جامعيّ مغربي: الأمازيغية "شفرة سرية" تخترق لغات العالم

جامعيّ مغربي: الأمازيغية "شفرة سرية" تخترق لغات العالم

هذا مقال أعطفه على مقال سابق لي نُشر قبل أيام عنوانه "الأمازيغية أمّ لغات العالم". وجملة ما بينته في المقال السابق أن لاكتشاف "إنسان إيغود" الجديد نتائج على مستوى البحث اللساني المختص باللغة الأمازيغية، وأن إنسان إيغود يتوفر على كل المقومات التشريحية للكلام، وأن تصنيف اللغة الأمازيغية في عائلة اللغات الأفرو آسياوية مشكوك فيه، وأن الأرجح أن اللغة الأولى كانت صورة من صور الأمازيغية منها جاءت لغات العالم.

وسأواصل في هذا المقال، وفي المقال الذي يليه، إعطاء المزيد من الأدلة للمستزيد منها تفيد بأن اللغة الأمازيغية هي بالفعل طبقة لغوية دنيا linguistic substratum تجد آثارها في أعماق معاجم لغات العالم. على أن أتناول في المقال القادم بحوله الله مظهرا آخر من مظاهر هذه الطبقة اللغوية الدنيا وهو "التركيب".

قد يُرَدُّ على كلامي بأني لم آت بهذه الدّعوى إلا مدفوعا بهوى في النفس مذموم في ذاته مرجعه "تعصبي" للأمازيغية وأهلها. أنزه قارئي عن هذا الحكم الجائر، وألتمس العذر لمن تلبّس فهمه للأمور بالظنّ (وبعض الظن إثم) حتى تشابه عليه الحق والباطل. لذلك كثيرا ما أنبه طلبتي وكل من يأخذ عني العلم أن العُمدة في البحث العلمي ما نعرضه من حجج وقرائن وبيّنات وأمارات، بها نرجّح الحق على الباطل، ومعها يدور حكمنا على القول بالصدق أو بالكذب.

فلن ينفعك أن تنكر الدعوى وأنت لم تفهم بعد ما تقوم عليه من حجج، فهذا هو "الخبط" الذي ثمرته الرديئة هي "الغصب" (أن تغصب من تناظره في حقه عليك بالاستماع إلى حجته)، وهو من شُعَب الجَوْر والعياذ بالله. ولن ينفعك أيضا أن تُنكر دعواي في جملتها وأنت لم تفحص حججي واحدة واحدة وتبين أوجه الضعف فيها إن كان يعتورها ضعف أنت تدعيه. فهذا الجنس من الإنكار المُجمل نوع من "ظلم النفس" بحرمانها من تبين الكثير من العلم أو القليل منه أُمِرنا أن نقتفي أثره ولو بالصين.

منهج البحث اللساني التاريخي

لا أخرج في هذا البحث عن منهج تحقيق المفردات في علم اللسانيات التاريخية كما مارسه أهله (وهو العلم الذي لا يدرس حسب علمنا في جامعاتنا المغربية إلا في مستوى الماستر في جامعتين بمدينتي الرباط ومراكش). ينبني منهج اللسانيات التاريخية في البحث عن أصول المفردات وارتباطاتها بما يقابلها داخل عائلة لغوية معلومة أو خارجها على أربع قواعد علمية تسمى في جملتها بـ"المنهجية المقارنة" comparative methodology، أرتبها وألخصها في ما يلي:

أولا: قاعدة "المتقاربات" اللغوية" cognates: ومقتضاه أنه لا يُحكم على لفظة س من لغة (ل) ولفظة ش من لغة أخرى (ل') بأنهما متقاربتان إلا إذا كان بينهما تشابه صوتي وتشابه دلالي. مثال ذلك الألفاظ sister في الإنجليزية وswistar في القوطية وsoro في اللاتينية وsvasar في السنسكريتية وsestra في الپروسية القديمة، إلخ. فتشابه هذه الألفاظ، مبنى ومعنى، وكثرتها المشهودة يدلان على أنها مشتقة من الأصل نفسه، أي من اللغة التي تطورت عنها كل هاته اللغات.

