"النفق المسدود" يدفع خريجي المعاهد العليا إلى "التعليم بالعقدة"

"النفق المسدود" يدفع خريجي المعاهد العليا إلى "التعليم بالعقدة"

"بعدما تخرجت في المعهد العالي للسياحة سنة 2013، كنت أمنّي النفس بالظفر بوظيفة تنسيني حجم المعاناة والساعات الروتينية الطويلة التي كنت أقضيها وأنا متدربة في إحدى الشركات الخاصة؛ فالحصول على وظيفة في تلك المرحلة كان بمثابة حلم، غير أنني كنت دائما ما أصل إلى النفق المسدود، إلى أن توصلت من عند بعض الأصدقاء بمذكرة وزارية تهم امتحان الأستاذة المتعاقدين وقررت خوض المباراة... والباقي تعرفه...".

لم تجد منال، 24 سنة، غير هذه العبارات لتحكي بمرارة عن حلمها الذي بات يتبدد كلما مضت أكثر في تجارب الحياة؛ إذ لم تسعفها الشواهد التي حصلت عليها طوال خمس سنوات من الدراسة في المعهد العالي للسياحة في الوصول إلى مبتغاها، لتجد نفسها أمام واقع مزرٍ.

هي واحدة من المئات أو ربما الآلاف من الطلبة الحاصلين على الشواهد العليا الذين اختاروا التوجه مُرغمين للاشتغال في قطاع التعليم لسد حاجياتهم التي لا تنتهي إلا بانتهاء كابوس "البطالة". هم مهندسون وممرضون وتقنيون، شدّوا الرحال إلى قرى بعيدة ليصبحوا "أساتذة" بدون سابق تخطيط.

بثينة، 25 سنة، خريجة معهد التمريض، تشتغل في إحدى الفرعيات المدرسية التابعة لإقليم تاونات، قالت في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية: "حصلت على دبلوم في مجال الترويض الطبي سنة 2015، واشتغلت بعد ذلك في عدد من المؤسسات الخاصة ما بين مدينتي طنجة والدار البيضاء، قبل أن يستقر بي الحال بقرية غفساي التي تبعد عن مدينة تاونات بحوالي 30 كلم، كإطار تربوي، حيث أزاول مهمتي منذ أكثر من سنة".

بدوره، حكى عبد الله، 26 سنة، خريج المعهد الوطني للتجارة والتسيير بالقنيطرة، عما خلّفته سنوات "العطالة" من آثار سلبية على نفسيته وعلى محيطه العائلي، قائلا لهسبريس: "كنت جد متحمس بعد حصولي على ديبلوم المعهد وكنت أعتقد أنه سيفتح لي أبواب كثيرة نحو سوق الشغل؛ غير أني اصطدمت بواقع مغاير، فجل المؤسسات تتطلب خبرة تفوق 10 سنوات وهذا شيء يفوق طاقتي؛ ما جعلني في آخر المطاف أدق باب التعليم حتى أفلت بجلدي من ويلات البطالة".

حل أزمة بأزمة

لحسن مادي، أستاذ للتعليم العالي متخصص في مجال التربية ومحاربة الأمية، قال في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية إن "تشغيل خريجي المعاهد العليا بهذه الصيغة سيطرح في قادم الأيام مشاكل عديدة؛ فلأول مرة نشهد هذه الظاهرة في مجال التعليم بالمغرب"، موضحا أن التدريس "يتطلب تكوينات نظرية وتطبيقية، ولا يمكن ربط هذا الإجراء (التشغيل بالعقدة في التعليم) بمبرر إيجاد حل لأزمة الشباب الحاصلين على الشواهد العليا العاطلين عن العمل".

"لا أحمّل مسؤولية هذا الوضع لهؤلاء الأساتذة المتعاقدين، وإنما للحكومة التي لم تفكر بشكل جدي في مصير المدرسة العمومية وفي مستقبل الأجيال القادمة"، يشرح الخبير الدولي في التربية وجهة نظره قبل أن يشير إلى أن "التعليم يختلف عن باقي القطاعات التي تعتمد على التشغيل المفتوح ونظام الكونطرا؛ إذ إن هناك شروطا تحكم المهنة، من بينها إتقان الجانب البيداغوجي المرتبط بالمهارات الضرورية لتمرير هذه المعرفة، والتعامل مع التلاميذ بطريقة مهنية، وضبط التخصص المطلوب".

وشدّد مادي في تصريحه على أن "توظيف هؤلاء الأساتذة بهذه الطريقة يضرب عرض الحائط الجانب المهني والتكويني والبيداغوجي لممارسة هذه المهنة".

من المسؤول؟

من جهته، قال عبد العالي الرامي، خبير في مجال التعليم والتربية: "لا يمكن القبول بهذا الحل الترقيعي بغض النظر عن واقع الطلبة المتخرجين في المعاهد العليا، وبغض النظر عن إكراهاتهم والظروف التي يعيشونها بعد التخرج من بطالة وقلة مناصب الشغل"، داعيا في هذا الصدد "الحكومة إلى إعادة النظر في الموضوع، وفتح المباراة للتوظيف وتأهيل الخريجين، لأن قطاع التربية والتعليم يحتاج إلى أطر كفؤة وليس إلى سد الخصاص"، على حد تعبيره.

وحمّل الرامي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، المسؤولية للوزارة المكلفة بقطاع التربية والتعليم "لأنها خضعت لإملاءات البنك الدولي من خلال التخفيف من أعباء الميزانية العامة وسحب الخبراء"، مشيرا إلى أن "قطاع التربية الوطنية يحتاج إلى أطر مكونة، ويجب عدم المخاطرة بمستقبل الأجيال القادمة، لأن الأساتذة المتعاقدين يشتغلون في ظروف قاهرة، مع عدم وجود راحة نفسية لديهم لأنهم يكونون تحت رحمة الإدارة".

رئيس الرابطة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية‎ شدّد، في تصريحه، على أن "أساتذة الكونطرا في غالب الأحيان يشتغلون في مرحلة تجريبية، ويمكن أن يصبح الضحية في هذه الحالة هو التلميذ"، ولم ينف المتحدث ذاته "وجود أطر جيدة بشهادة أولياء أمور التلاميذ والمفتشين"، مؤكدا على "ضرورة سن سياسة للتعاقد تكون مرحلية بالنسبة لهؤلاء الأطر في أفق التعيين الدائم"، بتعبيره.

*صحافي متدرب