تقنية "الفار" .. ثورة كروية أم أداة لإفساد المتعة؟

تقنية "الفار" .. ثورة كروية أم أداة لإفساد المتعة؟

تسعى الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (الكاف)، في أول تجربة قارية لها، إلى تطبيق تقنية حكم الفيديو المساعد "فار" خلال الأدوار النهائية لبطولة كأس أمم إفريقيا 2019 التي تستضيفها مصر من 21 يونيو الجاري إلى 19 يوليوز المقبل.

ويأتي قرار (الكاف) اعتماد تقنية "الفار" في بطولاته، ومنها النسخة الـ32 لأمم إفريقيا التي تعرف مشاركة 24 منتخبا للمرة الأولى، بالنظر إلى ما ستوفره هذه التقنية الجديدة من "شفافية" و"تكافؤ الفرص"، وتفادي وقوع الحكام في أخطاء قاتلة كثيرا ما غيّرت مجرى ونتائج المباريات وكانت ضحيتها منتخبات وطنية وأندية محلية.

وتتيح هذه التقنية لحكم الساحة اللجوء في الحالات المثيرة للجدل إلى الفيديو ومراجعة بعض القرارات، سواء عبر مشاهدة إعادة اللقطة عبر شاشة خاصة مثبتة خارج المستطيل الأخضر أو أخذ آراء حكام يتابعون الإعادة على شاشة متابعة؛ لاتخاذ القرار الصائب حيال أية حالة.

وجرى تجريب تقنية "الفار"، منذ عام 2016، في عدد من المباريات على المستوى الدولي، خصوصا في الدوريين الألماني والإيطالي، بعد اعتمادها فقط عند خط المرمى لمراقبة صلاحية الأهداف المسجلة، قبل أن يتقرر اعتمادها في عدد من المسابقات الدولية والقارية؛ مثل اعتمادها للمرة الأولى في كأس العالم روسيا 2018، وأيضا في كأس القارات، وكأس العالم للأندية، والدوريات المحلية لعدد من البلدان.

وحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، فإنه في حال طرح خلاف بين الحكام أثناء المباراة فهناك حلان، إما أن يتصل حكم الساحة بحكم الفيديو الرئيسي للتدقيق معه وطلب دليل فيديو، أو يتصل الأخير بالحكم الرئيسي يطلب منه بالضرورة اعتماد تحليل صور الفيديو. وفي النهاية، فإن القرار النهائي يبقى دائما بيد حكم الساحة، الذي لن يجادله فيه في الأخير أي أحد.

وسيرا على نهج (الفيفا)، قرر (الكاف) استخدام هذا النظام الجديد في أمم إفريقيا للمرة الأولى في تاريخ هذه البطولة الإفريقية، بدءا من دور ربع النهائي، بعد أن وافقت لجنة الحكام بـ(الكاف) على هذا القرار في اجتماعها المنعقد في نونبر 2017 بالقاهرة.

وقبل ذلك، قرر "الكاف" اعتماد "الفار" على سبيل التجربة بدءا من ربع نهائي كأس إفريقيا للاعبين المحليين 2018 في المغرب، ثم في نهائي بطولتي دوري الأبطال وكأس الكونفدرالية، وتم تكرار هذه التجربة في الموسم الحالي لنهائي نفس البطولتين، الأولى بين نهضة بركان ونادي الزمالك (كأس الكاف)، والثانية بين الوداد البيضاوي والترجي التونسي (دوري الأبطال).