ثانيا: قاعدة "عدم الاقتراض": ومقتضاها أن يتأكد الباحث من أن اللفظتين المتقاربتين مبنى ومعنى لم ينتج تقاربهما عن اقتراض لغة (ل) للفظة من لغة أخرى (ل') بسبب تفاعل متكلمي اللغتين مع بعضهما البعض. فلا يجوز، مثلا، أن نستنتج من وجود لفظة "موطور" في الدارجة المغربية وmoteur في اللغة الفرنسية أن هاتين اللغتين مشتقتان من الأصل نفسه، أي من لغة سابقة عليهما تاريخيا منها جاءت الفرنسية والدارجة كلاهما. فهذا عبث لأننا نعلم بيقين لا يشك فيه إلا العابثون أن الدارجة اقترضت لفظة "موطور" من الفرنسية عندما كان المغرب تحت الاحتلال الفرنسي.

ثالثا: قاعدة "المعاني الأعمق": ومقتضى هذه القاعدة أنه لا ينبغي الاكتفاء بالمعاني المشهودة للمتقاربات، بل ينبغي مقارنة كل هذه المتقاربات وتحقيق معانيها وأوجه استعمالها في لغاتها إلى أن نكتشف المعاني الأكثر "ملموسية". فعادة ما تكون المعاني الأصلية قريبة لحياة الإنسان البدائية الملموسة وتكون المعاني المجردة مشتقة منها بالتجريد أو بأخذها على المجاز. فإذا وجدنا متقاربين س وش يعني أولهما "القلب" (أي "عضلة القلب") والثاني "الحب"، فالأرجح أن معنى الأولى سابق تاريخيا عن معنى الثانية.

رابعا: قاعدة "النسقية": ومقتضاها أن الوصف الصحيح لعلاقة المتقاربين ببعضهما البعض متوقف على ملاحظة تغير صوتي نسقي من اللغة (ل) إلى اللغة (ل'). مثال ذلك أن نكتشف أن كل أو معظم الألفاظ س في اللغة (ل) تتضمن صوتا موقوفا في أولها، ومعظم الألفاظ ش في (ل') تتضمن صوتا احتكاكيا ينطق بمخارج النطق نفسها التي نستعملها لنطق س. فإذا أثبتنا ذلك في حالات كُثُر سيثبت عندنا أن دعوى العلاقة التاريخية بين س وش محققة لا شك فيها.

أدوات البحث اللساني التاريخي

لممارسة التحليل اللساني التاريخي يحتاج المحلل إلى أدوات وتقنيات منها: قواميس اللغات القديمة والحديثة، وقواعد المعطيات المختصة بتاريخ اللغات التي من بينها قاعدة المعطيات المعروفة بـ"برج بابل" التي تتوفر على قواعد معطيات تاريخية دانية كقاعدة المعطيات المختصة بالأمازيغية، والأفرو آسياوية، والهندو أوروبية، والصينية القوقازية، كما تتوفر على محركات البحث "البورية" Borean التي تقارن الأصول العائلات اللغوية المستعملة في النصف الشمالي للكرة الأرضية مع بعضها البعض.

ويفضل دائما عندما تقوم بالبحث أن تنطلق من لغة معينة تمت دراسة تاريخها بشكل جيد كالإنجليزية، فتتجه من حالتها الراهنة إلى أقدم أحوالها (الإنجليزية القديمة). ثم إلى أصلها الجرماني (الجرمانية القديمة)، ثم إلى أصلها الهندو أوروبي، ثم تقارن هذا الأصل مع مفردات اللغة التي تنوي دراستها، كالأمازيغية في حالتنا.

وفي ما يلي خمسة أمثلة لمفردات أمازيغية اكتشفها صاحب المقال باستعمال منهجية البحث المقارن وأدواته، وفق معايير البحث اللساني التاريخي المعتمدة علميا، تبين بأن صورة قديمة للغة الأمازيغية توجد في أعماق معاجم لغات العالم نحتاج اليوم إلى الكشف عنها في أفق اكتشاف لغة إنسان إيغود أو امتداداته الأنثروبولوجية.

