كوكاس: الإعدام مجرد غريزة لانتقام المجتمع باسم تطبيق القانون

كوكاس: الإعدام مجرد غريزة لانتقام المجتمع باسم تطبيق القانون

إلى كل الغرائزيين البدائيين الساعين للانتقام باسم القانون

لا يمكن للمرء وهو يتابع أشكال العنف الإجرامي المتزايد بيننا والذي أصبح يُرصد بالصوت والصورة، إلا أن يحزن كثيرا للمآلات الجارحة للعدوانية والعنف وسط المجتمع، صور ذبيحتي شمهروش، شكل اغتصاب وقتل الشابة حنان بشكل وحشي من طرف مجرم حي الملاح، وهذه الفيديوهات التي أصبح المواطنون يلتذون بالتقاطها ونشرها بدل القيام بأي شيء لإنقاذ الضحية، أقله الصراخ لتقديم الدعم لشخص يتعرض للخطر، أو استعمال هواتفهم لطلب نجدة الأمن بدل توثيق المشاهد العنيفة ونشرها فقط...

لا يسع المرء وهو يرى كل هذا التنامي غير المسبوق للجريمة بطرق عنيفة ووحشية، إلا أن يشجب ما آل إليه وضعنا.. ولا يمكن إلا أن نكون في صف الضحايا الذين قضوا نحبهم بطريقة وحشية، أو الذين تعرضوا لكل أشكال العنف من طرف منحرفين، لكن للأسف فالضحايا كثر حتى بين الفاعلين المجرمين أيضا..

ولكن لا يمكن أن نجاري هذه المطالب القادمة من قلب العمق الاجتماعي التي تنادي بتطبيق وتنفيذ حكم الإعدام اتجاه المجرمين، يجب أن لا نخلق حالة من الفوبيا لنعزز غريزة الموت/ "التيتانوس" فينا، لأن القوانين لا تصاغ بالعواطف ومشاعر الثأر والانتقام وردود الأفعال الآنية، فحكم الإعدام لا يقل وحشية عن سلوك هؤلاء المجرمين الموسومين بالخطر على المجتمع..

مع كل حدث عنيف من التشرميل في قضايا هزت مشاعر المجتمع وراح ضحيتها أبرياء في عدة مدن مغربية، ومع انتقال أشكال العنف حتى إلى البوادي والقرى التي كانت إلى وقت قريب رمزا للأمان والأمن.. ترتفع بحدة الأصوات المطالبة بإنزال عقوبة الإعدام بالمتهمين وتطبيقها، يجب أن نحذر من مجاراة هذه الدعوات التي تزايدت وثيرتها مؤخرا، لأن الأمر أشبه بداويني بالتي كانت هي الداء..

هناك وعيان يخترقان المغرب: وعي الدولة المتقدم والنخب المطالبة بحذف عقوبة الإعدام، لأنه جريمة ترتكب باسم القانون، ووعي عام غريزي يخترق المجتمع وبعض النخب المحافظة التي لا ترغب في حذف هذه العقوبة من القانون الجنائي المغربي خوفا من تعريض نظامها الثقافي ومشروعها الإيديولوجي للانهيار..

لحسن الحظ تبدو الدولة المغربية جد متقدمة منذ توقيفها تنفيذ حكم الإعدام منذ عام 1994، ومؤخرا أصدر الملك محمد السادس، بمناسبة عيد العرش، عفوا على عدد من الموجودين في حالة اعتقال، ضمنهم استفاد 31 نزيلاً من تحويل عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد..

وهو ما خفض عدد المحكومين بالإعدام بالمغرب بنسبة كبيرة وغير مسبوقة، لقد كانت خطوة جريئة وذات طابع إنساني تصب في المنحى الحقوقي المطالب بإلغاء هذه العقوبة البدائية، وهو ما أشادت به ثلاثة ائتلافات مغربية مُعارضة لعقوبة الإعدام، حيث ثمّن "الائتلاف المغربي ضد عقوبة الإعدام" و"شبكة البرلمانيين ضد عقوبة الإعدام" و"شبكة المحامين ضد عقوبة الإعدام" هذا القرار وقدروا "من هيأ له وساهم فيه"، وهنأوا المستفيدين من العفو، كما عبرت الائتلافات عن أملها في أن "تأتي مناسبات للعفو قريباً لتغلق إلى الأبد ممرات الموت بالسجون وتفرغ من المحكومين بالإعدام"، ذلك أن عقوبة الإعدام لم يعد لها من مسوغ للبقاء ضمن الموسوعة الجنائية المغربية، بل أضحت متناقضة مع المقاربة المجتمعية والحقوقية للعقوبة.

لنضع الأسئلة الحقيقية التي تصدم وعي المجتمع قبل الحقوقيين: هل عقوبة الإعدام تشكل حلا للحد من العدوانية والوحشية، وتخفيض نسبة الجريمة النوعية؟ ماذا سيستفيد المجتمع المغربي من العودة إلى تطبيق عقوبة الإعدام بل والإبقاء على هذه العقوبة المتخلفة التي يصدرها القانون فقط لامتصاص غرائز الانتقام من المجتمع؟

