وسط جَماعَة "زُومِي".. عَاصمة إنتاج الحشيش بإقليـم وزَّان

وسط جَماعَة "زُومِي".. عَاصمة إنتاج الحشيش بإقليـم وزَّان

عند مقدمة الشريط الجنوبي لجبال الريف المغربي، انعرجت بنا السيارة الرباعية الدفع التي كانت تقلنا إلى عمق طريق متربة غير صالحة للسير فيها بأكثر من 30 كيلومترا في الساعة.

بعد قطعنا لمسافة ليست بالقصير وسط منعرجات ملتوية، بدأت الصورة المحيطة بنا تتغير. نظرات حذرة لبعض سكان الدواوير التي كنا نمر بها. سيارات مهترئة بمحركات قوية بدون ترقيم في كثير من الأحياء تمر على عجل من قربنا. دواب كثيرة تسير على حاشية الطريق تستعمل في نقل "البضائع" على المنعرجات الصعبة. بيوت مصممة لتلائم خصوصيات المنطقة وقساوة الطبيعة فيها، ومسجد قديم كان يذكر فيه اسم الله قبل أن ينهار جزء كبير منه.. باختصار مرحبا بكم في جماعة "زومي" عاصمة الحشيش بإقليم وزان.

لنصل إلى جماعة "زومي" التي تعتبر القلب النابض لزراعة الحشيش بإقليم وزان، كان علينا أن نأخذ طريقا صعبا على بعد ثماني كيلومترات من جماعة "جرف الملحة" التابعة ترابيا لإقليم سيدي قاسم، لندخل إلى تراب إقليم وزان، ونمر على العديد من الدواوير التي يعيش سكانها في عزلة شبه تامة عن المغرب "النافع".

ملامح الفقر والتهميش كانت بادية على حياة السكان في دواوير كثيرة مررنا عليها في طريقنا إلى جماعة "زومي". دوار "العتامنة" و"سيدي الصوفي" و"المَسْكر" و"عين صافي" وجماعة "سيدي رضوان"، كلها مناطق لم تصل إليها أموال "التنمية البشرية" أو المبالغ الضخمة التي خصصت لتنمية الشمال عبر وكالة أنشئت للغرض نفسه.

على مدخل دوار "المسْكر" نبّهنا مرافقنا أن هناك العشرات من الهكتارات التابعة للأوقاف تزرع بالحشيش تكتريها وزارة أحمد التوفيق لبعض مستغلي هذه الأراضي الذي يزرعونها بـ "الذهب الأخضر" الذي يذر على أصحابه ملايير السنتيمات سنويا بعد تصديره نحو أوروبا من اجل الاستهلاك.

سياق هذا الحديث جاء بعد الضجة التي أثارها البرلماني ورئيس المجلس الإقليمي لوزان العربي حرشي ضمن حوار خاص مع "هسبريس" أكد فيه أن هناك أكثر من ألف هكتار تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تزرع بالحشيش بإقليم وزان.

المعطيات التي أدلى بها العربي حرشي وقفت على صحتها "هسبريس" حينما زارت المنطقة، حيث المئات من الهكتارات تابعة للأوقاف في مختلف الجماعة القروية بإقليم وزان مزروعة فعلا بالحشيش الذي يمر من فترة نضجه خلال شهر ماي الجاري، بعد الأمطار الوفيرة التي سقطت على المنطقة طيلة الشهور الماضية.

أحمد الزيتوني، وهو اسم مستعار لأحد سكان المنطقة، لن تجدوه في أرشيف وزارة الداخلية، أكد هذا الأخير لـ"هسبريس" أن هناك العشرات من الهكتارات فعلا التابعة لوزارة الأوقاف تزرع بالحشيش في العديد من جماعات الإقليم، أهمها جماعة "زومي" "ومقريصات" وكذا دوار "المسكر" "وبوقرة" و"بريكشة".. حيث توجد مئات الهكتارات المزروعة حاليا بـ"العشبة". مؤكدا في ذات التصريح الخاص، أن الفلاحين بالمنطقة الذين يزرعون الحشيش سواء في أراضيهم التي تعود لملكيتهم الخاصة، أو في الأراضي التي يكترونها من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، يظلون فقراء ولا يستفيدون من العائدات الكبيرة التي يذرها الحشيش المغربي بعد تصديره إلى أوروبا، مشيرا في السياق نفسه، إلى أن شبكات تهريب الحشيش إلى الخارج هي التي المستفيد الأول من الملايير التي تجنيها عن كل عملية تهريب كبيرة تقوم بها، أما الفلاحون الصغار فشهر واحد ينعمون فيه بالبحبوحة المالية وهو غالبا شهر يناير من كل سنة حيث موسم الحصاد وجني بعض الأرباح التي تمكنهم من تدبير أمورهم لبقية السنة.