الحجر

"الحجر" في الإنجليزية المعاصرة stone وفي الإنجليزية القديمة stan وفي اليونانية "ستيون"، وفي الفارسية "ستون"، تقال عن "السارية"، وفي الألبانية "ستنڭ" تنطق بإمالة التاء تفيد معنى "الشيء الصلب المضغوط"، وفي الروسية "ستنا" بإمالة التاء تعني "الحائط"، وفي السنسكريتية "ستياياتي" بتاء مائلة تعني "يجعل الشي صلبا".

نستنتج من هذه المعطيات أن هناك لفظا يجمع بين السين والتاء وهو "ست" (فالنون لا توجد في السنسكريتية) يعني "الحجر" أو "الشيء المصنوع من الحجر كالعمود ونحوه" أو "الشيء الذي جُعِل صلبا".

ومن المثير أن في اللغة الأمازيغية أيضا جذرا هو زض ⵥⴹ بزاي مفخمة وضاد يعني "الحجر المستعمل لسحق الأشياء" ينطق في التوارڭية أزّض ⴰⵥⵥⴻⴹ جمعها ئزّيضن ⵉⵥⵥⵉⴹ. من هذا الجذر أيضا اشتق معنى "الطحن" كفعل ئزيض ⵉⵥⵉⴹ "طحن"، وأزّض ⴰⵥⵥⴻⴹ " في الأمازيغية القبايلية "يد الرحى". فسين الجذر الهندو-أوروبي وتاؤه يجهران ويفخمان ليصبحا زض ⵥⴹ فولدت منه ألفاظ تدل على "الدق" و"الطحن" وغيرهما. ويفهم من هذا أن الصورة القديمة للأمازيغية تستعمل الصوت الاحتكاكي حيث تستعمل الهندو-أروبية الصوت الموقوف في متقاربات هاتين اللغتين.

الرأس

لفظة head في الإنجليزية المعاصرة كانت تكتب hēofad في الإنجليزية القديمة وتنطق "هييوڤاد" بمدّ ē. وهذه الكلمة جاءت من اللفظة الجرمانية القديمة haubuda (فثابت عند أهل التخصص أن الإنجليزية القديمة جرمانية)، التي تعني أيضا "رأس" اشتقت هي أيضا من اللفظة الهندو أوروبية kauput (وثابت عند أهل التخصص أن الجرمانية لغة هندو أوروبية).

سبب تحول الكاف إلى هاء هو أن اللغات الجرمانية خضعت لقانون عام يسمى بقانون "ڭريم" Grimm's Law مقتضاه أن الأصوات التنفسية المجهورة (ك bh وgh وdh) تفقد تنفسيتها كتحول ك التنفسية إلى ك غير تنفسية)، ثم تفقد الجهر لتصبح مهموسة (كتحول ڭ إلى ك)، ثم تفقد وقفيتها لتصير احتكاكية (كتحول ك إلى ش) ثم تصير أضعف آخذة شكل الهاء. هذا ما حدث مثلا للفظة kerd ("قلب" في الهندو أوروبية القديمة) التي أُضعفت كافها فصارت heart في الإنجليزية وبقيت بالكاف في اللاتينية codris والفرنسية coeur.

