المهرجان الدولي للسنة الأمازيغية ينطلق بتكريم عبد الله ساعف

المهرجان الدولي للسنة الأمازيغية ينطلق بتكريم عبد الله ساعف

بحضور لفيف من المفكرين والمثقفين، المغاربة والأجانب، انطلقت أعمال المهرجان الدولي للسنة الأمازيغية 2968، المنظم من طرف مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسِّلْم، بشراكة مع الجماعة الترابية لمكناس، مساء الجمعة بالعاصمة الإسماعيلية، تحت شعار "حوار الثقافات وأسئلة الهوية".

ويرمي مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسّلم، من خلال تنظيم المهرجان الدولي للسنة الأمازيغية الذي بلغ هذه السنة دورته الخامسة، إلى جعْل هذه المناسبة فُرصة للحوار بين مختلف الحساسيات، "وتحرير الناس من أوْهامهم والمساهمة في بناء عالَم يتّسع للجميع، بدون أن نحتكم إلى أوهام الذاكرة ولا الهوية المُغلقة ولا العقيدة ولا الإيديولوجيا كيفما كانت خلفيتها"، حسب رئيس المركز، عبد السلام بوطيب.

وقال بوطيب في الكلمة التي ألقاها بالمناسبة إنَّ حلول السنة الأمازيغية، الذي يصادف 13 يناير من السنة الميلادية، "ليس مجرّد لحظة زمنية يتم الاحتفاء بها، بل إنها جزء ميراث وطني حي، يعيش فينا يوميا ونتقاسم رمزيته البليغة في ظلِّ تناغُم وطني يفخر بإرثه المشترك، ويعمل جاهدا من أجل تقوية شروط نجاح عيْشه المشترك".

واختار القائمون على تنظيم المهرجان الدولي للسنة الأمازيغية بمكناس هذه السنة تكريم أحد رموز الثقافة المغربية، ويتعلق الأمر بالدكتور عبد الله ساعف، الأستاذ الجامعي وزير التربية والتعليم الأسبق، تقديرا لمنجزاته وإسهاماته في مجال البحث العلمي، طيلة عقود من الزمن، في عدد من القضايا الاجتماعية والسياسية وقضايا حقوق الإنسان.

ووصف جمال بن دحمان، في كلمة باسم المكتب الوطني لمركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسّلْم، عبد الله ساعف، بالرجل ذي العُمْق المعرفي، المتواضع في سلُوكه، الصارم في المبدأ، المَرن في تصريفه، لافتا إلى أنَّ هذه الشيَم كلَّها جعلت المُحتفى به يحظى باحترام السياسي والنقابي والإعلامي والمسؤول الرسمي وأهل الثقافة والعلم.

وقدّمَ بن دحمان بورتريها لعبد الله ساعف، استهلّه بالقول إنَّ المكرَّم ظلَّ دائما رجُل الانفتاح على الآخر والإنصات والحوار، ولم يكنْ أبدا متعصّبا لرأيه، كمَا أنّ توليّه لمهامَّ سياسية، حينَ تولّى حقيبة وزارة التربية والتعليم، لم يدفعه إلى الاحتماء بالصمت، بل ظلَّ دائما يعبّر عن رأيه، وعن مواقفه، بهدوء المسؤول الرزين والمثقف الحكيم.

من جهته، قالَ محمد النشناش، الرئيس السابق للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، في شهادة قدمها في حق عبد الله ساعف، إنَّ المُحتفى به "يشكّل حُجّة تُفنّد ما يُشاع من أنّ النُخبة المثقفة المغربية بعيدة عن الالتزام بقضايا المجتمع"، واصفا إيّاه بـ"الهرَم المغربي الذي يعتزّ ويفتخر به المغرب".

واستطرد الحقوقي المخضرم أنَّ عبد الله ساعف ظلَّ محافظا على صورته ولم يتبدّل، "فهُو لم يغيّر جلْده في أيّ ظرف من الظروف، رغم المسؤوليات التي تولّاها"، مضيفا: "كان وما يزالُ دائمَ الاستعداد للحوار، ولديه قابلية للإنصات، وقبول الرأي المخالف، ويمتاز بالحكمة والصبر والتواضع، وكتاباته المتعدّدة أثّرت كثيرا في الثقافة المغربية وأثْرَتْها".

عبد الله ساعف، المفكّر الموسوعي، كما وصفه جامع بيضا، مدير مؤسسة أرشيف المغرب، وُلد سنة 1949 بمدينة القنيطرة، واشتغل أستاذا للتعليم العالي في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط، وكان وزيرا للتربية والتعليم، وهو رئيس مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، واحد من أهمّ مراكز الأبحاث والدراسات في المغرب.

وقال جامع بيضا إنَّ المسؤوليات الكثيرة التي تحمّلها عبد الله ساعف، وانخراطه الدائم في الخوض في القضايا الأساسية للمجتمع، جعلت منه مثقفا مناضلا، تحمّل مسؤوليته إزاء مجتمعه، كما أنّه آمن بأهمية الثقافة في إنارة درْب النضال، ولذلك عمِل دائما على توسيع أفُق معارفه، ونَهَل بنَهم من الكتب القانونية والفلسفية والسياسية، ما جعَله من أبرز المثقفين الموسوعيّين في المغرب.

وفي كلمة مُقتضبة، عبّر المُحتفى به عن اعتزازه وافتخاره بتكريمه في المهرجان الدولي للسنة الأمازيغية بمكناس، معتبرا تكريمَه تكريما لزملائه الأساتذة في الجامعة، وللإطارات المدنية التي اشتغلَ إلى جانبها في العمل المدني.

وتطرّق ساعف إلى موضوع "حوار الثقافات وأسئلة الهوية" الذي يناقشه المهرجان الدولي للسنة الأمازيغية بمكناس، قائلا إنّ "طرح موضوع من هذا القبيل يعكس قدرة المجتمع المغربي على استيعاب الاختلاف والتعدُّد، بعدما كان ضيّقا غداة الاستقلال".

وأضاف: "كنّا ننظر إلى كلّ من يخالفنا كخصم، لكن اليوم هناك حوارات موسعة تدور حول الهوية، التي تتميّز بحساسية خاصة، وأصبحنا نقبل التعدّد، وهذا ليس فيه أي مسِّ بالهوية، بل هو إغناء لها، خاصة وأنَّ الهوية المغربية تسمح برفع هذه التحدّيات".