جماعة "العدل والإحسان" والسلطات المغربية.. من يشد الحبل أكثر؟

جماعة "العدل والإحسان" والسلطات المغربية.. من يشد الحبل أكثر؟

أعاد "منع" السلطات المغربية أعضاء من جماعة العدل والإحسان الاعتكاف في المساجد خلال شهر رمضان، وقبله تشميع عدد من بيوت قياديين وأعضاء تابعين للجماعة، إلى واجهة الحدث السياسي موضوعَ العلاقات المتوترة بين الجماعة والدولة، والتي تصل إلى حد تبادل الاتهامات والانتقادات الحادة.

وأغلقت السلطات، خلال الفترة الأخيرة، بالأختام عددا من المحلات السكنية لقياديين وأعضاء في العدل والإحسان، كما حصل من قبل في سنوات مضت، مسوغة ذلك بأن الجماعة حولت هذه البيوت إلى أماكن للعبادة، وهو ما "يخرق المقتضيات القانونية لإقامة الشعائر الدينية".

من جهتها، تتهم "العدل والإحسان" السلطات بأنها باقتحام منازل سكنية وإغلاقها، تكون قد انتهكت القوانين المعمول بها، خاصة الدستور الذي ينص على الحق في الملكية الفردية، وأن قرار منع الاعتكاف أو الإغلاق ليس سببه الغيرة على بيوت الله، بقدر ما هو قراري ينطلق من "خلفيات سياسية".

هذه "الخلفيات السياسية"، التي تحيل عليها الجماعة في علاقتها بالسلطات المغربية، تمتد إلى سنة 1974، أي العام الذي أرسل فيه مؤسسها وزعيمها الروحي الراحل عبد السلام ياسين، منطلقا من خلفيته وإيديولوجيته الصوفية، رسالة جريئة وقوية آنذاك إلى العاهل الراحل الحسن الثاني عنونها بـ"الإسلام أو الطوفان".

هذه الرسالة المفتوحة التي نشرت على نطاق واسع، طالبت الملك الراحل بإرساء النظام الإسلامي في البلاد، وإلا فإن ما سمته "الطوفان" سيعم المجتمع، فتم إيداع الشيخ ياسين مستشفى للأمراض العقلية عقابا له على جرأته في الرسالة المطولة المكونة من أكثر من 100 صفحة.

كانت رسالة "الإسلام أو الطوفان" أول وأخطر شرخ بين الجماعة، التي أسسها ياسين فيما بعد (سنة 1983)، وبين النظام الحاكم الذي كان ينظر بتوجس كبير إلى تحركات وخطوات "مرشد الجماعة"، فتقرر اعتقاله مدة سنتين، قبل أن يتم إقرار الإقامة الجبرية عليه سنة 1989، وملاحقة عدد من قياديي الجماعة إلى حدود ماي من عام 2000 عندما قرر حينها الملك محمد السادس رفع الإقامة الجبرية عن شيخ الجماعة.

واتسمت المرحلة، التي امتدت منذ تأسيس الجماعة وطيلة عهد الملك الراحل الحسن الثاني، بنوع من المواجهة الحادة بين الطرفين، رغم أن الجماعة أصرت على تبني خط سياسي بعيد عن العنف، لكنها بالمقابل رفضت بشكل قاطع المشاركة في "اللعبة السياسية" لأنها تعتبر المؤسسات الدستورية الكائنة صورية، كما أنها تدعو إلى إقامة "الخلافة على منهج النبوة".

وبدأت الجماعة مرحلة ثانية في تعاطيها مع عهد الملك الحالي بعد تربعه على عرش البلاد في صيف 1999، من خلال رسالة جديدة بعث بها الشيخ ياسين إليه، وسماها "إلى من يهمه الأمر"، بدأها بعبارات لبقة من قبيل "ملك الفقراء"، بخلاف ما خطه إلى والده الراحل، وهو ما توسم فيه مراقبون حينها خيرا بتدشين علاقة جديدة بين الجماعة والدولة.

واعتبر مراقبون أن رسالة ياسين الجديدة إلى العاهل المغربي، خصوصا أنه كان حديث العهد بالحكم، كانت نوعا من "المهادنة" مع الدولة والنظام الحاكم، غير أن إشارته إلى ثروة الملك الراحل أجهضت التوقعات بشأن إبرام "صلح سياسي" بين السلطات والجماعة.

