الهوية الأمازيغية بتونس .. دوافع الاستعراب وإرهاصات عودة الوعي

الهوية الأمازيغية بتونس .. دوافع الاستعراب وإرهاصات عودة الوعي

مما لا شك فيه أن تونس جزء من بلاد الأمازيغ تاريخيا، أو تامزغا، غير أنها في الوقت الراهن هي أقل الدول المغاربية انشغالا بموضوع الهوية الأمازيغية، لكنها تعد في الوقت نفسه أكثر دولة في شمال إفريقيا إشادة بتاريخ الأمازيغ وأبطالهم.

مكانة تاريخ الأمازيغ في الدولة التونسية

تزخر مكتبات تونس اليوم بعشرات المؤلفات التونسية المتعلقة بسير شخصيات وأبطال أمازيغ قدامى، وهذه المؤلفات تتساوق في جملتها مع ما كان بورقيبة يصف به نضاله من أجل استقلال تونس عن فرنسا، فكان يفخر بأنه "يوغورطا المنتصر"، أو يوغرطن، إشارة إلى كفاح يوغورطا (تـ104 ق م) من أجل الاستقلال عن روما. أما هو فيعتبر نفسه أنه قد انتصر على فرنسا. وكان يؤثث قاعة مكتبه في قصر الجمهورية بقرطاج، بخمسة تماثيل تعبر عن مراحل تاريخ تونس، وهي تماثيل هانيبال، ويوغورطا، وأغيسطينوس، وابن خلدون، وتمثاله هو. ومن المعلوم أن بورقيبة ذهب بنفسه إلى تركيا باحثا عن رفاة هانيبال.

أما نظام الجنرال بن علي، الذي انقلب على رئيسه، فقد ابتكر شعار "مراحل تاريخ تونس"، الممتد، حسبه، من 30 قرنا، وقسمها إلى المرحلة القديمة، الفنيقية والرومانية، والمرحلة الإسلامية، ثم المرحلة المعاصرة. وكل مرحلة بالنسبة إليه تطوي المرحلة السابقة عنها دون أن تمحوها، أو تتقمصها مثل ما يفعل بعض السلفيين. وكثيرا ما تشير الكتابات التونسية المنفتحة على التاريخ، والباحثة عن الشرعية للاستقلال الوطني، إلى عبارة " أسلافنا البربر" قياسا على كتابات الفرنسيين حينما يتحدثون عن أصولهم العرقية بقولهم: " Nos ancêtres les Gaulois".

إرهاصات عودة الوعي بالهوية الأمازيغية

غير أن أصواتا تونسية، ظهرت بعد إطاحة نظام الجنرال بنعلي، بدأت تنادي برد الاعتيار إلى الهوية الأمازيغية التونسية. وتنشر أن تونس ذات الـ10 ملايين نسمة يوجد بها الآن 500 ألف نسمة من الأمازيغ، أي خمسة في المئة من مجموع السكان. ويعيش أغلبهم في الجنوب التونسي بجزيرة جربة ومطماطة، وتطاوين، ثم في ڨفصة، والڨصرين، وتكرونة، والكاف، وسليانة.

وما يمكن الإشارة إليه، أنه بعد ثورة 10 ديسمبر 2010 و 14 يناير 2011 تأسست "الجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية" و"جمعية المحافظة على الثّقافة الأمازيغيّة". ويرى أصحاب هاتين الجمعيتين أنه لا يمكن فصل تونس عن محيطها الإقليمي الشمال الإفريقي، أو بلاد تامزغا، الممتدة من جزر الكنارياس بالمحيط الأطلسي إلى واحة سيوة بالصحراء الغربية المصرية.

أسباب استعراب أمازيغ تونس

أما الأسباب والعوامل التي جعلت الأمازيغ أقلية في سكان تونس وحدها دون محيطها الجغرافي، فيرجعها كثيرون، من الذين تناولوا التاريخ الاجتماعي والثقافي والإثني في تونس، إلى أن مسألة إقصاء اللغة والثقافة الأمازيغية في تونس، واستعراب سكانها أكثر من غيرهم في أقطار الشمال الإفريقي، كان بتأثير غزو الأعراب لتونس، فيما يعرف بزحف جحافل أعراب بني هلال ومن معهم من قبائل البدو النجدية والحجازية، في أواسط القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، التي استباحها لهم الخليفة الفاطمي المستنصر، في حكايات طويلة وغريبة الأطوار، تتعلق بتخلص الخليفة الفاطمي من هؤلاء الأعراب المشهورين بعدم تورعهم في سفك الدماء، الذين كانوا قد انزلوا في صعيد مصر لأسباب أمنية، كما تتعلق بتصفية حسابات سياسية ومذهبية مع حكام تونس الزيريين، ومن المعز بن باديس بخاصة، الذي ارتد عن المذهب الشيعي الإسماعيلي إلى المذهب المالكي السني.

