"تطبيقات التعارف" تتحول إلى فضاءٍ لمحاولات الاغتصاب بالمغرب

"تطبيقات التعارف" تتحول إلى فضاءٍ لمحاولات الاغتصاب بالمغرب

داخل زنازين قضبانها شاشات أجهزتهم الإلكترونية، يلْهثون خلف فُرص التعارف وخَلق العلاقات وتوسيع دائرة المعارف، غير آبهين بالمخاطر، تقودهم رغبتهم في تكوين علاقات جديدة إلى اكتشاف عالم "تطبيقات التعارف"، الذي تُتيحه شبكة الإنترنيت، إلاّ أنّهم سرعان ما يصطدمون بواقع مغاير لما كانوا ينتظرونه؛ فالدُّخول إلى دهاليز هذا الفضاء الغريب أفضى بالعديد منهم إلى الشُّعور بندم شديد نتيجة المضيّ قدما في تجارب "مُتهوّرة"، جاهلين العواقب.

تُؤكّدُ أغلب الفتيات اللاّئي تحدّثنا إليهن، أنّه غالبا ما يعزفُ الرّجال على وتر المثالية في البداية، حيث يُظهرون المناقب ويخفون العيوب. فحين تُخْتزل المشاعر في نقرة زرّ، يسهل على مُعظمهم "اصطياد الفريسة"، كما صرّحت لنا سكينة، إحدى مُستعملات "تطبيقات التعارف". إلاّ أنّ تصرّفات من هذا القبيل لا تنفي وُجود فتيات يُحوّلن هذا الفضاء الافتراضي إلى شبكات للدعارة وتجارة الجنس، مُتفاديات بذلك الطّرق المألوفة، التي أضحت بالنسبة إليهن أمكنة "أقلّ أمانا".

نوايا سيئة..

سهولةُ هذه التطبيقات تكمن في إتاحتها التعرف على الأشخاص المتواجدين على مقربة من مُستعمليها، بفضل وظيفة التحديد الجغرافي التي يُتيحها "جي بي إس"؛ مما يُسهّل اللقاء بين أشخاص المنطقة الواحدة. يقوم المستخدم بإنشاء حسابه، ثم يقدّم تعريفا وجيزا بنفسه، وينشر على حسابه صورا معدودة، ليُضفي على حسابه نوعا من الواقعية وإن كان وهميّا.

بمُجرّد القيام بهذه العملية، يُعرّفك التطبيق على نساء ورجال من مختلف الفئات، وابتداء من هذه المرحلة تبدأ رحلة الإبحار في عالم الشخوص المُتنوّعة، التي تتباين أهدافها من ولوج هذه التطبيقات، إلاّ أنّ المؤكّد بالنسبة إلى معظمهم هو الرّغبة في "كسر الروتين اليومي"، بمنطق أنّ الغاية تُبرّر الوسيلة.

حياة (20 سنة) تستعمل منذ سنتين تطبيق "تيندر" للتعارف، واصفة تجربتها بالسيئة، حيث تؤكّد أن هدف أغلب مُستخدمي هذه التطبيقات مُغاير لما كانت تتوقّعه؛ "نواياهم سيئة، ويعتقدون أنّ كل من دخلت هذه التطبيقات تبحث عمن سيؤدّي أكثر"، تقول حياة.

"العلاقات العابرة مبدأ يستهوي العديد من الشباب"، تُضيف المُتحدّثة، التي تُقرّ بوجود فئة كبيرة من الشباب تقوم بإغراء بعض "بنات الليل" بمبالغ مالية عالية مقابل الانغماس في عالم الدعارة ودهاليزه المجهولة التي تحف بها الأخطار من كل جانب.

المواقعُ التي تحافظ على سريّة المُتحدّث تشهد إقبالا مُتزايدا من قبل كبار رجال الأعمال والشخصيات المهمة، وفقا لما أكدّته تصريحات متطابقة لمُستعملات هذا التطبيق؛ إذ يبحثون دوما عن "الفريسة" بغية تفريغ رغباتهم الجنسية، على اعتبار أن مثل هذه الوسائل تحفظ سرية هويتهم، وبالتالي فهي أكثر أمانا وسلاسة بالنسبة إليهم.

محاولة اغتصاب..

هناك فئة من الشباب، وإن كانت قليلة، تلجأ إلى مثل هذه التطبيقات بغرض خلق صداقات أو ربما إيجاد نصفهم الآخر. كان هذا هو مبتغى سكينة، إذ تقول: "كان هدفي هو التعارف وخلق صداقات جديدة"، قبل أن تستدرك بكثير من الحسرة "إلا أن مواقع التعارف لم تعد تفي بهذا الغرض، بل خرجت عبرها الأمراض النفسية إلى العلن بسهولة تامة".

