باحثة تربط "أحداث جرادة" بغياب المسؤولية الاجتماعية للشركات

باحثة تربط "أحداث جرادة" بغياب المسؤولية الاجتماعية للشركات

أعادت احتجاجات جرادة إلى الواجهة عشرات السنين من الإقصاء والتهميش السوسيو-اقتصاديين، حسب ورقة للباحثة كاتيا برادة نشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات، موردة أن وضعية "جرادة" المأساوية تدل على أن غياب المسؤولية الاجتماعية للشركات كإستراتيجية طويلة الأمد قد تؤثر سلبا على حياة الآلاف من الناس.

وتضع الورقة، التي تَلَت مقالا تقديميا لسلسلة من أوراق السياسات حول احتجاجات جرادة بالمغرب، الحكومة في موقع المسؤولية عن تدبير مشاكل المنطقة، نافية معقولية مساءلة شركة تدبير المنجم عن مسؤوليتها الاجتماعية، اليوم، لكونها أوقفت عمليات الاستخراج منذ أكثر من 20 سنة.

وتستدرك الورقة البحثية مذكّرة بأن هناك شركات أخرى تدبِّر المناجم بالمغرب، وتعمل داخل مواقع كبرى تستخرج معادن ذات قيمة، مثل الفوسفاط، والحديد، والزنك، والنحاس، والرصاص؛ ويجب ضمان التزامها الكامل بالتنمية السوسيو-اقتصادية في المجتمعات المحلية المعرضة للخطر، محذرة من أن هناك مناطق منجمية أخرى تعاني من المشاكل نفسها بالمغرب، ولا يلتفت لها الإعلام لكونها هادئة حاليا، "لكن مشاكلها قد تظهر عما قريب".

حركة احتجاجية عفوية

تذكُرُ الورقة التي نشرها موقع المعهد المغربي لتحليل السياسات أن حركة الاحتجاج بجرادة لم يتم التخطيط لها مركزيا، بل ظهرت بشكل عفوي، مطالبة ببدائل اقتصادية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأسعار أكثر معقولية للماء والكهرباء.

وتذكّر الورقة نفسها بأنه رغم إغلاق المنجم بشكل رسمي إلا أن مئات من مواطنين المنطقة لازالوا يخاطرون بحياتهم بشكل يومي على أمل استخراج قليل من الفحم من أجل سد رمقهم، رغم أن المنجم لم تتم صيانته منذ أن تم إغلاقه.

وانطلقت الاحتجاجات بعد وفاة مأساوية للأخوين جدوان والحسين داخل منجم بجرادة سنة 2017، واستمرت بعد وفاة عامل منجمي في فبراير من سنة 2018؛ وهو ما أعاد إلى الواجهة عشرات السنين من التهميش السوسيو- اقتصادي والإقصاء بعد إغلاق منجم فحم كبير كانت تديره شركة "شاربوناج دي ماروك" سنة 1998 بالمنطقة، إذ أصبحت "جرادة" واحدة من أفقر المدن بالمغرب بمعدل بطالة تجاوز 30 بالمائة مقارنة مع المعدل الوطني الذي يبلغ 10 بالمائة، ومعدل فقر تصل نسبته إلى 11 بالمائة ويفوق المستوى الوطني بست نقاط.

غياب المسؤولية الاجتماعية

تدل الحالة التي تعيشها جرادة، حسب الورقة، على أن غياب المسؤولية الاجتماعية للشركات كإستراتيجية طويلة الأمد قد يؤثر سلبا على حياة الآلاف من الناس. وتضيف الورقة البحثية موضّحة أن مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات حديث نوعا ما في المغرب، مستحضرة في هذا السياق ميثاق الاتحاد العام لمقاولات المغرب، الذي حدّد "المسؤولية الاجتماعية للشركات" سنة 2006، وحيَّنَه سنة 2017 "حتى يعكس التطورات والتغيرات التي لحقت مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات بالمغرب"؛ وهو الميثاق الذي يبقى الالتزام به اختياريا ويعدّد قيم ومبادئ المسؤولية الاجتماعية للشركات التي من بينها "احترام حقوق الإنسان، والالتزام بظروف عمل لائقة، وبيئة حامية".

