بعيدا عن مراكز الإيواء .. الإسفلت البارد يحضن أجساد المتشرّدين

بعيدا عن مراكز الإيواء .. الإسفلت البارد يحضن أجساد المتشرّدين

في زوايا مظلمة، وأمام المحلات التجارية والأبناك، يقضون لياليهم..يلتحفون السماء ويفترشون الإسفلت، معاناتهم مع الليل تزداد أكثر في فصل الشتاء، حيث الأمطار والبرد، ولا من يلتفت إليهم، عدا بعض المساعدات الإنسانية أو التدخلات بين الفينة والأخرى من فعاليات جمعوية تحاول تخفيف مآسيهم.

حكاية مشرد

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلا، بينما الهدوء يعود إلى مدينة الدار البيضاء بعد يوم صاخب كالعادة بسبب ضجيج السيارات والحافلات، عدا بعض الحانات التي تستقبل زبائنها، وسيارات للأجرة الصغيرة تبحث عن الراغبين في من يقلهم صوب منازلهم، بدأ الشاب يونس في البحث عن مكان لقضاء ليلته، بجانب محطة "الساتيام" بمركز العاصمة الاقتصادية، وجد له مكانا. كان الشاب يضع ما يشبه الغطاء، عبارة عن متلاشيات، بينما يفترش "الكارطون".

"اسمي يونس، لكن أجهل من أين أنا"..هكذا تحدث لنا وهو يحاول الاختباء من البرد القارس بما يمكن تسميته غطاء. يجهل هذا الشاب أي شيء عن أفراد أسرته والمنطقة التي يتحدر منها، لكن ما يتذكره أنه منذ سنوات فتح عينيه على أزقة مركز الدار البيضاء.

تحالف البرد والجوع على هذا الشاب، حتى وهو يحاول الحديث إلينا، كان يجد صعوبة في ذلك، ينبس بكلماته بصوت خافت..يؤكد أن حياة الشارع صعبة، لكنه تأقلم معها بعد قضائه سنوات عديدة متسكعا في شوارع هذه المدينة.

يحكي يونس، وهو يرتجف من البرد، أنه يجد صعوبة في الحصول على ما يسد به رمقه، فقط بعض المحسنين الذين يمنحونه، وباقي الأشخاص الذين يتخذون من الشارع منزلا لهم، ما يتناوله أو ما يلبسه للاحتماء من البرد.

لا يحلم هذا الشاب المجهول، الذي يدعو السلطات المحلية بعمالة آنفا إلى النظر في وضعيته، سوى بمن يعمل على مساعدته ليكون مواطنا مثل باقي المواطنين..يحلم بالتخلص من هذا الوضع، ويتمتع بالاستقرار على غرار من هم في سنه.

غادرنا المكان، تركنا هذا الشاب هناك..وسط المدينة..العديد من الشباب في مقتبل العمر تائهون يبحثون عما يسدون به رمقهم في هذا الليل البارد، بينما آخرون فضلوا افتراش الأرض، والخلود للنوم تحت "الكراجات"، متمنين بزوغ شمس تنسيهم برد هذه الليلة.

السلطات والمنتخبون

أينما حللت وارتحلت بمختلف أحياء الدار البيضاء تلحظ العشرات من المشردين، أطفالا وشبابا ونساء، ممن وجدوا أنفسهم بقدرة قادر متسكعين في الشوارع بدون أكل أو شرب أو مأوى.

بالقرب من مسجد بدر، بحي بوركون، يتخذ العشرات من الشباب والأطفال المشردين من حديقة مأوى لهم. شبان في حالة تخدير..يعتبرون المخدرات الحل الوحيد لنسيان العالم، والتغلب على البرد القارس الذي تعرفه المدينة هذه الأيام.

في كثير من الأحيان، تتحول هذه التجمعات إلى مواجهات وشجارات..بالنسبة إليهم عالم الليل وحياة الشارع مثل حياة الغاب، حيث الغلبة للأقوى.

فاعلون جمعويون يعتبرون أن انتشار هذه الظاهرة بمختلف أحياء العاصمة الاقتصادية تتحمله الحكومة المغربية والسلطات المحلية والمجالس المنتخبة، التي يؤكدون أنها ملزمة بحماية هؤلاء ومساعدتهم على تجاوز هذه الصعوبات وإنقاذهم من هذا الوضع.

موسى سيراج الدين، رئيس جمعية أولاد لمدينة، أكد أن "الأشخاص في وضعية الشارع ينتشرون في نقط معروفة، منها حديقة الجامعة العربية وشارع آنفا، ما جعل هذه الظاهرة بادية للعيان"، لافتا إلى أنه لا يتم تجميعهم إلا في الزيارات الملكية للعاصمة الاقتصادية.