"تعرّفتُ على شاب بدا لي في البداية إنسانا ناضجا وواعيا. كان كل شيء طبيعيا في البداية، تعارفنا على بعضنا البعض، ثم قال لي إنّه أُعجب بي كثيرا ويودُّ لقائي، فقبلتُ طلبه بالنّظر إلى سنه، فهو كان في الثلاثين من عمره"، تحكي سكينة عن بداية قصّتها مع "تطبيقات التعارف".

لقاء على فنجان قهوة، ثم بعض الابتسامات اللّطيفة، التي تحوّلت بعد بضع ساعات إلى محاولة اغتصاب وحشية، بعدما ركبت سكينة السيارة رفقته للذهاب إلى المطعم الذي كان من المُقرّر أن يتناولا به وجبة العشاء، إلاّ أن وجهة السائق كانت مُغايرة تماما: منطقة على واجهة بحرية خالية من البشر.

"لا أريد أن أتذكّر ما حدث، لكنني لا أعرف كيف استطعت النجاة من ذلك الوحش الذي حاول اغتصابي، ولو كنت واعية بحقيقة ما يحدث في هذه التطبيقات لما حمّلتها على هاتفي، فالأمر خطير جدا"، تضيف الفتاة، التي لا تنفي التأثير البالغ الذي خلّفه هذا الحادث على نفسيتها وعلى ثقتها بالآخرين.

انفتاح غير مُراقب

يقرّ علي الشعباني، المُتخصّص في علم الاجتماع، أنّ كل الدراسات حول موضوع المواقع الاجتماعية و"تطبيقات التعارف" عبر الإنترنيت تشير إلى الأخطار الكبيرة التي تؤدي بأصحابها إلى المتابعات القضائية، وإلى السجن أحيانا أو إلى مشاكل نفسية واجتماعية، قد تحدث اضطرابات على المستوى السلوكي والتوازن النفسي للأفراد.

ويُفسّر الشعباني كثرة إقبال الشباب على هذه التطبيقات بكونها "تتيح إمكانية التعارف مع جنسيات من مختلف أنحاء العالم، ومع فئات مختلفة، وهذا التعدد والاختلاف هما اللذان يجلبان الشباب لما لهم من قابلية الانفتاح على فئات مُختلفة".

وأكّد الشعباني، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن "كلّ المواقع والتطبيقات عبر الإنترنيت خلقت فرصا اجتماعية افتراضية عوض الحياة الاجتماعية الواقية، وهو ما أصبح يغري الكثير من شباب اليوم، وأصبحوا منافسين بشكل كلي في المجتمع الافتراضي لما له من إمكانية التخفي والتستر على العديد من العيوب التي يكشفها العالم الواقعي".

وأضاف الشعباني أنّ "الشباب الذين يرتادون هذه المواقع ويستعملون هذه التطبيقات لا يتحملون مسؤوليتهم؛ فهم في الغالب ضحايا سياسات الانفتاح غير المراقب وغير الموجه، التي ساهمت في تخريب القيم الاجتماعية والتربوية، وأضافت المناعة اللاّأخلاقية عند هؤلاء الشباب"، مشيرا إلى أنّ كل هذه العوامل "ساهمت في تسهيل الوصول إلى كل المواقع وكل التطبيقات الممكنة، مما أدّى إلى هذه الفوضى الأخلاقية والتفسخ الاجتماعي، وأصبح اليوم من الصعب التغلب أو محاصرة تفشي هذه الظواهر المهربة للقيم الاجتماعية والمدمرة لسلوكيات الأفراد."

وعن سُبل توعية الشباب بمخاطر هذه المواقع، أوضح المتخصص في علم الاجتماع أنّ "التوعية لن تتم إلا بالتنسيق مع كافة القطاعات الحكومية وغير الحكومية، المعنية والمدركة لمخاطر هذه الظاهرة، إذ يتطلب ذلك استراتيجية واضحة على المدى البعيد، بتنسيق بين قطاعات التربية والتعليم والشباب والرياضة والإعلام والثقافة والإرشاد الديني والصحة وفاعلي المجتمع المدني، دون أن نغفل قطاع التشريع، الذي يجب عليه ابتكار قوانين تحمي الشباب والمواطنين من مخاطر الاستعمال السيئ لبعض المواقع الاجتماعية، خاصة الإباحية منها، والتطبيقات التي تؤدي بأصحابها إلى التهلكة".

*صحافية متدربة