"بومباي" المغربية .. مدينة عصرية تأوي "جحورا" و"أقفاص إسمنتية"

"بومباي" المغربية .. مدينة عصرية تأوي "جحورا" و"أقفاص إسمنتية"

يوما بعد آخر تتلاشى الأحلام في أن تصبح الدار البيضاء نسخة من برشلونة الإسبانية، فقد أضحت العاصمة الاقتصادية أقرب شبها بـ"بومباي" بتناقضاتها الصارخة.

ولأن المدينة حبلى بالمشاكل، فإن النسيان يلتهم منازل تستعد للانقضاض على قاطنيها بين الفينة والأخرى، إذ وفق وثيقة حصلت عليها "هسبريس"، تتربص بالمدينة "مآس" موقوفة التنفيذ لحين غير مسمى.

مدينة التناقضات

الأرقام المتوفرة تتعلق بدراسة أنجزتها لجنة مختصة بدار الخدمات في الدار البيضاء، وتفيد بأن ما يربو عن 72 ألف أسرة بيضاوية تأوي إلى منازل لا تصلح للسكن في شيء، على أن نسبة 90 في المائة من هذه الأسر تتحدر من مقاطعات آنفا ودرب السلطان ثم الحي المحمدي، فضلا عن ذلك، هناك حوالي 200 ألف أسرة بالمدينة تقطن في سكن غير لائق، ويتكون هذا السكن من أحياء الصفيح التي تأوي نحو 48 ألف أسرة، بنسبة 24 في المائة، فيما يناهز عدد الأسر القاطنة في سكن غير قانوني 80 ألف أسرة.

مصطفى رهين، المستشار الجماعي بمجلس الدار البيضاء، جزم لـ"هسبريس" قائلا إن "مشكل مدينة الدار البيضاء في مجال التعمير مشكل قديم جديد، وله عدة تشعبات" مشيرا إلى أن "هذه المدينة ومنذ تشكيل أول مجلس منتخب بها في الثمانينات لم يخطر ببال أحد أن يسطر لها مخطط تعميري يليق بحجمها وبتاريخها".

وألمح المعارض المشاكس في المجلس الجماعي المشكل من 147 مستشارا، إلى أن المجالس المتعاقبة على تسيير المدينة كانت تحركها هواجس انتخابية، بينما السلطات كانت تراعي هواجس أمنية، إذ هي التي كانت تنجز مخططات التقسيم الإداري والجغرافي للمدينة و"الدليل" وفق رهين، هو "استثناء الوكالة الحضرية للدار البيضاء من التبعية لوزارة السكنى وإلحاقها بالداخلية".

وكما أن الدار البيضاء تنعت بـ"قاطرة" مغرب القرن الواحد والعشرين، إلا أنها مازالت تجتر ذكريات أليمة ترجمتها انهيارات طالت دورا ظلت تقاوم الزمن لسنوات طويلة، قبل أن تستوي أرضا وتصبح ترابا متراكما.

هذا السيناريو لطالما تكرر بصيغ درامية في المدينة القديمة خلال السنتين الأخيرتين، حيث أن انهيارات متتالية لمنازل قديمة فيما يعتبر مهد العاصمة الاقتصادية أسفرت عن وفيات وجرحى وأفرزت لاجئين في مآو مؤقتة.

سراج الدين موسى، الكاتب العام لفيدرالية جمعيات المدينة القديمة، أفاد متحدثا إلى "هسبريس" بأن قدر الدار البيضاء مرهون بـ"حلول ترقيعية" تفسد أكثر مما تصلح، على حد تعبيره، قبل أن يشير إلى أن ما كان يعتبر مهدا للحاضرة الاقتصادية أضحى "كعب أخيل" يجعلها تسقط في هوى سياسات هدفها التحكم في ناخبين يأوون إلى المنازل الآيلة للانهيار.

وساق المتحدث إلى "هسبريس" مثالا عن مشروع إعادة تهيئة المدينة القديمة، مؤكدا بأن الأخير الذي رصد له غلاف مالي يقدر بـ30 مليار سنتيم، لم يراع غير الجانب الجمالي في مهد الدار البيضاء، دون أن يهدف تجنب فواجع لا تبقي أرواحا تأوي منازل مهترئة ولا تذر أملا في تغيير وضع أصبح معتادا.

لكن عبد الرحيم الوطاس، نائب عمدة المدينة المكلف بالتعمير، نفى أن يكون المجلس الجماعي مسؤولا عن المنازل الآيلة للانهيار، مشيرا إلى خلو الميثاق الجماعي من بنود تفيد بذلك، وقال إن المجلس يلعب دور منسق ومكمل مع وزارة الإسكان والتعمير لإيجاد حلول مثلى تفي بتغيير المنظر المورفلوجي لمدينة تغيرت كثيرا منذ سنة 2003.

