دعم البعثات العسكرية الفرنسية بهدف احتواء الجيش المغربي؛

تعيين أطقم بواخر السلطان من بين الربابنة والتقنيين الفرنسيين؛

دفع المجلس الصحي بطنجة لاتخاذ قراراته باسم الوقاية الصحية الدولية؛

تحويل لجان المراقبة الصحية إلى لجان بلدية في كل المدن المغربية؛

تعيين موظفين فرنسيين في المصالح الإدارية التابعة للمخزن؛

اختيار الوسطاء من يهود مغاربة أو يهود جزائريين؛

اختيار الوسطاء من مرتدين عن الدين المسيحي والفارين من الجندية؛

اختيار الوسطاء من مسلمين جزائريين؛

اختيار الوسطاء من جزائريين مهاجرين باعتبارهم طليعة الجالية الأوروبية بالمغرب؛

تحفيز الجزائريين والأوروبيين للهجرة إلى المغرب بمنحهم تذاكر السفر مجانا، ومن خلال تكثيف حملات دعائية تهدف إلى تنظيم رحلات جماعية إلى المغرب؛

تشجيع عناصر النفوذ الفرنسي على امتلاك العقارات بالمغرب؛

مساعدة الفلاحين الفرنسيين وتسهيل استقرارهم بالمغرب؛

إعانة المنشآت الصناعية المحلية التابعة للنفوذ الفرنسي؛

تنمية النشاط التجاري بين المغرب وفرنسا باتخاذ التدابير التالية: تحسيس التجار الفرنسيين للاهتمام بتلبية طلب المستهلكين المغاربة مع إعطائهم كل التسهيلات، استخدام ذكي لنفوذ المحميين، تطوير خدمات الملاحة البحرية، تحويل اتجاه الطرق التجارية المغربية إلى الجزائر الفرنسية بربط فاس بوجدة وتافيلات بوهران مع خلق منافسة بين نمور ومليلية لجلب سكان منطقة الريف، توسيع الشبكة البريدية والشروع في الإعداد لإدخال السكة الحديدية، استعمال العملة الفرنسية داخل المغرب كلما أمكن ذلك، إنشاء مؤسسات مالية فرنسية بالمغرب؛

تقديم الخدمات "الإنسانية"؛

الاعتماد على أطباء فرنسيين في تطوير برنامج المراقبة الصحية؛

تنمية أعمال "البر والإحسان"؛

إنشاء المزيد من المدارس العربية-الفرنسية وجلب المغاربة إليها بواسطة نشر كتب عربية وصحافة عربية؛

تشجيع الإرساليات الدينية الفرنسية العاملة بالمغرب؛

تسهيل وتشجيع قدوم المغاربة إلى الجزائر قصد التأثير عليهم إيجابيا بعد اطلاعهم على ما قامت به فرنسا من «إصلاحات» هناك..

تقديم الدعم المادي للحجاج المغاربة؛

تكثيف الدعاية «العلمية"؛

تنظيم بعثات استكشافية وعلمية لدراسة المغرب؛

نشر كتب عن المغرب تكون في متناول جمهور عريض، تحرير مقالات صحافية وتنظيم ندوات من أجل حث الفرنسيين واجتذابهم إلى المغرب ليستوطنوه.

بعد هذا العرض الممنهج لمختلف وسائل الاختراق الاستعماري للمغرب، لا يسع المرء إلا أن يعترف لإدمون دوتي بالكفاءة التي برهن عليها من خلال دراسته لهذا الموضوع المتشعب. لقد كان وفيا للمبادئ الكولونيالية التي تربى عليها والتي وهب حياته خدمة لتحقيقها، فأنجز مهمته بإتقان وبدون إخفاء حماسه. وحدها «المسألة المغربية» كانت تبدو له خارج اختصاصاته نظرا لبعدها الدولي. والواقع أن الأساليب والوسائل التي رصدها إدمون دوتي وأشار إلى ترشيد استعمالها ودعم توجيهها كانت في مجملها تشكل الخطوط العريضة لبرنامج الاختراق الذي كان حيز التنفيذ. إن ما أضافه دوتي هو نظرة تركيبية لمختلف آليات التدخل الاستعماري الفرنسي بالمغرب، مع تركيزه على إيجاد قاعدة عامة تمكن من دمج كل هذه العناصر قصد تحقيق مردودية أكبر مع تلافي كل ما من شأنه أن يعرقل مسيرة فرنسا الرامية إلى إنجاز مشروعها الكولونيالي بالمغرب.

وعموما، فإن أرضية هذا المخطط كانت تؤثثها الدعاية العلمية المغرضة التي سجلت قفزة نوعية في السياسة الاستعمارية الفرنسية مع نهاية القرن التاسع عشر ومشارف القرن العشرين.

*أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة – طنجة