وأوضح الفاعل الجمعوي، في حديثه لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن وضعية هذه الفئة من المواطنين "تتحملها الدولة ممثلة في الحكومة ووزارة التضامن والمجالس المنتخبة"، مشددا على أن "مجلس المدينة يتحدث في برنامجه عما هو اجتماعي، لكن الواقع يشير إلى تكاثر هذه الفئة التي تؤثر على جمالية المدينة، إلى جانب كون تجمعاتها تشكل تهديدا وخطرا على المارة، خاصة بعد نفاد المخدرات التي تستعملها".

ولفت رئيس الجمعية المذكورة، ضمن تصريحه، إلى أن "هذا الوضع يستدعي تدخلا عاجلا للمنتخبين، لأنهم سلطة القرب، ثم تفعيلا للبرنامج الحكومي في ما يتعلق بإيواء هذه الفئة"، مؤكدا أن "بقاء المشردين بهذا الشكل يعرضهم للإصابة بأمراض خطيرة من قبيل السل، ناهيك عن سهولة انتقال الفيروسات في ما بينهم، خاصة في ظل انتشار فيروس "أنفلونزا الخنازير"".

الجماعة تقدم الدعم

نائب عمدة الدار البيضاء، عبد المالك الكحيلي، أكد أن هذه الفئة من المواطنين حاضرة ضمن برنامج عمل الجماعة، إذ أشار إلى أن المجلس خلال إعداده للبرنامج اعتمد على الالتقائية مع المؤسسات ذات الطابع الاجتماعي.

ولفت الكحيلي، في حديثه لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن الجماعة وضعت مشاريع، منها مراكز الاستقبال للمشردين، كما تم وضع مشاريع مع وكالة التنمية الاجتماعية، مؤكدا في الوقت نفسه أن المجلس يخصص دعما كبيرا للجمعيات، تصل قيمته إلى ثلاثة ملايير سنتيم، يخصص جزء منه للمحور الاجتماعي.

وشدد الكحيلي، المكلف بالشؤون الثقافية والرياضية بالمجلس، على أن جماعة الدار البيضاء تقوم بتمويل دار الخير بتيط مليل بما يناهز خمسة ملايين درهم سنويا، كما تقوم بتوجيه رسوم الذبح إلى المؤسسات الخيرية التي توجه إليها الأطفال المشردين من أجل تلقي الدعم.

وأوضح ممثل المجلس الجماعي أن "المقاربة الأحادية في التعاطي مع الظاهرة غير مجدية، والنظرة الأمنية لا تقدم أي نتيجة"، وزاد: "بالتالي نعتقد أن المقاربة الشمولية التي تضم الجانب التوعوي، والتحسيس والإيواء والاستقبال، هي الأساس، وأي كان، سواء الدولة، أو الجمعيات أو المنتخبون، لن يعالج الأمر لوحده".

شوارع البيضاء "منازل" للمشردين

في وقت تحدثت وزيرة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية، بسيمة الحقاوي، قبل أيام بمجلس النواب، عن كون عدد المشردين في شوارع المغرب بلغ 3830 سنة 2018، منهم 241 طفلاً، فإن عددا من الفعاليات الحقوقية والجمعوية ترى أن العدد أكبر من ذلك، على اعتبار أن مدينة الدار البيضاء لوحدها تعرف انتشارا كبيرا لهذه الفئة.

الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014، حسب ما أوردته المندوبية السامية للتخطيط، في مذكرة سابقة لها سنة 2017، أكد أن معظم الأشخاص بدون مأوى، بنسبة 89 في المائة، يعيشون بالوسط الحضري.

المصدر نفسه أكد أن هذه الفئة من الأشخاص بدون مأوى تتمركز بخمس جهات بالمملكة، في مقدمتها جهة الدار البيضاء-سطات، بنسبة 23 في المائة، تليها جهة طنجة-تطوان-الحسيمة بنسبة 14 في المائة، ثم جهة فاس-مكناس بنسبة 12.4 في المائة.

وأوردت مذكرة المندوبية السامية للتخطيط أن عمالات الدار البيضاء سجلت أعلى نسبة من الأشخاص بدون مأوى، إذ بلغت نسبة 15.9 في المائة، متبوعة بعمالة طنجة بنسبة 7.6 في المائة، مشيرة إلى أن المدن الواقعة على محور طنجة-الجديدة تحتضن حوالي ثلث الأشخاص بدون مأوى في المغرب (33 في المائة)، نصفهم تقريبا (15.9 في المائة) يعيشون في العاصمة الاقتصادية.