المتحدث مع " هسبريس" قال أيضا إنه "لا يجب إغفال بعض المنجزات عن الذكر، وقد تم إعادة إسكان ما يزيد عن 50 ألف نسمة في منازل تحترم كرامة هؤلاء، وذلك في برنامج انطلق منذ عام 2004.

وزاد الوطاس، بأن المطلوب هو أن تولي وزارة الإسكان والتعمير أهمية للدار البيضاء باعتبارها قطبا ينعكس تغييره إيجابا على مختلف مناطق المملكة.

وفيما لم تتوصل "هسبريس" بجواب من مندوبية وزارة الإسكان والتعمير في الدار البيضاء بعدما ظل الهاتف يرن دون مجيب، فإن مصادر تقنية طلبت عدم كشف اسمها أفادت بأن "مسؤولي المدينة تعودوا على اعتماد حلول هي في الحقيقة ليست سوى ردود أفعال عن حوادث مماثلة سجلت في المدينة، وذلك في محاولة لمعالجة واقع مفضوح، بدل اعتماد مقاربة وقائية تهدف الذود عن تاريخ المدينة، مشيرا إلى أن دراسة أجريت أخيرا تفيد بأنه لمعالجة الأزمة السكنية بمختلف أبعادها المرتبطة بالسكن الاجتماعي أو العشوائي أو الآيلة للسقوط تقتضي 10 سنوات من العمل، وما يناهز 75 مليار درهم، فضلا عن 18 ألف هكتار من الأراضي.

عشوائيات الدار البيضاء

بالرجوع إلى تاريخ أكبر مدينة في المملكة، فإنها قد تطورت ابتداء من المدينة القديمة، مع تشييد أول حوض لميناء المدينة في 1920، فيما يعتبر العالم والمهندس الحضري "هنري بروست" هو المنجز لمخططات التوسعات الأولى للمدينة خلال السنوات الممتدة بين 1917 و1920.

لكن الأيام الجميلة ولت، دون رجعة، فما كان زينة للمدينة أصبح عصا في عجلة التقدم، إذ والزمن القرن الواحد والعشرين، تحولت الدور الواطئة كما صممت قبلا إلى عمارات عشوائية، تسمو سنة بعد أخرى نحو الأعلى دون مراعاة لضوابط هندسية.

مخالفة ما هو مخطط لمنطقة المدينة القديمة، تكررت غير ما مرة في مناطق عدة وأحياء منتشرة في الدار البيضاء مثل درب السلطان والحي المحمدي وعين الشق وسائر أمثالها من الأحياء القديمة، وهو ما نجم عن تقاعس في فرض رقابات قبلية على هذه البنايات التي أضحت مشوهة.

"أمام هذا الموروث القديم نجد أن مجلس المدينة ليس له أي مخطط أو برنامج فعلي للتدخل من أجل حل مشكل الفوضى القائمة في مجال التعمير"، أكد رهين قبل أن يسترسل متسائلا بخصوص المنازل الآيلة للسقوط، "كيف للمنتخب الذي كان سببا مباشرا في هذه الكارثة أن يعالجها؟ قبل أن يجيب مستنكرا "إن لم يكن خلق أحياء عشوائية في المدينة يتعلق بتواطؤ جلي بين السلطات المحلية والمنتخبين، فمن سمح لسكان المدينة القديمة ببناء طوابق فوق بيوت من تراب؟".

ووفق الدراسة التي أنجزت من طرف لجن مختصة، بدار الخدمات في العاصمة الاقتصادية، فإن عدد الدور الآيلة للسقوط في تراب مدينة الدار البيضاء يبلغ حوالي 2870 بناية، وأكبر نسبة توجد في عمالات مقاطعات الفداء -مرس السلطان بـ1874 بناية، بنسبة 65 في المائة، و905 في عمالات مقاطعات الدار البيضاء –أنفا، بنسبة 32 في المائة، فيما تصل عدد البنايات المهددة بالسقوط في عمالات مقاطعات عين السبع -الحي المحمدي إلى91 بناية، التقرير نفسه يكشف أن الدور الآيلة للسقوط المصادَق عليها في مقاطعة مرس السلطان تصل إلى 551 بناية، فيما يصل عدد البنايات التي هي في حاجة إلى الترميم والتقوية إلى 636 بناية، أما عدد البنايات التي تحتاج إلى إجراء خبرة فيصل إلى 224 بناية، أما على صعيد مقاطعة الفداء، فإن الدور الآيلة للسقوط، والتي صدرت في حقها قرارات، يصل عددها إلى 593، فيما توجد حوالي 828 بناية في مقاطعة الفداء في حاجة إلى الترميم أو التقوية.