تتحدث عن ذلك الغزو كتب الإخباريين والتاريخ الوسيط بإسهاب مروع، وما كان من سفك الدماء بلا أي وازع، إلا أخلاق الترويع والانتقام الغريزي من الخصوم والأبرياء معا، وإشاعة الخراب في المدائن والعمران البشري. وقد وصفهم ابن خلدون بأنهم يتميزن بـطبيعة التوحش ولانتهاب، قبل أن يضيف قوله: "إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب".

وزاد الخطر الدموي على أمازيغ تونس بعد سقوط الدولة الحفصية ذات الأصول الأمازيغية، التي حكمت تونس بين 627- 982هـ، 1228 – 1573م. فقد كثر اضطهاد الأمازيغ من قبل الأعراب.

وخلاصة القول: إن الجماعات والأشخاص الذين تضرروا أكثر من غيرهم من غزو الأعراب في نظرنا، هم أمازيغ تونس، بسبب الوجود القوي لهؤلاء الأعراب على أرض تونس، وبسبب قلة الجبال كملاجئ طبيعية في تلك الأرض. ما أدى إلى إخفاء الأشخاص الأمازيغ لأصولهم ولغتهم، وعاشوا في وضع مشابه لوضع المورسكيين في أسبانيا، حين كان هؤلاء الأخيرون مضطرين تحت محاكم التفتيش المسيحية الإسبانية إلى إخفاء إسلامهم، إذا أرادوا الحفاظ على حياتهم، فجاء أحفادهم متنصرين بفعل الاندماج المفروض عليهم، وكذلك حدث لمعظم أمازيغ تونس في موضوع الاستعراب عنوة. فلا غرو، إذن، أن يعدّوا من المستعربين. في حين احتفظ معظم سكان منطقة الشاوية في شرق الجزائر،- المجاورة لتونس بأمازيغيتهم بسبب وعورة مسالكها.

هوية تونس في المواثيق الرسمية المعاصرة

وفي الزمن المعاصر كانت تونس أول قطر من أقطار شمال إفريقيا الذي وضع دستورا مكتوبا سنة 1861، أي قبل احتلالها بـ20 سنة كاملة. وعند استقلالها سنة 1956، وبعد إلغاء الملكية من قبل الزعيم لحبيب بورقيبة، تم وضع دستور جديد سنة 1959. وجاء التعبير عن الهوية التونسية في الفصل الأول كما يلي: " تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها". وأكد الفصل 2 أن "الجمهورية التونسية جزء من المغرب العربي الكبير، تعمل لوحدته في نطاق المصلحة المشتركة".

ولم يتغير الأمر في دستور 2014، الذي يعد أول دستور مغاربي ينبثق عن مجلس تأسيسي تعددي في تونس، انتخب أعضاؤه ديمقراطيا، بعد الثورة على نظام الحزب الواحد والرأي الوحيد، الذي أسسه الحبيب بورقيبة، منذ سيطرته على السلطة سنة 1957، واستمر فعليا في عهد الجنرال زين العابدين بنعلي، الذي كان قد انقلب على رئيسه بورقيبة سنة 1987.

وعلى إثر الثورة الشعبية، 17 ديسمبر 2010 – 14 فبراير 2011، على نظام الجنرال، توجه التونسيون مباشرة إلى انتخاب مجلس تأسيسي مهمته الأساسية إعداد دستور جديد لتونس، واعتماده رسميا من قبل نواب الشعب، الممثلين لتيارات وأحزاب متعددة. فكان دستور 2014.

ومن بين ما تم التركيز عليه في توطئة هذا الدستور ما نصه: "تعبيرا عن تمسك شعبنا بتعاليم الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتفتّح والاعتدال، وبالقيم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان الكونية السامية، واستلهاما من رصيدنا الحضاري على تعاقب أحقاب تاريخنا، ومن حركاتنا الإصلاحية المستنيرة المستندة إلى مقوّمات هويتنا العربية الإسلامية وإلى الكسب الحضاري الإنساني، وتمسّكا بما حقّقه شعبنا من المكاسب الوطنية."

وأكد الفصل الأول أن تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، في حين أكد الفصل الثاني أن تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وعلوية القانون. دون أن يكون في الإمكان تعديل الفصلين الأول والثاني المتضمنين لهذا الانتماء ولهذا الاختيار في المستقبل. مما يفيد الحسم في مسألة الهوية بصفة نهائية لا رجعة فيها، طبقا لدستور 2014.

أما الفصل 5 فأعلن أن تونس جزء من المغرب العربي، تعمل على تحقيق وحدته وتتخذ كافة التدابير لتجسيمها.

وهكذا نلاحظ على مستوى النصوص الدستورية، أن تونس انحازت إلى الهوية العربية الإسلامية دون غيرها، وإلى رسمية اللغة العربية وحدها، إلا أنها اختارت أن تكون دولة المواطنة، فهل يمكن أن يحقق مبدأ المواطنة تجاوز الاحتقان الثقافي والخصام الهوياتي، على غرار ما جرى ويجري في الدول التي يتمتع فيها جميع ساكنتها بحقوقهم في المواطنة؟

*أستاذ فلسفة التاريخ ودبلوماسي سابق