تدريس الألسن لأبناء الجالية .. حضورُ العربية و"إقصاء" الأمازيغية

تدريس الألسن لأبناء الجالية .. حضورُ العربية و"إقصاء" الأمازيغية

بحر الأسبوع قبل الماضي قدّم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بشراكة مع مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، دراسة حول تقييم تأثير تعليم اللغة العربية على التمكن من اللغة والثقافة عند الجالية المغربية المقيمة بالخارج، لكنَّ اللافت في الدراسة هو أنَّها "غيّبَت" اللغة الأمازيغية، رغم أنها أصبحت لغة رسمية بمقتضى الدستور.

الدراسة التي قدّمتْ تفاصيلها رحمة بورقية، مديرة الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، ركّزت على العربية وحدها، لغة وثقافة، وسمَّتهُما "اللغة والثقافة الأصليّتيْن"؛ ورَمت إلى تقدير تأثيرهما على التمكّن من اللغة العربية لدى شباب الجالية المستفيدين من تعلّمها، وكذا تأثيرهما على هويّتهم وثقافتهم، وعلى ارتباطهم ببلدهم الأصلي.

رشيد الحاحي، الكاتب والباحث الأمازيغي، اعتبر عدمَ تدريس اللغة والثقافة الأمازيغية لأبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج، والاقتصار على اللغة العربية وحدها، "تمييزا ضدّ اللغة الأمازيغية، على اعتبار أنها لغة رسمية للدولة منذ دستور 2011، إضافة إلى أن الثقافة الأمازيغية مُكَوِّن أساسي وصُلْب الهوية المغربية في تعدُّدها وتنوُّعها".

عدم إدراج اللغة والثقافة الأمازيغيتين ضمْن الإطار المرجعي لتدريس الثقافة المغربية لأبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج، إلى جانب اللغة والثقافة العربيتين، "لا يُعتبر مَيْزاً وإقصاء فقط للأمازيغية، بل يتنافى مع المُقتضى الدستوري في الشأن الثقافي واللغوي والهوياتي الوطني"، حسب الحاحي.

وشملت الدراسة التي أعدّها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بشراكة مع مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، عيّنة من 1272 فردا، تتراوح أعمارهم بين 18 و45 سنة، ونسبة 86% منهم مزدادون في بلدان الإقامة. وكان لافتا في الدراسة أنَّ إقليم الناظور، الناطقة ساكنته بالأمازيغية، احتلّ المركز الأوّل من حيث الأقاليم التي وَفَد منها آباء المستجوبين، بنسبة 28%.

في هذا الإطار يقول رشيد الحاحي إنَّ أغلبية الجالية المغربية في الخارج تتحدَّر من مناطقَ مغربية ناطقة باللغة الأمازيغية، مشيرا إلى أنّ الأخيرة حاضرة بقوة على مستوى التداول الاجتماعي والأسَري لدى الجيل الأول وحتى الجيل الثاني والثالث من الجالية المغربية المقيمة في الخارج، "وبالتالي فمن الناحية البيداغوجية والثقافية من المفروض أن تلعب الأمازيغية دورها الأساسي في الارتباط بالهوية الوطنية".

وأردف المتحدث ذاته بأنَّ عدمَ إدراج اللغة والثقافة الأمازيغية ضمن المنهج الدراسي لفائدة أبناء الجالية المغربية بالخارج "يُعتبر في الحقيقة هدْرا تربويا وثقافيا"، داعيا إلى "تدارك هذا المَيْز وتمكين اللغة والثقافة الأمازيغية من أن تلعب دورها الكامل في الأهداف التي يرمي إليها مشروع تدريس اللغة والثقافة المغربية لأبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج".

مُعطى وجودِ شريحة واسعة من المغاربة الناطقين بالأمازيغية ضمن الجالية المغربية المقيمة بالخارج، الذي أشار إليه الحاحي، ورَد ضمْن دراسة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أشارت إلى أنَّ الأمازيغية تحتلُّ، كلُغة للتواصل داخل العائلة، مكانة هامّة بالنسبة للجالية المنحدرة من الريف، خصوصا في ألمانيا وبلجيكا.

الحضور القوي للأمازيغية لدى أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج تجلّى، أيضا، في الأرقام التي تضمّنتها الدراسة، بخصوص تأثير تعلم اللغة والثقافة الأصليتين على الحياة اليومية؛ إذ وصلت نسبة المُستجوبين الذين صرحوا بأنّ الأمازيغية لها تأثير عال أو ممتاز إلى 34،9%، وبلغت النسبة 10،5 بالنسبة للعربية الفصحى، بينما وصلت إلى 58،7 بالنسبة للدارجة.

وفي حينِ تبرّر عدد من المؤسسات عدمَ تفعيل ما نصَّ عليه دستور المملكة بشأن الأمازيغية بعدم إخراج القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، اعتبر رشيد الحاحي أنّ هذا التبرير غيرُ مُقنع، خاصّة في ما يتعلّق بتدريس اللغة الأمازيغية، سواء في المدارس المغربية أو لأبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج، على اعتبار أنّ اللغة الأمازيغية جرى إدراجُها في المنظومة التربوية منذ سنة 2003.

وأضاف المتحدث ذاته: "الإطار المرجعي المخصص لتدريس أبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج للغتهم الأصلية يجب أن يراعي هذا التراكم الحاصل، إذ انطلق مسلسل المصالحة مع الأمازيغية منذ سنة 2001، بإدماجها في المجال اللغوية والثقافي وفي الحياة العامة، وبالتالي فليس هناك أيّ مبرر لانتظار صدور القانون التنظيمي لتفعيل ما نصّ عليه الدستور".