عادات تقاوم الاندثار في عيد الأضحى بتونفيت

عادات تقاوم الاندثار في عيد الأضحى بتونفيت

ككل سنة، يحتفل المغاربة بعيد الأضحى في أجواء سِمتها الحبور، لاعتباره مناسبة لإحياء صلة الرحم وزيارة الأقارب والأحبة. ورغم بعض القواسم المشتركة بين المغاربة وقت الاحتفال، بيد أن لكل منطقة عاداتها وتقاليدها الخاصة بها التي تقاوم الاندثار، وتُميزها عن باقي المناطق المغربية الأخرى، كما هو حال جماعة تونفيت، التابعة ترابيا لإقليم ميدلت بجهة درعة تافيلالت، والواقعة جغرافيا بالأطلس الكبير الشرقي، التي يقدر تعداد ساكنتها بـ 10.000 نسمة.

"واجبات" ما قبل العيد

قبيل عيد الأضحى، تصبح الحمامات الشعبية وجهة لا بد منها، رغم الاكتظاظ الذي تعرفه في وقت الذروة، استعدادا للاحتفال بالمناسبة، سواء تعلق الأمر بالرجال أو بالنساء، بغية الاستحمام والتزيين لاستقبال العيد في أبهى حلة.

علي، صاحب أحد الحمامات، أكد أن هذا الأخير يعرف، فعلا، الازدحام في كل المناسبات الدينية، موضحا أن الثمن لا يتغير رغم العيد، بل يظل في 8 دراهم للرجال و10 دراهم للنساء على طول السنة، وهو ثمن مناسب حتى "يتأتى للجميع الاستحمام في ظروف جيدة نكون قد تجندنا لها سابقا".

إلى جانب الحمامات، يعيش الحلاقون وضعا مختلفا عن الأيام العادية في مثل هكذا مناسبات، وهذا ما أكده محمد، حلاق محلي بتونفيت، لهسبريس، مشيرا إلى أن محله يعج بالزبناء الراغبين في حلاقة شعر الرأس أو الوجه، فيصبح الراغب في الحلاقة ينتظر لساعات لعل وسعى أن تصل نوبته جراء الازدحام، موردا أنه في ليلة الأحد-الاثنين تأخر إلى حدود الفجر نتيجة كثرة الطلب.

ولا تسلم محلات الملابس والأحذية هي الأخرى من الازدحام، نظرا إلى الرواج الذي تعيش على إيقاعه في عيد الأضحى، نتيجة رغبة الأسر في شراء كسوة العيد للأطفال، ذكورا وإناثا، لإدخال البهجة على قلوبهم وإسعادهم، كل حسب قدرته الشرائية ووضعه الاجتماعي والمادي، مستغلين السوق الأسبوعي ليوم الأحد، الذي يفد عليه التجار من كل المناطق المجاورة لتونفيت، منها بومية وإيتزر وأغبالو وغيرها من مناطق إقليم ميدلت، للتبضع والتسوق وشراء كل ما هم في مسيس حاجة إليه وبثمن مناسب.

كما لا تُستثنى، كذلك، وسائل النقل العمومي من الرواج والحركية الملاحظتين، لاسيما السيارات من الحجم الكبير، نظرا إلى كثرة المسافرين القادمين من مختلف المدن المغربية، ممن قُدر لهم أن يشتغلوا في أماكن أخرى، بسبب قلة فرص الشغل وانتشار البطالة في صفوف شباب المنطقة، مستغلين عطلة العيد لزيارة الأسرة ولقاء الأصدقاء بالمقاهي التي تعج وتضج هي الأخرى بمرتاديها، ممن يفضلون الجلوس واحتساء فنجان قهوة عوض التجول في الشارع الوحيد بالبلدة، الذي عرف قبل أيام قليلة حملة نظافة أبطالها شباب يسعون إلى تنظيف منطقتهم وكنس شارعهم وتزيين أرصفتهم.

أضحية الفقيه أولا

بعد الانتهاء من صلاة العيد، التي حددتها مندوبية الشؤون الجهوية في الساعة :307 صباحا بإقليم ميدلت، سواء بالمساجد التي يبلغ عددها خمسة، أو بالمصليات الأربع التي تتواجد بالمنطقة، تُجلب أضحية فقيه "الجامع"-التي تارة تكون صدقة من قِبل أحد المحسنين وتارة أخرى يتم جمع التبرعات من أصحاب المحلات التجارية لشرائها-إلى محاذاة المسجد، بحضور حشد من المصلين، لذبحها من قبل الفقيه.

مع عملية الذبح، يحملها اثنان إلى ثلاثة شبان أشداء، ويهرولون بها إلى أمام منزل "الطالب" حتى خروج الروح هناك، ومن بعد ينصرف جميع المصلين الحاضرين إلى حال سبيلهم لمباشرة نحر أضاحيهم، غير أنه منذ السنة المنصرمة، احتدم نقاش بين الفقهاء والباحثين في الشأن الديني بخصوص هذه العادة، بين مؤيد ومعارض لها.

طقوس ما قبل الذبح

بمجرد ما تنوي أي أسرة ذبح أضحيتها، تقوم بمجموعة من الطقوس؛ منها خلط كل من الشعير والملح والسواك والحناء ومزج هذه المواد جيدا، ثم وضعها في فم الأضحية لمحاولة بلع بعضها. وفي ما بعد، يُستغل الكحل، الذي عادة ما تتزين به النساء، لوضعه في العين اليمنى للأضحية، ثم الانتقال إلى العين اليسرى، زيادة على وضع شيء من الحناء في عنقها، كما تشمل الحناء كل الحيوانات الموجودة بالمنزل من قطط وكلاب وغيرها كطقوس مجهولة دواعيها، وبعدها ينطق رب الأسرة بالشهادتين ويُكبّر، ثم تُنحر الأضحية دون أن ترى السكين مع نية التقرب إلى الله عز وجل، سواء بالأسطح لمن منازلهم واسعة، أو في الزقاق أمام الباب بالنسبة إلى من يعانون الضيق في بيوتهم.