وتؤكد ورقة كاتيا برادة أن على السلطات منح تراخيص الاستخراج من المناجم للشركات التي تؤكد على المسؤولية الاجتماعية؛ كما أن عليها أن تضع الشركات أمام تحدي المساهمة في التنمية المحلية، من أجل أن يؤثر إدخال برامج المسؤولية الاجتماعية للشركات بشكل إيجابي في حياة الساكنة المحلية.

كما يدعو المصدر نفسه إلى التركيز على المقاربة التشاركية عوض "نموذج الجهات المانحة" غير المستدام، والتلاؤم مع مبادئ التنمية المحلية كما هي مسطرة من طرف السلطات المحلية بهدف ضمان معالجة المشاكل ذات الأولوية من طرف الشركات في برامجها المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية، وإدماج الساكنة المحلية في مثل هاته البرامج لضمان الالتزام بحل المشاكل المحلية، مع أخذ الآثار السلبية لإغلاق المناجم بشكل جدي ومحاولة التخفيف منها عن طريق تمرير المهارات، والتعليم، والتكوين، وتقوية الشركات المحلية الصغرى والمتوسطة، "عوض التركيز على سياسة ترقيعية مرحلية".

وتسلط الورقة الضوء على أهمية دعم السلطات المحلية وأصحاب القرار عن طريق تشجيع بيئة محفزة لتنفيذ برامج المسؤولية الاجتماعية، من خلال لعب أدوار إجرائية؛ من قبيل إنشاء أرضيات من أجل تشجيع الشَّراكات بين شَرِكات تدبير المناجم والساكنة المحلية، وضمان مراقبة شفافة لشركات تدبير المناجم من أجل التأكد من تنفيذ برامج المسؤولية الاجتماعية؛ وهو ما يمكن أن يتم عن طريق تدقيقات اجتماعية وبيئية تقوم بها وزارة الطاقة والمعادن، أو مكاتب تدقيق مستقلة مصادق عليها من طرف الدولة.

رد حكومي متذبذب

وصفت الورقة رد الحكومة المغربية على حَرَاك جرادة بـ"المتذبذب"، وحمّلته مسؤولية خلق حالة من انعدام الثقة والارتباك لدى المواطنين؛ بعد قمع السلطات الأمنية الاحتجاجات ونشر وزارة الداخلية بلاغا تؤيد فيه التدخلات الأمنية من أجل ضبط ومنع ما سمتها "التظاهرات غير القانونية".

ولم يكن إعلان سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، في زيارة له إلى المنطقة الشرقية للمملكة، عن مخطط يستجيب لتظلمات الساكنة السوسيو-اقتصادية، المرة الأولى التي قدمت فيها الحكومة وعودا للمنطقة؛ بل ذكّرت الورقة بزمن إغلاق المنجم سنة 1998 الذي وعدت فيه الحكومة بإطلاق تدابير توفّرُ خدمات الصحة والرعاية، والتقاعد النسبي، ورواتب التقاعد لفائدة عمال المنجم المتضررين؛ وهو ما يفسر استمرار انتفاض المحتجين، "لكونهم لا يثقون في وعود الحكومة".

واستحضرت الورقة معاناة مناطق منجمية أخرى بالمغرب من المشاكل نفسها التي تعاني منها "جرادة" دون أن يلتفت إليها الإعلام لكونها هادئة حاليا، واستدركت محذّرة من أن "مشاكلها قد تظهر قريبا"، خاتمة: "هنا تبدو أهمية التركيز على حاجة الشركات المنجمية إلى تطوير إستراتيجية طويلة الأمد حول المسؤولية الاجتماعية للشركات؛ حتى تخفف من الآثار الجانبية السلبية لعملها، وتساهم في التنمية السوسيو-اقتصادية للمجتمعات المحلية".