وإذا كانت مهمة "الفار" هي مساعدة الحكم في تفادي الأخطاء التحكيمية دون الإخلال بمتعة كرة القدم مع تحقيق تكافؤ الفرص بين الفرق المتنافسة، فإن هذه التقنية أضحت تعرف انتقادات واسعة من اللاعبين أو المشجعين على حد سواء؛ فمنذ اعتمادها في الملاعب أثارت "الفار" الكثير من الجدل عبر العالم بين مؤيدين ومعارضين، وخلفت ردود أفعال متباينة إزاء الجدوى من استخدامها في ظل ارتكاب حكام، عن قصد أو غير قصد، أخطاء قاتلة غيّرت مجرى عدة مباريات وحرمت الجمهور من متعة كرة القدم. ويرى منتقدون أن هذه التقنية الجديدة تحرم رياضة كرة القدم من صبغتها العفوية وتسبب ارتباكا للجمهور، وتخلق لديه الكثير من الالتباس في المباريات خاصة التأخير في إصدار القرارات والإخلال بالجانب التنافسي.

وكان السلوفيني أليكساندر سيفرين، رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، أبدى، في تصريحات صحافية، السنة الماضية، الكثير من الحذر قائلا "لا أحد يعرف بالتدقيق كيف ستجري الأمور بهذه التقنية الجديدة ،وهناك الكثير من الالتباس".

لكن (الفيفا) و(الكاف)، وعكس هذه الآراء، أعربتا عن تفاؤلهما إزاء نتائج هذه التقنية والتي، من منظورهما، ستسهم في تحقيق "تكافؤ الفرص" في مباريات كرة القدم، باعتبارها تقنية "إيجابية" ستوفر المزيد من "الشفافية" وستساعد على تفادي وقوع الحكام في أخطاء كثيرا ما غيّرت مجرى ونتائج المباريات.

وفي هذا الصدد، أكد جياني انفانتينو، رئيس (الفيفا)، في أحد اللقاءات الدراسية، أن تقنية المساعدة بالفيديو ستكون "استثمارا" جيدا في عالم كرة القدم الحديثة، على الرغم من الانتقادات التي تتعرض لها، مضيفا أن "القرارات التي تم اتخاذها بشكل خاطئ (من الحكام) عدلت لتصبح في الاتجاه الصحيح (...)؛ غير أن واقع الحال، وعلى أرض الميدان، يؤكد ما ذهب إليه المنتقدون من كون هذه التقنية الجديدة أضحت وبالا للإجهاز على متعة كرة القدم، وخير دليل على ذلك ما حدث بملعب رادس (ضاحية تونس) يوم 31 ماي الماضي، في إياب المباراة النهائية لدوري أبطال إفريقيا بين الوداد البيضاوي والترجي التونسي، وقبلها بأسبوع في مباراة الذهاب بين الفريقين بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط (1-1)، وهما حادثان وقعا على بعد أيام قليلة على انطلاق بطولة الأمم الإفريقية. ففي ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، تم إلغاء هدف سجله الوداد في الوقت الإضافي (الدقيقة 45 +1) بعدما اعتمده حكم الساحة المصري جهاد جريشة؛ لكن وبشكل مفاجئ طلب الحكم من اللاعبين الانتظار لمراجعة الفيديو "الفار"، قبل أن يلغي الهدف بدعوى لمسة يد، ليتعرض جريشة الذي ارتكب أخطاء تحكيمية قاتلة في هذا اللقاء لعقوبة الإيقاف من قبل "الكاف" لمدة 6 أشهر.

وفي ملعب رادس، لعب القدر لعبته بأن يكون "الفار" القشة التي قصمت ظهر (الكاف) في ليلة كان يفترض أن تمر في أجواء احتفالية لتتويج بطل إفريقيا بين الترجي والوداد؛ لكن، وفي سيناريو غير متوقع، توقفت المباراة في الدقيقة الـ63 وعرفت مآلا مؤسفا بعد أن رفض الحكم الغامبي باكاري غاساما هدف التعادل لفريق الوداد الذي وقعه وليد الكرتي في الدقيقة الـ59 بداعي التسلل، دون أن تكون هناك إمكانية للجوء إلى تقنية "الفار" التي كانت معطلة، من أجل التأكد من صحة الهدف، لتتوقف المباراة إثر جدل حول هذه التقنية.