أكاديميون يقدمون رؤى حول الثقافة الأمازيغية في شمال إفريقيا‎

أكاديميون يقدمون رؤى حول الثقافة الأمازيغية في شمال إفريقيا‎

استعرض باحثون وأكاديميون من المغرب وموريتانيا جوانب من الثقافة الأمازيغية في شمال إفريقيا ودور الحركات الأمازيغية في ترسيخ الحداثة والديمقراطية، مجمعين على أن التنوع الثقافي ركيزة أساسية لمحاربة التطرف.

وجاء ذلك خلال الجلسة العلمية الأولى المندرجة في إطار فعاليات المهرجان الدولي للثقافة الأمازيغية في نسخته الثالثة عشر، المنظمة من طرف جمعية فاس سايس ومركز جنوب شمال ومؤسسة روح فاس وجهة فاس-مكناس، والحاملة لشعار "الأمازيغية والتنوع الثقافي في مواجهة التطرف".

السايب: طابو الأمازيغية

الجيلالي السايب، أستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، اعتبر أن الأمازيغية كانت خلال الـ50 سنة الماضية من الطابوهات، مشددا على أنها عانت من الانكار والاقبار؛ "حيث كان يقال لنا عند الحديث عن حقوقنا بأننا نريد العودة إلى الظهير البربري، فعلا كان هنا رفض للحديث عن حقوقنا الثقافية".

ويرى المتحدث أن خطاب الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1993، الذي جاء ردا على احتجاجات مدرسين بكلميمة بالراشيدية في فاتح ماي ورفعهم لشعارات مطالبة بدسترة الأمازيغية، قد وضع حدا للصمت الذي كان يطبق على الموضوع ويجعله من ضمن الطابوهات والمسكوت عنه.

وأورد الجامعي المغربي أن عهد الملك محمد السادس شهد الاعتراف بالأمازيغية في مرحلة أولى عند إلقاء خطاب أجدير سنة 2001، وتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والاعتراف الرسمي سنة 2011 من خلال الدستور الذي أقر رسمية اللغة، واستدرك: "لكن الاعتراف كان مشروطا وعاش تعثرات فيما بعد؛ حيث إن المتقاضين الأمازيغ لا يمكنهم التقاضي بلغتهم".

وقال السايب: "الحاكمون في دول إفريقيا لم يقبلوا أبدا بأن يكون هناك تعدد ثقافي، ويرغبون في أن تكون الثقافة العربية دون غيرها، والحال عندنا كذلك؛ لأنه بالنسبة إليهم الأمازيغية هي فلكلور ولهجة وليست لغة".

وختم المتحدث كلمته بالتأكيد على أن مطالب الأمازيغ لم تكن أبدا متطرفة كما وصفت، وقال: "مطالب الأمازيغ لها خصوصية وليست متطرفة، والأبحاث التي قمت بها كشفت أن المطالب ذاتها موجودة في اتفاقيات دولية كإعلان برشلونة والاتفاقيات المتعلقة بالشعوب الأصلية".

الدمناتي: تراجع في عهد العثماني

مريم الدمناتي، عن المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات، اعتبرت أن الحركات الأمازيغية استعملت، خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، خطابات ومفاهيم الثقافة الشعبية والتراث الوطني؛ وذلك في مواجهة عدم سماح النظام السياسي القائم باستعمال كلمة أمازيغي.

وشددت المتحدثة على أن المغرب شهد انفتاحا سياسيا خلال الثمانينيات سمح بظهور خطاب أمازيغي جريء ساهم في ظهور مصطلحات كالثقافة الأمازيغية، والهوية، واللغة، والحقوق اللغوية والثقافية.

الدمناتي اعتبرت أن خطابات الحركة الأمازيغية الانسانية الرافضة لأشكال التمييز ساهمت في وضع حد للثقافة الواحدة، وتقبل التنوع الثقافي للمغرب المتنوع والمحتضن لعدد من الثقافات الأخرى.

وأضافت الناشطة الحقوقية الأمازيغية أن الحركة الأمازيغية انخرطت مع حراك 20 فبراير في مسار حقوقي جديد تميز بالتأكيد على وجوب الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية للبلاد، من خلال التنسيقيات التي كانت تعرف حضورا قويا للمنتسبين للحركة.

وأكدت الدمناتي أن المغرب يحتضن 1000 جمعية أمازيغية، التي "رغم مواردها القليلة، فإنها تساهم في الوعي بالتعدد والتنوع الثقافي، عكس المنظمات التي يمولها الشرق الأوسط".

وختمت العضو بالمرصد الأمازيغي للحقوق والحريات كلمتها بالتأكيد على أن تراجعا في التعليم والإعلام طبع وضعية الأمازيغية في المغرب على عهد حكومة عبد الإله بنكيران، متنبئة باستمرار الوضع على عهد حكومة سعد الدين العثماني، وقالت: "نعلم أن مناصري العروبية يعملون جاهدين لكي تبقى العربية مميزة ولم يقبلوا بعد بأن الأمازيغية رسمية".

توري: تعايش بين الجميع

مدينة توري، عن جامعة نواكشوط بموريتانيا، أوردت في مداخلتها التي اختارت لها عنوان "التعددية الثقافية والتعدد اللغوي والتعليم في موريتانيا"، أن التعايش تحقق منذ قرون بين الأفارقة السود والأمازيغ والسكان العرب في منطقة الساحل والصحراء بواسطة التمازج والتلاقح على مختلف المستويات.

واعتبرت توري أن الأمازيغية رغم اختفائها تدريجيا في موريتانيا، وعدم اعتراف الدستور بها، فقد تركت بصماتها في كل أسماء المدن والأنهار، وفي أسماء القبائل وفي أمور الحياة اليومية، مشددة على كون الحياة المجتمعية بين السكان الأمازيغ والسود خلقت لغة مشتركة اسمها "أزير"، التي كانت أيضا لغة التجار عبر الصحراء.

الأكاديمية الموريتانية اعتبرت أن الاختلاطات والتزاوج بين القبائل العربية والأمازيغية ومجتمعات السود في موريتانيا ساهم بشكل كبير في انتشار ثقافة السلام والأمن في المنطقة، مشددة على كون الأبحاث الايركيولوجية أوضحت أن الامازيغ كانوا موجودين في موريتانيا منذ القدم.

الدويح: هوية الصحراء متنوعة

سليمان الدويح، عن جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، في مداخلته حول "الهوية الإفريقية الأمازيغية للصحراء المغربية"، حاول التأكيد على أن هوية الصحراء المغربية تتميز بالتنوع العرقي والديني والثقافي.

واعتبر المتحدث أن أسس الهوية الصحراوية المغربية هي إفريقية وأمازيغية قبل كل شيء، مستشهدا لتوضيح طرحه بالتقاليد والعادات الاجتماعية واللغة، مقدما مصطلحات أمازيغية يتم تداولها في التعبيرات اليومية لساكنة الصحراء.

الدويح اعتبر أن النسخة الجديدة من الدستور أعادت في البند الخامس الاعتبار للتنوع الثقافي في المغرب، "لكن هناك عبارات جارحة وتقدح أصل الثقافة المغربية لازالت متداولة".

وشدد الأكاديمي المغربي على أن الهوية الإفريقية بارزة أيضا في الاحتفالات وفي الرقص الصحراوي الحساني الشبيه برقص مواطني دول جنوب الصحراء الكبرى، وفي الأدب من خلال القصص الشعبية التي تتمحور حول المواضيع نفسها، والأمر ذاته بالنسبة لسوس والريف التي تتشارك في التيمات عينها.