اكتشاف تافوغالت يعيد نقاش "سكان المغرب الأولون" إلى الواجهة

اكتشاف تافوغالت يعيد نقاش "سكان المغرب الأولون" إلى الواجهة

"سُكّان المغرب الأوّلون هُم بربر قَدِمُوا من أقاصي الشّرق البعيد واستوطنوا شمال إفريقيا"، لَعلّها العبارةُ الأكثر استفزازًا لعددٍ كبيرٍ من الأمازيغ المغاربة الذين اضطرّوا لترديدها وهم في حُجرات الابتدائي، دون أن يَعُوا وهُم يحفظونها عن ظهر قلب بأن هذه "اليافطة" ستُصبح في ما بعد "مُتجاوزة" بفعل إيمانهم الراسخ بأنه "يمكن أن يكون أصل سكان المغرب الأولين (الأمازيغ) من أي منطقة، إلا المشرق العربي".

وقد أعاد اكتشاف تافوغالت الأخير بشأن أقدم جينات في إفريقيا عبارة "سكان المغرب الأولون" إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، بعد ترديدها من قبل عدد كبير من المغاربة الذين دفعهم عامل الفضول إلى التساؤل عن علاقة هذا الاكتشاف بالفرضية السائدة التي تقول بأن "الأمازيغ هم سكان المغرب الأولون".

الأمازيغ سكان المغرب الأولون؟

طال الخلاف بين الأمازيغ والعرب حول مسألة "سكان المغرب الأولون"، هذه الجملة التي باتت تتردد بشكل لافت مع كل اكتشاف أثري جديد يهم التاريخ المنسي غير المدون في صفحات البحوث الأركيولوجية.

والأكيد أن هذا الخلاف أصبح يأخذ في غالب الأحيان مناحٍ إيديولوجية ضيقة. فالذي استوطن الأرض قديما يملك سلطة على الوافد الجديد، وبالتالي يحاول كل طرف بما أوتي من دلائل علمية أن يحسم هذا الموضوع لصالحه؛ فالأمازيغ دائما ما كانوا يعتبرون أنفسهم جزء لا يتجزأ من المغرب، بل أكثر من ذلك، فهو أقدم مكون للمجتمع على الإطلاق حتى يومنا هذا، ويشكلون الأغلبية حتى وإن كان يظهر العكس.

هذا ما يحاول شرحه الناشط الأمازيغي منير كجي، في تصريح لهسبريس قال فيه: "في المغرب يتم تغليف العلم بالإيديولوجيا أو الكذب كما تم تدريسنا في الابتدائي، بحيث كان يقال لنا إن سكان المغرب هم بربر أتوا إلى شمال إفريقيا من اليمن عن طريق الحبشة ومصر، وكانوا يسكنون الكهوف والأكواخ ويأكلون لحوم الحيوانات ويلبسون جلودها"، على حد تعبيره.

وتابع كجي: "هذه كلها معلومات خاطئة لأن الإنسان الأمازيغي استوطن شمال إفريقيا منذ غابر الأزمان"، مقدما كتابات غابرييل غامبس ومليكة حاشد كدلائل تُبرهن على صحة الأطروحة القائلة إن "الأمازيغ حضارة عريقة ومؤسسات سياسية واجتماعية ثابتة، رغم العديد من الغزوات والاستعمارات التي عرفتها شمال إفريقيا ابتداء من الفنيقين والرومان والعرب والوندال والإسبان".

هذه الفكرة يرفضها رياض بنخنو، طالب باحث في علوم الآثار والتراث، الذي اعتبر أن "اهتمام المغاربة بالأصول الذي بدا جليا مع الاكتشافات الأخيرة، يرجع إلى أسباب يتداخل فيها السياسي والثقافي".

ويشرح "هناك تيارات متطرفة في فكرها ترفع علم (الأمازيغ سكان المغرب الأصليين)، وتعتبر العرب والأندلسيين دخلاء، ومنهم من ذهب إلى حد الدعوة إلى طردهم، متناسين أن المغاربة بفعل التلاقح الثقافي وتقديسهم للدين الإسلامي وللغة القرآن، قد عرّبوا أنفسهم".

الأمازيغ ليسوا أبناء هذه الأرض

تشبث الأمازيغ بالأطروحة القائلة إن سكان المغرب الأولين بربر استوطنوا مناطق متفرقة من شمال إفريقيا، يعتبره المهتم بالدراسات الأثرية، رياض بنخنو، يفتقد للواقعية العلمية.