وجاءت وفاة مرشد "العدل والإحسان" في الـ13 من ديسمبر 2012 لتشكل منعطفا كبيرا في مسار الجماعة، وبدأ البعض يتحدث عن "الجماعة ما بعد ياسين"، ويترقب "بصيص أمل" لعقد تصالح بينها وبين الدولة، خاصة أن زعيمها الروحي، الذي كان من أشد المعارضين للملك السابق، رحل عن الدنيا، غير أن "الإشارات الإيجابية" انعدمت بين الجانبين، وظل التوجس سيد الموقف.

وبدا للكثيرين أن محمد عبادي، الذي خلف الشيخ ياسين على رأس الجماعة، لكن بصفة قيادية جديدة تسمى "الأمين العام"، مثل أي حزب سياسي، سوف يبدأ صفحة جديدة مع الدولة، لكن الجماعة ظلت متابعة للنهج نفسه الذي رسمته لنفسها، باستثناء أنها تحولت إلى "قوة سياسية" لا يمكن الاستهانة بها، خاصة في قطاعات مجتمعية، وفي الفعل الاحتجاجي أيضا، بخلاف الخلفية التربوية والدعوية التي كانت تحجب انطلاقتها السياسية في عهد ياسين.

وجاءت لحظة "20 فبراير" لانطلاقة حركة شبابية تطالب بمحاربة الفساد، بموازاة مع رياح الربيع العربي، لتعود الجماعة إلى الواجهة بمشاركتها القوية في الاحتجاجات الشعبية، وتظهر للمشككين بأنها لم "ترفع الراية البيضاء" بعد في مواجهة الدولة، وأنها "رقم صعب في المعادلة السياسية بالبلاد".

ولعب أنصار "العدل والإحسان" دورا محوريا في كثافة احتجاجات حركة "20 فبراير" طيلة شهور إلى أن انحسر إشعاع الحركة تدريجيا من خلال انسحاب اختلفت بشأنه الدوافع والأسباب، من قائل إن الجماعة رفضت شعارات كانت ترفعها تيارات يسارية، وبين من قال إنها "صفقة" بين الجماعة وحزب العدالة والتنمية الذي كان حينها حديث عهد برئاسة الحكومة.

ويبدو أن الجماعة حاولت الخروج من جلباب "20 فبراير" لترتدي لباس الاحتجاجات الفئوية في عدد من المناطق، وهو ما دفع السلطات إلى الحديث تلميحا وتصريحا عن دور مفترض للجماعة في إذكاء وإشعال هذه الاحتجاجات الاجتماعية في أكثر من منطقة بالبلاد.

ويبدو أن السلطة ردت على لعبة "شد الحبل" التي تتقنها الجماعة بما لديها من صلاحيات في إغلاق وتشميع بيوت أنصار الجماعة، ليستمر التوتر بين الطرفين، دون أن يجنح أحدهما إلى مد يد المصالحة، حيث باءت العديد من محاولات الصلح التي قامت بها أطراف كثيرة بالفشل.

ويحسب لجماعة "العدل والإحسان" أنه لم يسبق لها أن تورطت في أعمال عنف أو الدعوة إلى التطرف والإرهاب أو التكفير، كما يحسب للدولة في عهد الملك محمد السادس الابتعاد عن "سياسة الاعتقالات" التي كانت موجودة في عهد سابقه، ومنح جرعات أكبر من حرية التعبير للجماعة .

ويعاب بالمقابل على الجماعة ـ وفق مراقبين ـ أنها تخوض في السياسة وتدخل دهاليزها، وفي الوقت نفسه ترفض العمل من داخل المؤسسات والمشاركة في الانتخابات، وهو ما يجعل خطابها مكررا لا يحمل جديدا، ويضم في طياته الأدبيات نفسها منذ تأسيس الجماعة مع اختلاف السياقات، كما أنها تمد يدها إلى اليساريين لإنشاء جبهة وطنية ضد الفساد، وفي الآن نفسه لا تتورع في توجيه انتقادات حادة إلى هؤلاء اليساريين في تصريحات قيادييها.