حينها يشرع صاحب الأضحية في عملية السلخ إن كان عارفا بها، وإلا يستعين بخدمات أحد الجيران ممن انتهى من أضحيته، أو يكون أوصى سابقا جزارا ليقوم بالمهمة بمقابل مادي يقدر بـ30 درهما. وبمجرد فصل الجلد عن الأضحية، يمسح به الأهل وجوههم، لاعتقاد سائد مفاده أنه يداوي الندوب وحب الشباب الموجود بالمحيا.

وما تمتاز به تونفيت في مناسبة عيد الأضحى، حسب شهادة حميد أمشايد، مهتم بتاريخ المنطقة، هو أن الساكنة يستحيل، إلى الأمس القريب، أن تبيع الجلد، بل يصدَق به للمساجد، أو يحتفظ به لتحويله إلى "هيدورة"، نظرا إلى رمزيتها في المنازل التونفيتية، وما تضفيه من جمالية ورونق واضحين، علاوة على استعماله في فصل الشتاء لأنه يكون مصدرا للدفء.

كل هذا دون الأخذ بعين الاعتبار حجم الأضحية وثمنها، وما إن كانت تتوفر على قرون أم لا، نظرا إلى البساطة التي تتسم بها الساكنة في تونفيت.

وبعد عملية السلخ، تستخرج أحشاء الأضحية من أجل شوائها على الجمر، لأن تونفيت معروفة بثروتها الغابوية، التي باتت تتعرض لاستنزاف مفرط يدق ناقوس الخطر باستمرار، كما تتم عملية شي الرؤوس بشكل انفرادي، داخل أفران طينية تقليدية، دون الحاجة إلى إشعال نار مستعرة لشيها بشكل جماعي كما يقع بالمدن، لتبدأ عملية الأكل والشرب في جو احتفالي جماعي بهيج.

ورغم ذلك، هناك فئة تسمى "الشُّرفة" (الشرفاء) يكسرون هذه القاعدة، ولا يسيرون على خطى هذا الديدن، للنأي بأنفسهم عن تناول لحم العيد رغم ذبحهم الأضحية إلا بعد مرور يوم إلى ثلاثة أيام، وحاولت هسبريس استقصاء أسباب هذه العادة، غير أن الأجوبة التي توصلت بها تتمثل في أنهم يقتدون أثر ما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم دون معرفة التفاصيل ودواعي هذا الطقس الغريب.

مناسبة لصلة الرحم

مع تزامن عيد الأضحى في السنوات الأخيرة مع العطلة المدرسية والصيفية، تمسي تونفيت في هذه المناسبة الوجهة المفضلة للكثير من أبنائها الغائبين عنها، سواء من الطلبة أو الموظفين أو الأجراء، داخل المغرب وخارجه، لإحياء صلة الرحم مع الأقارب وزيارة الأحبة، في جو طابعه الفرح والسرور، عكس من يستغلون هذه المناسبة فيقصدون الفنادق المصنفة أو المدن الشاطئية للاستماع بالبحر، سواء داخل المغرب أو خارجه.

وغالبا ما تكون التحية بين معمري تونفيت تقليدية، عبر تقبيل ظهر الأيادي لأربع أو خمس مرات تقريبا، سواء كان الطرف الآخر رجلا أو امرأة، في مشهد يعيد عقارب الساعة إلى عقود مضت، ويحيل على تاريخ الأجداد وطقوسهم الجماعية، ويذكر بماضي الرعيل الأول. إلا أن الشباب اليوم كسروا نمطية السلف، وشرعوا، على غرار باقي أبناء المدن، يؤدون التحية بتقبيل الخدود كما هو سائد بين السواد الأعظم من الناس.

نتيجة لذلك، تصبح تونفيت مساء يوم العيد مكتظة بأناسها ممن اشتاقوا إليها-رغم بنيتها التحتية التي تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية للنهوض بها اجتماعيا واقتصاديا-فتبدأ عملية زيارة الأهل والأصحاب مساء للاطمئنان على الأحوال، إلى جانب التوجه الجماعي إلى فوتوغرافي محلي لالتقاط صور تذكارية صحبة الأسرة، الذي يكون سابقا جهز أماكن التصوير، لاسيما للصغار الذين يفرحون كلما التقطوا صورا فوق دراجة نارية بلاستيكية أو حصان بلاستيكي أيضا. بل أكثر من ذلك، هناك من ما يزال وفيا للمخادع الهاتفية، رغم قلتها، لربط الاتصال بأحد الأقارب في هذه المناسبة، لتبادل التبريكات والتهاني وأطيب الأماني.

وبعد العيد بيوم أو يومين، يقول أمشايد لهسبريس، تبدأ عملية الدعوات إلى تناول إما الغذاء أو العشاء بين الأقارب والجيران، لتبادل أطراف الحديث ومناقشة مواضيع مختلفة وتزجية للوقت، مع شرب الشاي وتناول ما تيسر من الطعام، غير أن هذه العادة بالضبط بدأت تتقلص وتتراجع سنة بعد أخرى، ولم تعد الصلات بين الجيران والأقارب كما كانت في السابق، وهو الوضع الذي يُستشف منه أن مظاهر التمدن بدأت تتغول في تونفيت شيئا فشيئا، مبديا تخوفه من التحولات التي باتت تعرفها العلاقات الاجتماعية بين أفراد المنطقة في الآونة الأخيرة.