جماعة "زومي" عاصمة الحشيش بإقليم وزان

على امتداد المجال الزراعي بجماعة "زومي" القروية، لا ترى العين إلا مئات الهكتارات الخضراء المزروعة بالحشيش. لا أحد هناك يزعج صوت السيارات المهترئة التي تجوب المنعرجات لنقل "البضاعة". اغلب هذه السيارات حسب المعطيات التي حصلت عليها "هسبريس" لا تملك ترقيما صحيحا، وأخرى لا تحمل أي لوحة بالمرة.

سكان المنطقة، يتعايشون مع طبيعة المنطقة الجبلية ووعورة المنعرجات التي تمكنهم من تدبير أمورهم، كما أن المزارعين للحشيش بجماعة "زومي" يتعايشون في تناغم تام مع دوابهم التي تعفيهم من صعوبة نقل بضاعة الحشيش نحو شبكات التهريب التي توجه بضاعتها إلى أوربا من خلال الموانئ المغربية المعترف بها أو الغير معترف بها على حد سواء.

فلاحو "العشبة" كما يحلو لسكان جماعة "زومي" تسميهم، بدؤوا منذ سنوات في البحث عن طرق أكثر مردودية لمحصولها، لهذا الغرض، استقدموا زريعة "الباكستانية"، يقول أحد المزارعين بالمنطقة في دردشة عفوية مع "هسبريس".

"الباكستانية"، تم استيرادها من باكستان، كما يوحي بذلك اسمها، حيث اعتمدها المزارعون الكبار في تحسين مردود محاصيلهم، خصوصا أن هذه "الزريعة" ذات مردود كبير وتقاوم بشكل فعّال الظروف المناخية الصعبة.

استيراد "الباكستانية" جاء بفعل توالي سنوات الجفاف، وقلة التساقطات التي ضربت المنطقة طيلة الأعوام الماضية، وهو ما انعكس على مردود محاصيل الحشيش، وجعل العديد من المزارعين يعانون الأمرين في تدبير أمورهم الحياتية.

أغلب الفلاحين بجماعة "زومي" لهم قناعة ثابتة لا تتغير وهي أن أرضهم لا يمكن أن تنتج إلاّ "العشبة". "على خضرتها ولدنا، وبمحصولها عشنا، وعليها نموت" يقول أحد المزارعين بيقين تابت لا يمكن أن تغيره برامج الدولة المتوالية المدعومة من الاتحاد الأوروبي لتغيير زراعة الحشيش بالشمال المغربي.

يجني الفلاح الصغير بمنطقة "زومي" ما لا يقل عن 15 مليون سنتيم في السنة نظير بيع محصوله بشكل "خام"، هذا المبلغ يتضاعف بعشرات المرات ليتحول إلى أرباح صافية تعد بالملايير من السنتيمات مقابل "تصدير" بعض الأطنان من الحشيش المغربي إلى أوروبا حيث السمعة الطيبة للحشيش المغربي، الذي "يعتبر أحسن سفير للمغرب يملك حسن السيرة في الخارج" يضيف أحد سكان المنطقة مازحا.

"اتركوا أهل وزان في وزانهم يفعلون ما يشاءون"

على مدار سنوات طويلة، تداول سكان منطقة وزان تلك المقول المخزنية المأثورة التي تقول "اتركوا أهل وزان في وزانهم يفعلون ما يشاءون". واقع الحال بجماعة "زومي" "ومقريصات" وكذا دوار "المسكر" "وبوقرة" يؤكد أن هذه المقولة هي التي يعيش بها سكان إقليم وزان إلى اليوم.

على طول الطريق التي قطعناها وسط مزارع الحشيش على مساحة تعد بآلاف الهكتارات داخل إقليم وزان، لا أحد استوقفنا أو وجدنا حواجز امنية. كما لم نشعر في أي لحظة أثناء إعداد هذا الروبرطاج أنه صعب على الدولة أن توقف زراعة الحشيش. مئات الهكتارات مزروعة بـ"الذهب الأخضر" على حافة الطريق تمر عليها السيارات يوميا، في غياب تام للسلطة، كما أن كل المزارع التي زارتها "هسبريس" لم تكن في فيافي الجبال التي لا يمكن الوصول إليها، أو يصعب التعامل معها امنيا، بل في مساحات معروفة، وتحت عيون رجال الدرك الملكي الذين صادفناهم في أكثر من منعرج يراقبون الطرق الخلفية التي عادة لا يمر منها أحد !