الأصل في head إذن هو kaput الهندو أوروبية. لكن من أين جاءت kaput نفسها؟

لنشر أولا إلى أن كل الكلمات التي تدل على الرأس في الأمازيغية كأڭايّو ⴰⴳⴰⵢⵢⵓ وأزلّيف ⴰⵣⵍⵍⵉⴼ، وأقرّو ⴰⵇⵔⵔⵓ، وأخساس ⴰⵅⵙⴰⵙ، وأخشاش ⴰⵅⵛⴰⵛ، وأڭنّاڭ ⴰⴳⵏⵏⴰⴳ (التي منها التعبير الدارجي ڭنڭ)، إلخ. إن هي إلا معان مولدة تستعمل على سبيل الاستهزاء، كل منها له تاريخه الخاص. فأڭايّو ⴰⴳⴰⵢⵢⵓ مثل مشتقة من أصل يعني "الخد" و"الذقن" لن ندخل الآن في تفاصيله. أما أقدم لفظة تستعمل بمعنى "الرأس" على الحقيقة بدون معانٍ حافّة فهي ئغف ⵉⵖⴼ تنطق أيضا ئخف ⵉⵅⴼ، وفي مزاب غيف ⵖⵉⴼ وفي واحة سيوة المصرية ب أخيف ⴰⵅⵉⴼ

المشترك بين كل هذه التنويعات الصائتان خف ⵅⴼ. فإذا قارنتهما باللفظة الهندو أوروبية kaput ستجد فيها نفس الصائتين بوقف وهما kp (يقابل خ الأمازيغية ك الهندو أوروبية كلاهما حنكي، ويقابل ف الأمازيغية پ الهندو أوروبية، كلاهما شفهي). يتضح مرة أخرى أن الأمازيغية تستعمل الأصوات الاحتكاكية حيث تستعمل الهندو أوروبية الأصوات الموقوفة. وهذه نسقية في التحول تدل على صحة تحليلنا.

تبقى لنا التاء في آخر اللفظة الهندو أوروبية لا نعرف ما إذا كانت أصلية أم زائدة (وأرجح كونها زائدة؛ لأن أقدم الكلمات تتكون من أقل عدد ممكن من الصوائت).

يستنتج من كل هذا أن أصل كلمة head في الإنجليزية هو "خف" أو "كف" أو "خپ" وكلها صور متطابقة مع الجذر الأمازيغي أو مشابهة له.

الدار

لنأخذ مثال الكلمة الإنجليزية house التي تعني اليوم "دار". أصل هذه الكلمة في الإنجليزية القديمة hūs لا تبتدأ بالهاء كما قد يتوهّم بل بصوت حنكي هو أقرب إلى الخاء منه إلى الهاء، وتنطق بتمديد ū. وبما أن الثابت عند أهل الاختصاص أن الإنجليزية لغة جرمانية، فإننا سنكتشف اللفظة التي اشتُقَّت منها في الجرمانية الأصلية وهي hūsą معناها "ما نغطّي به الأشياء ونسترها بها" وهذا أصل معنى "الدار"، أي "المكان الذي نبنيه لنختبئ فيه".

فإذا بحثنا في الجذر الهندو أوروبي الأصلي (فاللغة الجرمانية القديمة امتداد للهندو أوروبية) وجدنا أنه هو kews يعني "ستر" و"غطى" تنطق بإمالة خفيفة للكاف قبل ضمها. ومعنى هذا الفعل الهندو أوروبي "غطّى" و"خبّأ" مما ينسجم تماما مع المعاني المولّدة في الجرمانية الإنجليزية.

من الشواهد على هذا المعنى الأصلي (أي "التغطية" و"الاختباء" و"الاختفاء") أن "كوس" تطورت إلى "كيشكا" الروسية التي تعني "الأحشاء"، أي كل ما اختفى في باطن جسم الإنسان، و "كوستها" السنسكريتية تعني "الأمعاء" وهي جزء مما يختفي في داخل الجسم، و "كوستيس" في اللغة اليونانية القديمة تعني "المثانة".

وإذا عدنا إلى الأمازيغية سنكتشف أنها استعملت (ولا تزال تستعمل) هذا الجذر بمعانيها الأصلية الملموسة والمولدة كليهما. فشكل هذا الجذر في الأمازيغية هو "خس" ⵅⵙ (بنفس الصوائت الهندو أوروبية مع إضعاف للكاف لتصير حنكية) تجده في المادتين 886 و887 في معجم حدادو. فتقول في الأمازيغية الزناڭية تاخسا ⵜⴰⵅⵙⴰ جمعها تاخسون ⵜⴰⵅⵙⵓⵏ وهي "الأحشاء"، منها اشتقت تاسا ⵜⴰⵙⴰ "الكبد" بحذف الخاء. وؤخسان ⵓⵅⵙⴰⵏ في الريفية والزناتية هي "الصدر" وما في الصدر من "قصبات" نتنفس بها" وأخذت أيضا شكل قوس ⵇⵇⵓⵙ كما في أمقّوس ⴰⵎⵇⵇⵓⵙ وهو كلمة أمازيغية توارڭية تعني "الغائط، والروث" امتد إلى معنى "السماد".

