أخصائي يعدّد مخاطر الشاشات الإلكترونية على دماغ وإدراك الأطفال

أخصائي يعدّد مخاطر الشاشات الإلكترونية على دماغ وإدراك الأطفال

أشار يوسف اليوبي، وهو باحث في علم النفس الاجتماعي، وأخصائي نفسي حركي بالمستشفى الإقليمي لتازة، إلى أن "الكثير من الآباء يعتقدون أن مشاهدة أبنائهم للتلفاز والشاشات الإلكترونية في سن مبكرة من حياتهم له أثر إيجابي على تعلمهم، بدعوى أن البرامج التلفزية التعليمية والتطبيقات الإلكترونية المخصصة للأطفال تتيح لهم تعلم بعض أساسيات التحصيل ما قبل الدراسي، من تسمية للحروف والأرقام والأحجام والألوان، ما قد يساعدهم، حسب اعتقاد الآباء، على اكتساب معارف أساسية تساعدهم على الاستعداد للحياة المدرسية".

وأضاف المتحدث ذاته أن "ما يقوي الاعتقاد المذكور هو أن هاته الألعاب الإلكترونية والبرامج التلفازية التعليمية تجعل من الطفل شخصا هادئا طوال الوقت، ما يسمح للآباء بالقيام بالواجبات المنزلية دون أدنى إزعاج من فلذات أكبادهم"، مشيرا إلى أن "هذا في الواقع لا يعني شيئا إن كان الطفل لم يكتسب مهارات التكلم بعد، لأن دماغه خلال فترة ما قبل الكلام يربط الصورة بالصوت ويكررها أوتوماتيكيا دون أن يفهم شيئا، فهو يكرر الصوت دون أن يربطه بالكلمة الدالة عليه".

وأكّد اليوبي أن "دماغ الطفل في هاته الفترة من العمر يستفيد من الحركة والألعاب والأنشطة التفاعلية الإبداعية لتطوير دماغه وتشكيله أكثر من أي برنامج إعلامي إلكتروني"، وزاد: "لا يمكن لدماغ الطفل أن ينمو بشكل طبيعي إلا عندما يستفيد الطفل من الحركة والأنشطة التفاعلية الإبداعية، كأن يتلاعب الصغير بالأشياء بيده، فيكتشف اللعبة بفمه، والمحيط الخارجي بتحركاته. إضافة إلى أن الكلام لا يمكن أن يتطور إلا عندما يتفاعل الطفل مع الأشخاص بالنظر إليهم وهم يتوجهون بالكلام إليه".

وضرب يوسف اليوبي مثالا قائلا: "عندما يقوم الطفل بنشاط حسي حركي ما، كأن يرمي الكرة ويتابعها تتدحرج أمام عينيه، أو أن يفتح علبة ليعرف ما بداخلها، فجهازه العصبي يحلل جميع هاته الأنشطة، ويقوم بتكوين المزيد من الروابط العصبية، وهذا شرط أساسي من شروط نمو الدماغ بشكل سليم".

وقال الأخصائي النفسي الحركي إن "الدراسات والأبحاث العلمية المتعددة تشير إلى أن مشاهدة البرامج التلفزيونية من طفل عمره أقل من عامين يعطل النمو الطبيعي الصحيح لعقله، وهذا ينطبق على جميع البرامج التلفزيونية، بما فيها التعليمية"، مضيفا: "في دراسة على 1000 عائلة لأطفال أعمارهم بين 8 شهور وسنة ونصف وسنة، وُجد أن كل ساعة في اليوم يقضيها الطفل في مشاهدة برنامج تعليمي في التلفزيون أدى إلى تعلم من 6 إلى 8 كلمات، أقل من الأطفال الذين يقضون الساعة في أنشطة أخرى؛ إضافة إلى أن بعض الحالات تعرضت لاضطرابات مشابهة لاضطراب التوحد جراء مشاهدتها للتلفاز في سن مبكر ولساعات كثيرة في اليوم".

وقال اليوبي إن "مخاطر الشاشات الإلكترونية والبرامج التلفزية على الأطفال متعددة، لأن قوة إدمان الطفل عليها كبيرة، إذ إنه، وإن كان يقضي وقته في أنشطة أخرى، فإنه يتركها جانبا لينشغل باللعب على الشاشات الإلكترونية ومشاهدة البرامج التلفزية، وقد يبقى منشغلا بها لساعات، ما قد يحد كثيرا من التفاعل بينه وبين محيطه الخارجي، في حين تبقى هاته التفاعلات مهم للنمو اللغوي ولدرجة علاقته مع الأفراد ومع محيطه الخارجي".

