قصور بلا ملوك .. ذكريات "إغرم أقديم" تنفض غبار النسيان بأزقور

قصور بلا ملوك .. ذكريات "إغرم أقديم" تنفض غبار النسيان بأزقور

بعدما صار الزمن غير الزمن والناس غير الناس.. أصبح "إغرم أقديم" أو قصر أزقور القديم، قصرا دون مسيرين، ودون سكان، تاركا وراءه شواهد تصدع بأن جنباته عرفت حياة في يوم من الأيام.

"إغرم أقديم" قصر يقع في أزقور التابعة لجماعة ألنيف بإقليم تنغير في جهة درعة تافيلالت. وتتذكر أسواره زيارات رحالة من ليبيا، وموريتانيا، والجزائر، وحفلات أحيدوس التي رافقت أعراس المدينة الجماعية، وزيارة "أوليائه الثلاث" التي كانت ترافقها الرماية، والذبائح، والمواسم..

أمّة قد خلت

يقول وابي محمد، شيخ من ساكنة قصر أزقور، أن للقصر تاريخا عريقا على الصعيد الإفريقي، فقد كان الناس "يأتون من خارج المغرب، من الجزائر، ومن ليبيا، ومن موريتانيا، إلى هنا".

ويعتقد المتحدث أن تاريخ تشييد قصر أزقور يرجع إلى سبعة قرون، بينت فيها هذه المعلمة المهجورة، وسوقها، ومتاجرها، ومسجدها، ومحكمتها، ومنازلها، "فهذا القصر كان على شكل مدينة".

وتوقف وابي عند قاعة مفتوحة على السماء تتوسط قصر أزقور، مغمغما ما مفاده أن ما نقف عليه كان يسمى "قاعة الحفلات"، التي عرفت تنظيم رقصات أحيدوس عبر القرون، فكان العرسان يجلسون في أحد جنبات القاعة، ويتوسطها مؤدوا أحيدوس، بينما يتحلق المتفرجون حول الساحة الدائرية من أجل متابعة الأعراس الجماعية".

ويستحضر وابي ذكرياته داخل القصر قائلا إن عدد المشاركين في الأعراس الجماعية كان يصل إلى 20 زوجا، "وسبق أن وصل عدد الأزواج إلى 32 زواجا في عرس واحد". ويوضح المتحدث أن الأعراس كانت تكون مختلطة، فـ"يكون العريس جالسا وتكون العروس بجانبه، وقد يتم العزل في بعض الأحيان فيكون في الصباح العرسان الذكور، وتكون بالليل العروسات".

تاريخ منسي

يضم فضاء قصر أزقور ثلاثة أضرحة قديمة، هي ضريح سيدي يوسف الذي كان زاوية يذبح الناس فيها، إلى جانب ضريحي سيدي المشروط وسيدي مْحَمَّدْ. بينما كان يعرف السوق المحاذي للأضرحة تنظيم مواسم تتخللها الرماية.

ويضم القصر مسجدا يعُده بعض قدماء الساكنة أقدمَ مساجد المنطقة، وكان موئل ساكنة أزقور وبعض المناطق المجاورة عند كل خصام؛ فساحة المسجد تصير محكمة بعض صلاة الجمعة يختصم الناس فيها، ويُنصفون.

يحكي وابي طريقة سير هذه المحكمة قائلا إن من كان يفصل بين المتخاصمين هو إمام المسجد، فـ"بعد صلاة الجمعة يخرج الناس ويفترشون باحةَ المسجد ويتحاكمون، وكل يرضى بحقه". واصفا هذا بالنظام العقلي، الذي كانت تسير معه الأمور بشكل جيد".

من جهته يقول عبد العزيز أوعرور، باحث من أزقور، إن هذا القصر من بين القصور القديمة التي لها صيت كبير بالمنطقة، وكان النواة التي تشكلت منها مجموعة من القصور الأخرى، مثل قصر ميماريغن، وقصر أمغان، إلى غير ذلك. واسترسل أوعرور موضحا أن هذا القصر "كان ينبض بالحياة والعلاقات الاجتماعية في وقت من الأوقات، وتقريبا في سنوات السبعينات والثمانينات، بدأ الناس ينتقلون من القصر إلى الضفة الأخرى من الواد التي تسمى الآن "أزقور أوجديد" أو أزقور الجديد".

كل الطرق تؤدي إلى الهجرة

يُرجع وابي محمد سبب هجرة ساكنة قصر أزقور قصرهم، إلى تطور الوقت، وظهور البناء العصري؛ فـ"هذا القصر كان مبنيا بالتراب فقط. ولكنهم لم يُهاجروه جميعا فيوجد بعض القاطنين به، وهناك من تنقلوا إلى مكان قريب له، وما يزال المسجد هنا".

بدوره يرى عبد العزيز أوعرور أن قصر أزقور القديم عرف مجموعة من التحولات الكبيرة، من بينها التحول الذي عرفته المنطقة على المستوى المعيشي، "حيث تحسن المستوى المعيشي للساكنة، وأصبح الناس يرون أن هذا القصر لا يستجيب لمعايير الرفاه والحياة السعيدة، ففكروا في الانتقال إلى الضفة الأخرى من واد بوشامة وواد الرك".

مغادرة أزقور سبب رئيسي لهجرة القصر حسب أوعرور، فـ"الإنسان عندما هاجر المدينة إلى مدن مغربية أخرى أو خارج الوطن، جاء بمجموعة من الأفكار الجديدة"، وأراد أن يبنى قصرا بمخطط جديد يستجيب لبعض المعايير على المستوى الهندسي، فتكون الأزقة كبيرة، ويكون هناك شارع رئيسي، وتكون المنطقة منبسطة، لتكون جميع ظروف العيش ملائمة".

وساهم توفر الأمن أيضا في الخروج من القصر، والاتجاه إلى المناطق المنبسطة، بعدما ولى زمن التوترات، والصراعات القَبَلية، لكن الجفاف لم يوَلي، مما أدى إلى أن يفكر الناس في الهجرة إما إلى القصر الجديد أو إلى مدن أخرى، وهو "ما أدى إلى التخريب الذي يعرفه القصر الآن؛ لأنه بعد الجفاف لم يترك الناس القصرَ على ما كان عليه، فبدأوا باقتلاع الخشب، لِإِضرام النار بهدف الطهي على سبيل المثال".