إن الحكم بالإعدام هو جريمة في حد ذاتها، لا يمكن للمجتمع أن يقتص من أحد أفراده بدعوى تكافؤ العقوبة، لا عقوبة تكمن في سلب حياة تجاه شخص يعرف أنه سيموت حتما، وأن هناك الكثيرين ممن سيتفرجون عليه، أو يسمعون باسمه، ويقرؤون عنه في الجرائد، ما ثبت يوما أن تنفيذ حكم الإعدام في ساحة عامة، قد ردع آخرين عن القيام بنفس الشيء، بدليل أن جرائم القتل لازالت مستمرة، ثم إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا نظهر أمام العالم وأمام الناس والمجتمع الذي نمثله، مشاهد تنفيذ الإعدام، لكي يتعظ الناس كما يقول الأخلاقيون جدا؟ لماذا لا نكف عن الكثير من الهراء حول استفادة المجتمع من تطبيق حكومة الإعدام في الناس؟

لا أحد وهب الحياة للآخر لكي يسلبها منه، حتى المجتمع، والقصاص المجتمعي بدعوى العدالة وإثبات القوانين، هو نوع من الغريزية البدائية فينا، يجب أن نحاربها، ويجب أن نقول اليوم: لا لتطبيق الإعدام ونعم لحذف العقوبة من القانون المغربي، ليس هذا نوع من الرومانسية الحالمة، لا...

يجب أن نبحث عن المجرم الحقيقي في كل هذا المسلسل، وغريزة الانتقام يجب أن تكون آخر شيء يفكر فيه المجتمع تجاه أبنائه، فلنكف عن الإعدام من فضلكم، ليس فقط تطبيقا، بل أيضا يجب أن نحذفه من نصوصنا القانونية، ذلك هو الوجه المتحضر الإنساني لبلوغنا قمة كبرى في المدنية، وإلا فنحن غرائزيون، ذباحون، قتالون، آكلو لحم البشر، حينما نؤمن أنه لا بد للإعدام أن يبقى مستمرا، وأن يبقى المغرب متحفظا على أجزاء من هذا القانون، فبئس المصير...

إن إلغاء عقوبة الإعدام، هي واجب للضمير البشري فينا، للإنساني فينا، يجب أن نكف عن العبث، المطالبة بحذف عقوبة الإعدام ليست ترفا فكريا، مهما كان المجتمع يعتقد بأنه يجب أن نقتص ممن أخلوا بشروط الإقامة فيه وأجرموا في حقه، وأضروا بسمعته وبقيمه وألحقوا الأذى بناس أبرياء بطريقة دموية وغير ذلك..

إن الأمر مجرد أوالية نفسية لستر عوراتنا، أخطاء مجتمعنا هي جزء مما نصنعه نحن، سواء كنا في القمة أو في القاعدة، المجتمع الذي لا يزال يطبق حكومة الإعدام حتى ولو كان في وسط الولايات المتحدة الأمريكية، هو جزء من غريزتنا الحيوانية البدائية..

يجب أن نكف عن العبث، ويجب أن نقول بملء فمنا: لا لعقوبة الإعدام، ليس لتنفيذه أو عدم تنفيذه، بل لا لعدم سنه كليا.. يجب أن نطالب بكامل قوانا لكي تلغى عقوبة الإعدام..

ستقولون أشياء كثيرة، ستحدثونني عن هذا المجرم الذي قتل وسفك دم أمه وأبيه، أو ذاك الذي شوه جثة زوجته ومثل بأطفاله، وهذا الوحش الآدمي الذي اقترف من الجرائم ما لا تعد ولا تحصى.. هل أعيدكم إلى إنسانيتكم المجردة؟

الدعوة إلى الإبقاء على عقوبة الإعدام أو تطبيقها هو محض مزايدات شعبوية، الكثيرون يعتقدون أن الجرائم النوعية كثرت لأن السجون المغربية أصبحت أجمل من السكن في المنازل في بعض الأحياء، ورجال السلطة أصبحوا وديعين وذهبت هيبة أيام زمان، بل هناك من يذهب إلى أبعد مدى فيما يشبه الحنين الجريح إلى أيام "سيبة السلطة" بلا مواثيق ولا عقود ولا قوانين للضبط...

كل هذا مجرد رد فعل غريزي آني، يجب أن نفكر بعمق في تشديد العقوبات على حمل السكاكين والسيوف حسب نوعيتها وأغراضها، وأن نزيل أسباب الجريمة ودوافعها في الفرشة الاجتماعية بسياسات عمومية تحد من الانحراف والفقر والإحساس بالتهميش والإقصاء، ومحاربة تقريب المخدرات من قرقوبي وحبوب مهلوسة من المواطنين، أما المناداة بتطبيق عقوبة الإعدام فليس حلا، وإنما مجرد ثأر متخلف مغلف برداء قانوني..

لم يثبت أن نزل معدل الجريمة في الدول التي تطبق عقوبة الإعدام بل ازدادت وحشية أحيانا مما دفع العديد من الولايات الأمريكية إلى إلغاء العمل بهذه العقوبة، فعتاة المجرمين المنحرفين المغبونين اجتماعيا أصبحوا يرون في إذاعة ونشر خبر الحكم عليهم بالإعدام أصبح بمثابة الشهرة وتحقيق توازن نفسي كما لو أن المجرم المقصي سابقا أصبح يجذب اهتمام المجتمع بعد إهمال..

يجب أن تلغى عقوبة الإعدام، ليس فقط للخطأ البشري المرتبط بآليات القضاء والمحاكمة، ليس لأن هناك قصصا تروى وتحكى هنا في المغرب وليس فقط خارجه، بكون متهمين بالإعدام، وثبت وجود خطأ في حقهم وأنهم ليسوا المعنيين بالجريمة، بل فقط لأن الحق الدستوري للحياة لا يمكن أن يتعايش مع الإبقاء على عقوبة الإعدام.