مسامرات "راس الدرب" .. راحة عند الشّبان وإزعاج للسكان والجيران

مسامرات "راس الدرب" .. راحة عند الشّبان وإزعاج للسكان والجيران

تمر أحياناً بجانب عمود كهرباء، في حي شعبي، فتجده مُلطخا بزيت المحركات المستعمل..وهناك من يبلل عتبة منزله بالماء أو يضع فيها أي شيء. تعددت الطرق و"المتاريس"، إلا أن الهدف واحد لا يتحقق دائما، وهو منع الشبان من الجلوس لفترة تمتد أحيانا إلى الساعات الأولى من الصباح في "رأس الدرب"، أو أمام أبواب المنازل، والصراخ بصوت عال، أو التدخين وشرب الكحول، وتلطيخ المكان بالأزبال والبصاق والبول...

لكن ذلك يبقى بلا جدوى، فالماء يجف بسرعة، و"الزيت المحروڭ" يزول مفعوله مع الوقت، ولا يتبقى منه سوى ذلك الأثر السلبي على الأعمدة والحيطان، ويعود الشبان للجلوس في مكانهم المفضل للدردشة والتدخين حتى آخر الليل.

غياب البديل

هناك من يعزو هذه الظاهرة إلى غياب أماكن لقضاء وقت الفراغ، مثل غياب دور الشباب والملاعب وفضاءَات الترفيه، وهناك من يعتبر ذلك مبررا واهيا، لأن الشبان لا يقصدون هذه الفضاءَات رغم توفرها؛ فهناك خزانات بلدية لا يلجها أحد، غير الذين يشتغلون بها وبعض الطلبة. ورغم أن المقاهي متوفرة بكثرة في كل الأحياء المغربية، وتعج دائما بالزبناء، إلا أن هناك دائما من يفضل الجلوس في "راس الدرب"، أو أمام أبواب ومحلات الغير، لساعات طويلة.

صراخ وسباب

نقاط كثيرة يرتادها الشبان في كل حي، تختلف حسب الغاية، فمن يختار مكانا مضيئا قرب عمود كهرباء، ومن يختار مكانا مظلما يضمن "الستر" لتدخين المخدرات أو شرب بعض "الماحيا"؛ وحدهم المتضررون من هذه الفئة لا يملكون حلا، ويتجنبون أي خلاف مع "ولاد الدرب"، تفاديا لأي مشاكل.

يمتد السهر في "راس الدرب" إلى ساعات متأخرة، ويتطور أحيانا في حضور الممنوعات إلى عراك وتبادل شتائم وكلام ناب، وإيقاظ للنائمين من الأطفال والمتمدرسين، لكن لا أحد يمكنه أن يتدخل، في غياب تام للسلطات. ففي كل حي وزقاق، من الأحياء الشعبية، هناك ذلك الركن الذين يمتلكه "أولاد الدرب"، ويسهرون فيه وتنطلق فيه عراكاتهم الليلية التي تتجدد كل يوم.

ظاهرة شعبية

يرى الدكتور جواد مبروكي، المحلل النفساني، أن هذه الظاهرة توجد فقط في الأحياء الشعبية؛ "حيث العائلة كبيرة والمنزل صغير جدا، ولا يتوفر كل طفل على غرفته الخاصة، ويجب على الشاب أن يبقى في بيت "الجْلاسْ أو الأكل" مع كل العائلة بينما هو بحاجة ليجد نفسه وحده، وهذا من المستحيل في هذه الظروف السكنية. أما إذا كانت زيارة نساء من الجيران أو العائلة فسوف لا يكون من الطبيعي في الثقافة الشعبية أن يبقى الشاب وسط النساء، فلهذا هو مرغم على الخروج من البيت".

وقت فراغ

ويعزو مبروكي، في تصريحات لهسبريس الإلكترونية، أسباب هذه الظاهرة من الناحية السوسيو تربوية إلى أن "الشباب يتوفرون على الكثير من الوقت بدون إمكانيات وطرق لاستثماره، مع غياب ثقافة قراءة الكتب، وغياب المكتبات البلدية في الأحياء، وغياب دور الثقافة وقاعات الرياضة وملاعب كرة القدم وكرة السلة مثلا"، مضيفا: "لو كانت هذه الإمكانيات متوفرة لما رأينا شبابا في راس الدرب".

ويزيد الطبيب النفساني ذاته: "في ثقافتنا هناك اختلاف شديد في التربية بين الذكر والأنثى، التي لا تملك حرية الخروج من البيت بدون مبرر، في حين يترك الذكر يخرج حيث شاء. يسمع الذكر الخطاب التالي: واشْ نْتا امْرأة باشْ تْبْقى في الدار مع العْيالات؟ كما تسمع الأنثى "هَديكْ دايْرا كِ الرجل دِيما في الزّْناقي"؛ فيتشبع الطفل بهذه الثقافة وينتجها لما يصبح مراهقا وشابا".

ويضيف مبروكي أن "الأقران يستهزئون من الذكر الذي لا يخرج إلى "راس الدرب"، وينعتونه بِـ"أنْتَ هِي حْتّايَة دِيما في الدار"، لأن "الرجل هُوَ لي كَيخْرجْ لزْنقة"، فتتم إعادة نموذج الأب: الأب يقضي كل وقته خارج المنزل، بين العمل والمقاهي، ويعتبر هذا أمرا طبيعيا".

متنفس جماعي

ويستطرد جواد مبروكي متحدثا عن "راس الدرب" بأن "الشباب يعيشون كلهم نفس الظروف المؤلمة، ونفس الحرمان، ونفس الإحباط، وهم بحاجة إلى متنفس، وإلى تكوين مجموعة لتقاسم نفس الإحساسات، وهذا التجمع في "راس الدرب" في هذه الظروف يصبح ضروريا وعلاجا نفسانيا جماعيا، وهو أمر إيجابي"، وزاد: "راس الدرب يتحول إلى خلية إنصات حيث تكون الديمومة ليلا ونهارا".

ويوضح المتحدث نفسه أنه كلما خرج شاب إلى "راس الدرب" يجد شابا أو شابين على الأقل؛ "وهكذا تتغير المجموعة بانتظام، كأنهم وضعوا برنامجا للديمومة"، وزاد: "راس الدرب يلعب دور "مجموعة دعم" أو "المعالجة الجماعية"؛ فكلما أصيب شاب بملل أو قلق يخرج إلى الدرب ليلتحق بالمجموعة قصد إفراغ الضغوطات الداخلية".

"كما أن "راس الدرب" يمنح فرصة للشباب للضحك والتسلية والاستمتاع، ومكان لطرح أسئلة كثيرة تخص مرحلتهم العمرية ولا يجدون فضاء آخر لطرحها"، يختم مبروكي.