امتدت هذه المعاني التي تدور حول فكرة "الأحشاء والدواخل" إلى معاني العواطف بناء على ما يتصوره الإنسان لمصدر العواطف في دواخله، فاستُعمل فعل ئخس ⵉⵅⵙ (وهو من نفس الجذر) في الورغية والمزابية بمعنى "أحب" و"أراد"، وئخساي ⵉⵅⵙⴰⵢ في نفوسة هو "الحب"، وتاموخسيت ⵜⴰⵎⵓⵅⵙⵉⵜ هي الرغبة والإرادة في الأمازيغية الشاوية. لاحظ مرة أخرى أن الأمازيغة تستعمل الصوائت الاحتكاكية حيث تستعمل الهندو أروبية أصواتا وقفية.

الأصل في معنى house في الإنجليزية إذن هو "المكان الذي نختبئ فيه" و"نتغطى فيه" و"نستتر فيه" وهذه هي "الشفرة السرية" لهذا المعنى التي لا تجدها إلا في أم اللغات، أي الأمازيغية.

الجبل

"الجبل" في كثير من اللهجات الأمازيغية أدرار ⴰⴷⵔⴰⵔ تنطق في الأمازيغية القبايلية أدڭاڭ ⴰⴷⴳⴰⴳ وفي الأمازيغية الأصلية أدغاغ ⴰⴷⵖⴰⵖ لاتزال تنطق هكذا في الأمازيغية التوارڭية والنفوسية والورغية والشاوية، لا تستعمل فيها فقط بمعنى "الجبل" بل أيضا بمعنى "الصخرة" أو "الحجر". ولاحظ كيف تستعمل اللغة الأمازيغية الصوت الاحتكاكي ⵖ وتطوره في الأمازيغية القبايلية إلى صوات وقفي ⴳ، مما يدل على أن الاحتكاكية هي الأصل على الأرجح.

ويستعمل هذا الجذر أيضا في أمازيغية واحة سيوة المصرية بمعنى "الحجر" صورتها الصوتية تغوغا ⵜⵖⵓⵖⴰ. وإذا علمنا أن "أ" في بداية الكلمة سابقة تدل على التعريف والتذكير، فإن الجذر هو دغاغ ⴷⵖⴰⵖ أقرب الألفاظ لها في اللغات الأفرو آسياوية هي "دوك" (بكاف مفخمة) في اللغة الأوموتية معناها "جبل"، و"دخوت" في اللغة القبطية القديمة معناها "ركام من الحجارة". واللفظ الصيني القوقازي الأصلي الدال على المعنى نفسه هو "؟وت" تدل علامة الاستفهام فيه أننا لا نعلم ما هو الصائت الأول فيه. والأصل الأفرو آسياوي الذي قدره العلماء هو "داق". والأصل الأورو آسياوي هو "ت..ڭ.." تدل النقاط فيه على صوامت لا نعلم ما هي.

وبهذا فإن الأمازيغية تحتفظ بما تشتت في ألفاظ اللغات الأخرى من أصوات وهي ⴷ و ⵖ و الصامت تضيف لها ⵖ في آخر الكلمة، والتفرد بجمع كل الأصوات المشتتة في ما يقارب هذا اللفظ في اللغات الأخرى من أمارات القدم والأصالة يصعب التغاضي عنها.