إن وضعية لعب الطفل بالتطبيقات الإلكترونية أو مشاهدته للبرامج التعليمية في التلفاز، حسب اليوبي، "هي وضعية غير تفاعلية، تجعل من الطفل متلقيا سلبيا للمعلومة، وهي وضعية لا تساعد الطفل في التعلم على اعتبار أنه لا يتفاعل، فلا يصدر أي استجابة أو يلمس أي شيء أو يتحرك إلى أي مكان"، مضيفا أن "الإشارات الضوئية والأصوات المسترسلة المنبعثة من الشاشات، باعتبارها إشارات غير متوقعه وغير مطمئنة، تولد عند الطفل أحاسيس ومخاوف لا يتحكم فيها، وتؤدي في الكثير من الحالات إلى نوبات عصبية للصغير عندما نحاول إيقافها، لنجد أمامنا طفلا يصرخ، أو يلتف حول الأرض، أو يؤذي نفسه انتقاما من تدخل أبويه".

وعن النصائح المرتبطة بالموضوع، أشار يوسف اليوبي إلى أنه "عندما يتعلق الأمر بطفل يعاني من صعوبات ويشاهد التلفاز كثيرا، يجب قبل كل شيء التقليل من مشاهدة التلفاز تدريجيا إلى أن نقوم بإزالتها من البرنامج اليومي للطفل"، مضيفا أنه "عادة ما يكون الأمر صعبا لأن الأطفال ألفوا مشاهدة التلفاز يوميا لفترة مهمة من الزمن؛ كما أن الآباء غالبا ما تكون لهم رغبة في تمضية قسط من الوقت في مشاهدة الأخبار أو بعض البرامج التلفازية، إضافة إلى أن انقطاع الأطفال عن مشاهدة التلفاز غالبا ما يؤدي إلى أزمات عصبية لأيام قبل أن يبدأ الطفل في الهدوء تدريجيا، ويبدأ في تنظيم أوقات فراغه في اللعب عوض مشاهدة التلفاز، كما يشرع في التفاعل أكثر فأكثر مع محيطه الخارجي، وبالتالي يبدأ النمو الدماغي في اتخاذ مساره الصحيح".

وقال اليوبي إن "مجموعة من الأطفال الذين تم التشخيص على أنهم يحملون أعراضا مشابهة لأعراض التوحد تبدأ تلك الأعراض بالاختفاء شيئا فشيئا بعد مرور أسابيع على تقليص نسبة مشاهدتهم للتلفاز أو اللعب على اللوحات الإلكترونية"، مشدّدا على أن "مساعدة الطفل تبدأ بتغيير سلوك الآباء تجاهه"، وزاد: "يبقى دور الآباء أساسيا في متابعة نمو أطفالهم بشكل طبيعي، فكل تصرف خاطئ منهم قد يكون أحيانا عاملا في ظهور بعض المشاكل المرتبطة بالنمو الطبيعي للطفل".

ومن بين الخطوات التي يجب على الآباء القيام بها، حسب اليوبي، "عدم شراء هاتف نقال أو أي لوحة إلكترونية لطفل لم يتجاوز سن التمدرس، لأن ذلك لن يضيف شيئا، اللهم نوبات صراخ عندما يريد الأب سحبه منه"، وزاد: "هذا وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بعدم السماح بمشاهدة التلفاز أو اللعب على الأجهزة الذكية لجميع الأطفال دون سن الثالثة..وفي مقابل ذلك تستحب قراءة القصص للأطفال بشكل اعتيادي، لأن ذلك ينمي قدراتهم الإبداعية والتخيلية".

وأضاف المتحدث ذاته أنه "يفضل شراء الألعاب اليدوية وألعاب التقليد، كألعاب تقليد مهنة البناء أو الطبيب مثلا؛ كما يجب تجنب الألعاب التي تتكلم عند الضغط على زر بها، والتي تبعد الطفل عن تعلم آلية الكلام عوض أن تساعده على تعلمها"، مردفا: "كما يجب الخروج في نزهة مع الأبناء بشكل اعتيادي، وأن تكون للآباء الجرأة على قول كلمة (لا) لأطفالهم في سن مبكرة من حياتهم، لأن ذلك ينمي فيهم احترام القواعد الاجتماعية".

وأوصى اليوبي بـ"ترك الطفل يتدبر أمره، مع مساعدته عند الفشل، وتشجيعه على إعادة المحاولة"، مستدركا: "لكن لا تقم بالمطلوب مكانه"، مشيرا إلى ضرورة "التكلم مع الطفل كثيرا والحديث معه حول أحاسيسه، مع استعمال لغة الكبار بكلمات واضحة وبسيطة، لأن ذلك يساعده على اكتساب المزيد من الكلمات المتداولة".