حياة "الدّرْبْ" في مخيال المغاربة .. وشائج مكانية وعلاقات إنسانية

حياة "الدّرْبْ" في مخيال المغاربة .. وشائج مكانية وعلاقات إنسانية

في كل المحطات الإنسانية، شكّل "الدّرب" أو الحي بتنوّعه البشري، بخيره وشرّه وبخصوصياته المتفرّدة وبحمولته وتقاليده، قيم الخير والاحترام بين الجميع؛ فهو يحمل من الشواهد المكانية الكثير من اندفاعات الحياة وتفصيلاتها، كما يحمل قصصا وتراكمات وأحلاما.

في "الدرب"، ذلك الحيّز المُكمِّل للمدينة، كانت النساء يشكلن أطيافا من الزغاريد وهنّ يمررن بالعروس صوب حمامات البلد، وفي "الدّرب" كان حديث الجارات وكانت تنسج قصص العشق بين صبايا وشبّان الحي، وفيه أيضا تآزرت الأسر ببعضها البعض في الأفراح كما في الأحزان، وفيه تشكلت كل أنواع اللعب الطفولي الممتد حسب الفصول، حيث كانت كل لعبة لها موسمها الخاص، راسمة على وجوه الأطفال ابتسامات لا تنتهي، وكذلك حينما كانوا يتحلقون حول "طاجين" صغير من الطّين، ساهمت فيه كل البيوت بما تيسّر لها، والمسمى "عْشاوةْ"..

وفي "الدرب" كان الصغير يحترم الكبير، عندما يمرّ الشّيخ بلباسه صوب المسجد، أو السائح الذي يلتقط بعينه لمسات الجدران..وفي "الدّرب" أو الحي مرة أخرى يتجلّل الكل بالصّمت والتأثّر أثناء وفاة جار أو قريب، وفيه من جانب آخر تكون مشاهد دالة على أحداث وخفايا النّفس الإنسانية في بساطتها وجبروتها وتفاوتاتها، والقصص التي تقف على الحقيقة وحرائق السؤال، وكذا تقاسيم الوجوه التي تجتمع كأسرة واحدة.. بالإضافة إلى أنه كان قبر البطالة الفسيح..

"الدرب" عنوان الجميع وبوصلة الأمكنة، عندما ينطلق كل إلى سبيله طيلة اليوم أو نصفه، يعود إلى تلك الفسحة المجالية أو محطة الوصول، وفي قلبه تنعس أشجار الكون وتزهر فراشات الحياة. وفي المناسبات الدينية أو في العادات والتقاليد المصاحبة، يصبح الدّرب ورشاً مفتوحاً إلى طلائع اللّيل، لكل النّساء السّاهرات على جعله فضاءً مكتملا بما يحتويه من تفاصيل جمالية مكثّفة..

هو مجرى الحياة والأثر الأبقى وإرث الذّاكرة الذي فتح لنا الأبواب صوب عتمات أخرى، وهو الذي تفتّقت فيه مواهب وأسماء واحتوى علماء وصلحاء، كما ضمّ مدمنين ومشاغبين ومجانين، وعبره انعطفت الشهور والسنوات بالمصائر والتداعيات، في رحلة بحث تتوقّف بك في علاقات "الدّرب" الأسرية وخطوات نهاراته، بعد تنقّلات عديدة، ليعود بك مرة أولى وثانية وعاشرة إلى حيّزك الزّماني الأوّل وكأنّك تولد للتّو، لتسمع نهر الطّفولة صاخباً وبقايا شواخص والكثير من الألفة، وكأنّك تزرع فيه تلك المسافة العابرة من جديد؛ فـ"الدّرب" يصبح في صداقة متكافئة بينك وبينه..وبين مخيالك ومصائر مررت منها، لكنّها لا تفنى...