الوجه

من ثمار معرفتنا بالأمازيغية، بصفتها "شفرة سرية" داخل اللغات الطبيعية، أن المعجم الأمازيغي حافظ على معاني الألفاظ الأصلية (الأصول) التي يندر أن تجدها في اللغات الأخرى، وأضاف إليها المعاني المجازية المولدة التي توجد في اللغات الأخرى بوفرة. من ذلك مثلا اللفظ الدال على معنى "الوجه" في الأمازيغية وهو ؤدم ⵓⴷⴻⵎ فنجد في اللغة الأموتية لفظ "ديم" يعني "الوجه" و"الجبهة" و"الحاجب". ونجد في الكوشية الشرقية العالية "دمّ" بتشديد الميم بمعنى "الحاجب"، وفي الكوشية الشرقية الدانية لفظ "دام" (تنطق كذلك "دان") بمعنى "أحد نصفي الذقن"، وفي السامية الأصلية "ؤدام" أو"ؤديم" أو ؤدوم" (لا نعرف كيف ننطق حرف العلة الأوسط) بمعنى "الشبيه" و"الصورة" و"الوجه" (منه "أديم الأرض" في العربية).

إلا أن الباحث في اللغة الأمازيغية لا يجد الجذر أدم ⴰⴷⵎ بهذا المعنى المولّد وامتداداته المجازية فقط (ؤدم ⵓⴷⴻⵎ "وجه"، سّودم ⵙⵙⵓⴷⴻⵎ "قبّل" و"عانق"، إلخ)، بل يجد معنى آخر ملموسا ذا أصل آخر أعمق منه مرتبط بالمحيط الطبيعي للإنسان القديم. لنشرح.

المادة 90 في معجم حدادو هي دم ⴷⵎ تفيد معنى "مد شفتيه نحو الماء من أجل الشرب"، وهذا فعل دومت ⴷⵓⵎⵜ في الأمازيغية التوارڭية. من ذلك أيضا سودم ⵙⵓⴷⴻⵎ بمعنى "ارتشاف السائل إلى آخر قطرة"، وتاسودمت ⵜⴰⵙⵓⴷⴻⵎⵜ هي آخر قطرة. ونجد في الأمازيغية المزابية لفظ ئدّوم ⵉⴷⴷⵓⵎ بمعنى "قطّر". المعنى نفسه تجده في أمازيغية الأطلس المتوسط بالمغرب بلفظ أدّوم ⴰⴷⴷⵓⵎ فيعبّرون عن "التقطير" و"شبكة المياه" باللفظ أسودّوم ⴰⵙⵓⴷⴷⵓⵎ. هذا أصل كلمة ئدامّن ⵉⴷⴰⵎⵎⴻⵏ التي قد يُتوهّم أنها اقتباس من العربية ولكنها ليست كذلك بل مشتقة بدورها من معنى "ما يقطر من السوائل" كالماء ونحوه.

واضح إذن أن المادة دم تطورت من معنى "قطر" (كأن يقطر الماء من السماء أو من عين أو إناء) إلى معنى "ارتشاف القطرات بالفم" إلى معنى مواجهة الماء لأجل الشرب. وهذا ما يفسر أن هذا الجذر لم يستعمل في التعبير عن "الوجه" فقط بل استعمل أيضا للإشارة إلى أعضاء الوجه الأخرى كالجبهة والحاجب والذقن، كما استعمل للتعبير عن "المواجهة" أو "المقابلة بالوجه". فلا يمكن الربط بين كل هذه المعاني المعقدة والمشتتة إلا إذا أخذنا أقدم الألفاظ التي اشتُقت منها التي توجد في اللغة الأمازيغية.

خلاصة

استعمال المنهجية اللسانية التاريخية المقارنة يمكننا من اكتشاف "طبقة لسانية" linguistic substratum، وأن هذه الطبقة اللسانية هي ألفاظ أمازيغية لا تزال الأمازيغية المعاصرة تحتفظ بها. سأبين لك عزيزي القارئ في مقالي الموالي أن هذه الطبقة اللسانية ليست مختصة بالمعجم فقط، بل تمتد إلى التركيب أيضا ... بهذا المعنى، فإن الأمازيغية "شفرة سرية" تخترق لغات العالم.