الشكوك تحوم حول وشوم خديجة .. "قسم الطب" ونفسية الضحية

الشكوك تحوم حول وشوم خديجة .. "قسم الطب" ونفسية الضحية

خلّفت التصريحات الأخيرة لليندا بارادي، الأخصائية في إزالة الوشم والتجميل، حول الأوشام التي عاينتها على جسد المراهقة خديجة، التي تزعم أنها تعرضت للاغتصاب على يد 12 شابا، متهمة إياها بوشم أجزاء كبيرة من جسدها، ردود فعل متباينة، جعلت تعاطي الرأي العام مع القضية يعرف منعطفا آخر غير الذي سارت فيه منذ البداية.

ليندا بارادي قالت، في تصريحات صحافية، إنها قصدت بيت المراهقة خديجة، من أجل مساعدتها على إزالة الرسوم التي جرى وشمها على جسدها، لتفاجأ بأن تلك الأوشام تعود إلى سنة، وليس إلى شهرين كما قالت خديجة، وأن هذه الأخيرة هي التي وشمت يديْها، على حد زعمها. كما عرضت بارادي مقاطع فيديو صوّرتها بهاتفها، تُبرز فيها الأوشام المنقوشة على جسد المراهقة التي تزعم أنها تعرضت للاغتصاب.

وفيما تباينت آراء متابعي هذه القضية بين طرف اعتبر أن تصريحات بارادي "أظهرت الحقيقة" وأنه يجب إعادة النظر في القضية من أولها، وبين من اعتبر أن الأخصائية في إزالة الأوشام لا يحق لها أن تُنصّب نفسها طرفا في القضية وأن تصريحاتها فيها تأثير على القضاء، يظل جانب مهم من هذه القضية لم يُسلَّط عليه الضوء إلى حد الآن، وهو تداعيات التصريحات على نفسية المراهقة خديجة، التي حظيت بتعاطف كبير مِن الرأي العام.

هسبريس وضعت هذه القضية تحت مجهر التحليل النفسي، وسألت جواد مبروكي، الخبير والمحلل النفساني المعروف، الذي تعاطى بحذر كبير مع هذه القضية، قائلا: "للأسف، ليس بإمكاني أن أتحدث مباشرة عن الضحية خديجة احتراما لها ولعائلتها واحتراما لمهنة الطب"، مفضلا الحديث حول نفسية المراهق القاصر في علاقته مع الطبيب، وخصوصا إذا كان المراهق ضحية لاعتداء جنسي.

وأكد مبروكي أنه بغضّ النظر عن القصة الحقيقية لواقعة اغتصاب المراهقة خديجة، فإن هذه الأخيرة تبقى قاصرة وضحية، "ووفق القواعد التي نعمل بها في اختصاصنا، فإننا نأخذ بعين الاعتبار ما يعيشه المراهق من عذاب نفسي وليس القصة في حد ذاتها؛ لأن الطبيب ليس بمفتش الشرطة، ولا يقوم بالتحقيق، كما لا يلعب دور المحامي ولا دور القاضي ولا يصدر منه أي حكم".

وأبرز الطبيب والمحلل النفساني أن من أدوار الطبيب حماية المريض ومساعدته والحرص على الحفاظ على أسراره وعدم تسريبها إلى أي كان، ومهما كانت الأسباب، موضحا "لا يهمنا أبدا ما إن كانت القصة صحيحة أم لا، كل ما يهمنا هو ما يشعر به المراهق، وأن يحس بأن هناك في عالم الكبار من يهتم بما يعاني منه من عذاب، وأن هناك من يشعر بآلامه ويريد مساعدته".

وتابع: "المراهق بصفة عامة لا ثقة له في نفسه، ويفقد الثقة في عالم الكبار، وعلى الطبيب أن يساعده على استرجاع الثقة في نفسه وفي عالم الراشدين من خلال الثقة التي يضعها في الطبيب؛ لأن الطبيب هو الآخر من عالم الراشدين".

حين يتمكّن الطبيب من الوصول إلى هذه النتيجة، أي حين يتمكن في علاقته العلاجية من أن يضع فيه المراهق كل الثقة، يردف مبروكي، فإن المراهق قد يسترجع الثقة في عالم الراشدين، "ويصل إلى إدراك أن كل الراشدين ليسوا سواسية وأن معظم الراشدين هم أهل الثقة".

وذهب الطبيب والمحلل النفساني إلى القول إنّ الطبيب إذا خدع المراهق وحكى مثلا أسراره لوالديه، وعلم بهذا المراهق، فإن ذلك يؤدي إلى عواقب وخيمة، "حيث إننا بهذا الخداع قد نأتي بتدمير المراهق تماما، ويشعر بالاعتداء على حرمته وكرامته مرة أخرى، ومن الممكن أن يكون هذا الخداع سببا لانتحاره".

وفيما لا تزال فصول قضية الطفلة خديجة تحظى باهتمام الرأي العام، وتعرف تطورات متلاحقة، إثر ملاحقة النيابة العامة 12 شخصا يُشتبه تورطهم في اغتصابها، طرحت التصريحات التي أدلت بها ليندا براداي، وبثها مقاطع فيديو التقطتها لمراهقة خديجة، سؤال خرقها للسرّ المهني، الذي يُلزم القانون الأطباء بحفظه.

في هذا الإطار، يقول جواد مبروكي إن سر المهنة الطبية ينطبق حتى على القاصر إلا في بعض الحالات، كأن يكون القاصر يتعرض لاعتداء جنسي أو جسدي، أو إذا كانت له نوايا انتحارية ويشخصها الطبيب، مشددا على أن إفشاء هذا السر يكون لصالح الشرطة أو قاضي القاصرين فقط.

وأردف المتحدث ذاته أنه في حال طلب القاضي من الطبيب أن ينجز خبرة طبية، فإن الجهة الوحيدة التي يجب على الطبيب الخبير أن يمد إليها التقرير هي المحكمة، ويبقى التقرير تحت طابع سر المهنة، مؤكدا "أن المحكمة هي التي تحكم إن كان القاصر ضحية أم لا وليس من اختصاص الطبيب، الذي هو مُلزم، حتى خارج هذه الحالات، باحترام سر المهنة مع القاصر".

وفيما انهالت تعليقات منتقدة للقاصرة خديجة، واتهامات إليها بكونها فبركت قضية تعرضها للاغتصاب، وأنها كذبت على الرأي العام، بعد تصريحات ليندا بارادي، قال جواد مبروكي إن المراهق القاصر حين يتعرض لعلاقة جنسية ولو برضاه مع شخص راشد فإنه يصبح مباشرة ضحية، لأنه قاصر"، وزاد مسترسلا: "كيفما كانت نوعية العلاقة الجنسية عن رضاء أو إكراه فيبقى المراهق دائما ضحية!".

وختم الطبيب والمحلل النفساني بالقول إن الشك في كلام أو ما يحكي المراهق "يجعله يشعر بأننا لا نعترف به كضحية، وهذا أمر خطير، ويمكن أن يكون عاملا في تعقيد آلامه النفسية وتعريضه إلى عده أخطار لا تُحمد عقباها، وأن الاعتراف به كضحية من طرف الطبيب هي مرحلة علاجية أولى ومرحلة أولى لربط علاقة علاجية بين الضحية والطبيب".