بنيس: التقسيم الجهوي الجديد يُشعر الأمازيغ بـ"التمييز العاطفي"

بنيس: التقسيم الجهوي الجديد يُشعر الأمازيغ بـ"التمييز العاطفي"

قال سعيد بنيس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس، إن "الإحساس بانعدام الأمن اللغوي والثقافي بالمغرب يُمكنه أن يتطوّر ليسلك مسارات معينة، خاصة من منظور الرافد الأمازيغي، الذي يتمثل لغة وثقافة "التجمعات المهيمنة"، باعتبارها "القاعدة" اللغوية والثقافية المشروعة، وفقاً لعدد معين من المعايير والمحددات الدينية والسياسية والمؤسسية والثقافية والإقليمية".

وأوضح بنيس، في دراسة حديثة له نشرتها مجلة "euromesco" المتخصصة في العلوم الاجتماعية والأنثربولوجيا تحت عنوان "تحديات إدارة التنوع الثقافي ومحددات الجهوية المتقدمةّ"، أن "التبعات الفردية لانعدام الأمن اللغوي والثقافي بالمغرب تختلف من فرد إلى آخر، وهي جزء يدخل ضمن ما يمكن أن نسميه بـ"نطاق التمييز العاطفي النفسي"، الذي يظهر من خلال استعمال لغة مضادة ونهج ثقافة مضادة، وكذلك في الضيق العاطفي والاجتماعي، الذي يؤدي إلى عدم تحقيق "الرفاه النفسي"، بسبب فشل التواصل الاجتماعي في المحاكم، في المدرسة، في الأماكن العمومية، في وسائل الإعلام".

ولتفادي "تلاشي" الهويات الثقافية واللغوية الترابية في المغرب، يقول الأستاذ الجامعي، سارعت الدولة إلى صياغة إطار الجهوية المتقدمة، كبديل لإدارة التنوع الثقافي بالمملكة، قبل أن يتابع أن "الجهوية الموسعة كمشروع إستراتيجي جاء لتكريس الديمقراطية الترابية، لكن في مقابل ذلك "تظل الدولة هي الضامن الوحيد للمظاهر المادية والرمزية لوحدة أراضي المملكة والأمة"، وفق تعبيره.

وتهدف هذه الديناميكية التعاقدية، حسب بنيس، إلى "ظهور سلطات ترابية جديدة من خلال التقارب والتنسيق "الجيد" بين المحلية والجهوية والوطنية، لربط مشاريع التنمية التي تتكيف مع التطلعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجهة، وتتعهد الدولة من جانبها بتعزيز هذا النوع من الشراكة من خلال إنشاء صندوق التنمية الاجتماعية وصندوق التضامن الجهوي".

ويمضي أستاذ العلوم الاجتماعية في تحليله بطرح العديد من الأسئلة، التي تهمُّ الجانب المتعلق بتنزيل الجهوية وتأثيراتها على المكونات الثقافية والأقليات الهوياتية، ويتساءل بنيس: "هل يستجيب التقسيم الجهوي الجديد للتطلعات اللغوية والثقافية للجماعات؟ وأي سياسات عامة ستعتمدها الدولة فيما يتعلق بالخدمات العامة (التدريس، الإعلام، الثقافة، الإدارة الإدارية، إلخ) من أجل تطوير العلاقة بين المجالات اللغوية والثقافية من جهة، والجماعات الترابية التي تم إقرارها في إطار الجهوية المتقدمة من جهة أخرى؟

ويرى الأستاذ الجامعي أن إطار الجهوية المتقدمة، الذي جعل جهات المغرب تتقلص إلى 12 جهة عوض 16، أسهم في "تحييد" عدد من المكونات الثقافية، ولم يأخذ بعين الاعتبار الهويات التاريخية واللغوية والثقافية لبعض المناطق الترابية المغربية.

هناك تخوف "وتوجس" من أن يتحول الإقرار بالتنوع الثقافي والهوياتي بالمغرب إلى تهديد للتماسك الاجتماعي والعيش المشترك، وبالتالي اختزال الهوية في أشكال الترابية المتوترة (مثال الريف) والشوفينية اللغوية (سواء كانت عربية أو أمازيغية).

كما أن استقرار ثنائية التعدد اللغوي والتنوع الثقافي لا يرتبط بطبيعة اللغات وخاصية الثقافات المعنية فحسب؛ بل يرتكز أيضًا على عوامل بنوية مثل الموارد الاقتصادية المتاحة للدولة من أجل "تفعيل" التعدد، حيث يمكن للدولة أن تعترف دستوريا بالتعدد اللغوي والتنوع الثقافي دون تحملها النفقات اللازمة والتبعات المالية لتفعيل وتثبيت التعدد والتنوع (مثال الهند)، يضيف بنيس.

ويدعو الأستاذ بجامعة محمد الخامس "إلى اقتراح رؤى جديدة أكثر انفتاحاً وديناميكية للتغلب على المنطق الأحادي والتمثل المتصلب للغة والثقافة اللذين يمنعان ويعيقان المواطن المغربي والمجموعات اللغوية والجهات الفاعلة المؤسساتية من منظمات المجتمع المدني المختلفة من العبور إلى تعبيرات ثقافية أخرى".