البحث العلمي في المغرب .. أزمة تتوارثها الحكومات منذ الاستقلال

البحث العلمي في المغرب .. أزمة تتوارثها الحكومات منذ الاستقلال

تحتل الجامعات المغربية مراكز متأخرة في مختلف التصنيفات الدولية، بسبب الأزمة التي يعانيها قطاع البحث العلمي منذ عقود، باعتباره قاطرة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا تمثل النفقات الداخلية المرصودة للبحث والتنمية سوى 0.73 في المائة من الناتج الداخلي الخام، بينما يصل المتوسط العالمي في الدول الأوربية إلى 2 في المائة على العموم، علما أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين قد أوصى بأن تصل هذه النسبة إلى واحد في المائة سنة 2000.

وأكد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، في الدراسة التي أصدرها مطلع السنة الجارية بعنوان "تقييم سلك الدكتوراه لتشجيع البحث والمعرفة"، أن "المنظومة الوطنية للبحث لم تصل إلى مستوى النضج بعد، على الرغم من إسهاماتها وإنجازاتها، الشيء الذي كان له تأثير على طلبة دراسات الدكتوراه، فهو ما يزال في طور الاغتناء والتغير وإعادة التنظيم باستمرار".

إفراغ الجامعة من التكوينات المُمَهْنَنَة

في هذا الصدد، قال جمال الصباني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي، إن "الوضعية الحالية نتاج للسياسات الحكومية المتعاقبة منذ ستينات القرن الماضي، حيث عملت حكومة عبد الله إبراهيم على استكمال استقلال البلاد، من خلال إنشاء أول جامعة عصرية سنة 1959 شكّلت اللبنة الأولى للبحث العلمي، تُسند إليها مهمة تكوين الأطر المغربية، وبذلك كانت جامعة محمد الخامس متعددة التخصصات وموحدة المعايير، فقد كان التسجيل فيها مفتوحا أمام جميع التلاميذ الحاصلين على شهادة البكالوريا".

ويُرجع الصباني أصل المشكل إلى سبعينيات القرن الماضي، بعدما عملت القطاعات الحكومية إلى إنشاء مؤسسات تابعة لها من أجل تكوين أطرها الخاصة، مبرزا أن الجامعة أفرغت من جميع التكوينات المُمَهْنَنَة والتقنية، باستثناء تخصص الطب، وأصبحت بذلك توفر التكوينات الأساسية فقط، موضحا أن القانون لم يُخول للمؤسسات غير التابعة للجامعة القيام بالبحث العلمي إلى حدود التسعينيات.

إنشاء مؤسسات للبحث العلمي خارج الجامعة

"أصبحت المؤسسات التابعة للقطاعات الوزارية ذات استقطاب محدود، بينما كليات الجامعة ذات استقطاب مفتوح، لتؤدي هذه الازدواجية إلى تضخم أعداد الطلاب في الجامعة الذين تُقدر أعدادهم بالآلاف. وفي ظل محدودية الإمكانات والعدد الكبير للطلبة، صار الأساتذة منشغلين بالأمور البيداغوجية فقط، وهي سياسة أدت إلى ضعف الإنتاج العلمي، رغم أن الأساتذة يقومون بتضحيات جبّارة ومجهودات كبيرة في سبيل البحث الأكاديمي، بغض النظر عن الإكراهات الموجودة بالجامعة"، يضيف الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي.

وأشار التقرير، الذي أعده المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الذي يرأسه عمر عزيمان، إلى مواطن الضعف الرئيسية لقطاع البحث، وتتمثل في غياب جهاز سلطة لتنسيق السياسات والبرامج القطاعية في مجال البحث العلمي والابتكار وتنمية التكنولوجيا، ثم انعدام سياسة واضحة ومعلنة في مجال البحث بهدف توضيح الرؤية على المديين المتوسط والبعيد، فضلا عن تعقيد تدبير الميزانية وبطؤه، وكذلك إنشاء أعداد متزايدة من المؤسسات للبحث خارج الحرم الجامعي وتشتيتها جغرافيا، وغياب التشجيعات لفائدة المقاولة من أجل البحث والتنمية والابتكار، إلى جانب عدم وجود التقييم المستمر والمتكرر لمنظومة البحث.

انعدام التحفيز لفائدة الأساتذة ومقاولات البحث

شدد الصباني، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على أن "مهن التدريس أسندت بدورها إلى المدارس العليا للأساتذة والمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين؛ وهو ما جعل البحث العلمي داخل الجامعات مجرد ترف، لأن الدولة اهتمت منذ البداية بالمؤسسات غير التابعة للجامعة"، مشيرا إلى أن الحكومة عمّمت البحث العلمي على هذه المؤسسات في فترة لاحقة، "لكن تاريخها وطبيعة التكوينات التي يتلقاها الطلبة لم تسهم في نجاح هذه الخطوة، لأن الطالب يدرك أنه سيتم توظيفه بمجرد حصوله على الدبلوم، لذلك فإنه لا يعير أي اهتمام للبحث".

ودعا المتحدث ذاته إلى توحيد قطاع التعليم العالي في إطار جامعة موحدة المعايير ومتعددة التخصصات، حتى تكون هنالك جسور بين مختلف المؤسسات فيما يخص البحث العلمي، مستغربا قلة الإمكانات المالية والضغط البيداغوجي على الأساتذة، معتبرا إياها إكراهات تعرقل مسار تطوير البحث العلمي، مشيرا إلى أن جميع طلاب الجامعات يسعون إلى قبولهم بالمؤسسات ذات الاستقطاب المحدود.

وأكد الصباني أن العامل الثاني يكمن في الموارد البشرية؛ قائلا: "نلاحظ ضعف مباريات توظيف الأساتذة الشباب، في مقابل تزايد الأساتذة الذين يحالون على التقاعد، ثم قلة الإمكانات المالية "، داعيا إلى تحفيز الأساتذة عبر حذف الضريبة على البحث العلمي.