إلى ذلك، فإن تراب عمالة مقاطعات مرس السلطان -الفداء يضم 10 أحياء تُصنَّف ضمن الأحياء المتلاشية وتضم هذه الأحياء، التي توجد 7 منها في مقاطعة مرس السلطان و3 في مقاطعة الفداء، 38 ألف أسرة، أي ما يناهز 50 في المائة من السكان، أما على صعيد عمالة مقاطعات الدار البيضاء –آنفا، فإن قرارات الدور الآيلة للسقوط والمصادَق عليها تخص 492 بناية، منها 480 في مقاطعة سيدي بليوط و3 في آنفا و9 في المعاريف، فيما سجلت اللجنة أن البنايات التي هي في حاجة إلى الترميم أو التقوية، تناهز 100 في سيدي بليوط و16 في آنفا و35 في المعاريف... وتهم البنايات الآيلة للسقوط على صعيد عمالة مقاطعات عين السبع -الحي المحمدي إلى 13 بناية في مقاطعة الصخور السوداء و12 في عين السبع و66 في الحي المحمدي.

التقرير يرصد أيضا بعض الأسباب التي تحول دون التخلص من هذه المعضلة.

في المقابل، يرصد التقرير بأن أغلب البنايات الآيلة للسقوط، تتموقع على تراب عمالة مقاطعات الفداء درب السلطان، متبوعة بعمالة مقاطعة آنفا ثم عمالة مقاطعات الحي المحمدي عين السبع، بينما يعدد بعض الأسباب التي تحول دون التخلص من ثقل كبير يجثم على المدينة، والتي تتعدد حسب من يتحملون مسؤولية هذا الملف، بين رفض صاحب الملك أو رفض السكان (المكترين) أو عدم توفر الإمكانيات المالية والتقنية اللازمة لتنفيذ تلك العمليات، مما يُبقي الخطر قائما باستمرار، حيث يُسجَّل ارتفاع في الكثافة السكانية في تلك المناطق، والتي تتراوح ما بين 200 و2000 نسمة في كل هكتار مربع.

لكن على من تقع مسؤولية عدم التخلص من هكذا مشكل يؤرق الدار البيضاء؟

مصطفى رهين، الرجل الذي خبر خبايا ما يروج في المجلس الجماعي وما يربط الأخير بالسلطات الوصية قال إن "المسؤولية تتقاذفها جهات عدة، ولقد ضاعت بين مجلس المدينة والوكالة الحضرية ووزارة السكنى، كل يرمي بها على كاهل الآخر"، قبل أن يستطرد "إني أعتبرهم مسؤولين بدرجات متفاوتة.. فالجماعة من صميم اختصاصها تنظيم السكن والتعمير بالمدينة وتقديم الخدمات للمواطنين.. لكن فاقد الشيء لا يعطيه"، قبل أن يشير إلى أن "المدينة اليوم هي فريسة بيد اللوبي العقاري الذي لم يترك أرضا صغيرة أو كبيرة إلا وأحصاها.. و كلما احتج الناس وطالبوا بسكن لائق إلا وجرت مواجهتهم بمبرر عدم وجود الأرض الكافية لذلك.. في حين نرى أراضي الدولة توزع و بالمجان على المؤسسات الكبرى، وعلى النافدين لإقامة المشاريع الكمالية في مدينة تئن من وطأة الفقر"، واستنكر المتحدث إلى "هسبريس" "ماذا ينتظر من مسؤولين لم يستطيعوا منذ سنين إخراج تصميم تهيئة لأكبر مدينة في المغرب، بل مازالوا يوزعون رخص الاستثنائية على البعض ضدا على جمالية المدينة ومصالح سكانها ومقابل ماذا؟".

وحسب رهين، فإن المشكل الذي تتخبط فيه الدار البيضاء يتجاوزها بكثير، لأن الأحزاب السياسية التي تخوض غمار الانتخابات الجماعية في المدينة تبخل على العاصمة الاقتصادية بمنتخبين قادرين على فعل شيء إزاء هذا الواقع المزري.

لكن ما هو الحل المقترح في المقابل؟

الجواب على لسان مصطفى رهين جاء كالآتي "أظن أن البديل هو خلق مدن صغيرة محيطة بالمدينة قد تستهوي الناس، لتخفيف الضغط على المركز حتى يمكن إعادة تهيئته، وأن أهم شيء في الموضوع هو الرهان على أناس جدد لتسيير المدينة مستقبلا، يؤمنون بأنهم يدبرون أمور البشر والآدميين، ويؤمنون بأن مصالح الناس أقدس من مصالحهم ومصالح أحفادهم".