ويكمل "الأبحاث الأركيولوجية "لا تحدثنا عن شعب اسمه الأمازيغ سكن المغرب لملايين السنين منذ أن خلقت الأرض، بل تُحدثنا عن استيطان بشري لمجموعات بشرية انتقلت وهاجرت من منطقة إلى أخرى بفعل تغير أحوال المناخ والبحث عن الماء ومناطق القطف والصيد والزراعة، وعوامل أخرى كالحروب والأمراض والأوبئة".

ويبدو أن الناشط الأمازيغي، لا يتفق مع هذا الطرح؛ إذ ذهب في تصريحه إلى حد المطالبة "بتغيير المناهج الدراسية لتلقين جيل المستقبل عراقة الحضارة في التربة الشمال إفريقية، وتصحيح التاريخ المزور"، مؤكدا أن "ساكنة شمال إفريقيا الأصلية هي أمازيغية، ومن يقول ذلك لا يقوله تعصبا، بل هو قول للحقيقة وتصحيح للتاريخ، لأن التعصب هو الذي يرجع أصل الأمازيغ إلى اليمن أو أوروبا".

تيارات متشددة تسعى إلى التفرقة

بالرغم من أن هناك نشطاء أمازيغ وجمعيات ثقافية معترفا بها تدافع عن المسألة الأمازيغية من داخل المؤسسات، كالشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة "أزطا"، إلا أن علي الشعباني، أستاذ علم الاجتماع، يرى أن "داخل هذا المكون توجد عناصر متشددة تحمل (هموم الأمازيغ) في أرضهم وهويتهم، تسعى إلى إحداث التفرقة داخل المجتمع المغربي، من خلال الترويج لخطاب (أمزغة الأصل المغربي)، الذي يبقى هدفه إيديولوجيا".

ويسترسل السوسيولوجي شارحا "الهدف هو القضاء على التلاحم الذي يجمع مكونات الثقافية المغربية؛ إذ سيكون من العبث القبول بهذا النقاش لأن الدماء اختلطت وأنتجت لنا منتوجا واحدا، هو هذا الإنسان المغربي"، وفق تعبيره.

ويمضي الباحث في علم الاجتماع بعيدا في تحليله للجوانب الخفية التي ترافق نقاش الأصول الغابرة للإنسان المغربي؛ إذ يقول: "المغربي مهووس بالبحث عن هويته وأصوله، لكن النقاش الأخير الذي تفجّر مع اكتشاف تافوغالت تحكمه عناصر مغلوطة"

وأردف "خاصة إذا كنا نتحدث عن المجتمع المغربي الذي شهد انصهار مكونات عرقية وثقافية معقدة إلى درجة من الصعب جدا أن نفصل بينها، فالذي يسعى إلى خلق عناصر التفرقة بين المغاربة يريد أن يقضي على الوحدة الوطنية، سواء كان أمازيغيا أو عربيا، لأن حتى الأمازيغ أنفسهم ليسوا أبناء هذه الأرض".

من نقاش لغوي إلى نقاش جينيالوجي

في سياق آخر، قلّل الأنثروبولوجي المغربي، سعيد بنيس، من أهمية النقاش الذي ساد طوال الأسبوع الماضي بخصوص اكتشاف تافوغالت، وما أفرزه من ظهور تيارين متجاذبين يدوران حول فكرة "سكان المغرب الأولون"؛ إذ لم يعتبره نقاشا عموميا، وإنما "مجرد مشدات كلامية تبقى محصورة في إطارها الضيق، لأن الأصل ليس إشكالا عموميا في النقاش العمومي، وبالتالي لا يمكنه أن يؤثر على التماسك الاجتماعي، فالأمر يتعلق بنقاش فئوي محصور بين طرفين ينطلقان من محددات ثقافية مختلفة، وبالتالي كل جهة تحاول فرض أطروحتها في النقاش العمومي".

وزاد بنيس: "لقد انتقلنا من نقاش لغوي، أي مسألة اللغة الأمازيغية، إلى نقاش جينيالوجي، تعمل فيه وسائل الإعلام، خاصة الجديدة، على تضخيم هذه النقاشات وهذه الخطابات بالرغم من أن النقاش محصور على فئات بعينها، وهو سجال صحي على العموم".

الفكرة نفسها يتقاطع معها الأستاذ المتخصص في التاريخ القديم، عبد الجليل بوزوكار، الذي سجل أنه "لأول مرة يحدث هذا التفاعل الكبير للمغاربة مع البحوث الاركيولوجية"، معتبرا أن "المغاربة باتوا يهتمون بأصولهم الإنسانية بشكل ملفت للاهتمام".

* صحافي متدرب