فلاحون يشذبون أراضيهم المزروعة بـ"العشبة" في هناء مريح لا يعكر صفوه إلا غريب زار المنطقة وعلامات التعجب تتراقص على رأسه لغرابة ما يشاهد، ونبتة خضراء تنمو في هدوء وتكبر قبل ان يأتي كبار المهربين لشراء "الغلة" وتحويلها إلى حشيش قابل للاستهلاك، قبل تصديره إلى المستهلك الأوروبي المستعد لدفع مئات الأوروهات من أجل "جوان" مغربي أصيل.

أزيد من 11 مليار دولار مداخيل الحشيش المغربي سنويا

على مدى عقود، كان الحشيش المغربي هو المحرك الاقتصادي الأول في الشمال المغربي. طوال عقود عاشت الأقاليم الشمالية بعائدات تصدير الحشيش إلى أوروبا والتي تقدر اليوم بـ 11 مليار دولار سنويا. هذه المبالغ الضخمة التي كان يستفيد منها أباطرة المخدرات يتم تبيضها عن طريق مشاريع العقار في كل من طنجة وتطوان والحسيمة وجزء كبير من مدينة تطوان. وعلى مدى سنوات، عرفت مدينة طنجة وتطوان نهضة عمرانية سريعة قابلها الارتفاع الصاروخي في أثمنة العقار بعد أن اعتمد مهربو المخدرات إلى اقتناء العقارات لتبييض أمواله دون اعتبار لثمن مرجعي.

اتساع حضيرة الأموال التي كانت تصل إلى الشمال المغربي من تصدير الحشيش كانت كافية لتقوية العصابات المنظمة التي بدأت تتناحر فيما بينها بالأسلحة في كثير من الحوادث، وهو ما جعل الدولة تتخوف من أن تصل هذه الأسلحة إلى منظمات إرهابية تستعملها في أعمال تخريبية داخل التراب الوطني.

أحداث 16 ماي 2003 كانت كافية لأن تأخذ الدولة قرارا حاسما بخصوص العائدات المالية المهمة التي كانت يدرها تصدر الحشيش دون أن يعرف مصدر صرفها داخل المغرب، كما أن التقارير الدولة المتوالية كانت تحرج الدولة، مما دفع بالمغرب سنة 2004 إلى إقرار إستراتيجية وطنية لمحاربة المخدرات، تعتمد على جانب زجري يتمثل في محاربة هذه الزراعات خاصة بمناطق الريف والشمال، وإيقاف المتاجرين فيها، مع الاعتماد، أيضا، على جانب تنموي تحسيسي من خلال إقرار خطة لتنمية المناطق التي تنتشر فيها زارعة القنب الهندي، ومنها منطقة وزان.

هذه الخطة، وعلى الرغم من صعوبتها في التطبيق، حيث واجهت العديد من العراقيل إلاّ أنها استطاعت تقليص المساحات المزروعة بشكل مهم حيث انتقلت من 137 ألف هكتار سنة 2004 إلى 35 ألف هكتار مع بداية سنة 2009.

لكن مع ذلك مازال العديد من الفلاحين ومنهم المزارعون بإقليم وزان يفضلون زراعة "العشبة" على القبول بالزراعات البديلة التي تقترحها الدولة، والتي لا تذر ربع مدخولهم العادي في زراعة الحشيش.


وبالرغم من المشروع الضخم للدولة الذي قدمته للمزارعين في الشمال المغربي والذي قدر بـ116 مليون دولار، نفذت في إطار مشاريع للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية استهدفت 74 بلدية في العديد من المناطق بالشمال المغربي، إلاّ أن واقع الحال يؤكد أن زراعة الحشيش مازالت تنمو في تواطؤ واضح بين التصريحات الرسمية والواقع المعيش بمنطقة الشمال المغربي، حيث "الذهب الأخضر" مازال يصدر بالأطنان إلى الدول الأوروبية، وحيث "الجوان" المغربي مازال يتربع ويحظى بسمعة ممتازة لدى المستهلك الأوروبي.