ناصر الزفزافي .. ناشط طرق قلوب "ريافة" وأوجع رأس "المخزن"

ناصر الزفزافي .. ناشط طرق قلوب "ريافة" وأوجع رأس "المخزن"

في الطابق العلوي داخل مقهى صغيرة محاذية لملعب ميمون العرصي وسط الحسيمة، يجلس ناصر الزفزافي محاطا برفاقه ممن تعودوا على مرافقته في الآونة الأخيرة خوفا عليه من الاعتقال أو الاعتداء، كما يروون.

هناك تارة يتجاذبون أطراف الحديث حول الحراك الذي أشعله مقتل بائع السمك محسن فكري، بطريقة بشعة داخل حاوية آلية طحن النفايات أواخر أكتوبر من العام الماضي، وتارة أخرى لبث فيديوهات مباشرة على صفحة الحراك بموقع "فيسبوك"، التي ليست سوى صفحة "ناصر الزفزافي"، التي تعرضت للقرصنة والتغيير في أكثر من مرة.

قبيل الاعتقال

هسبريس التقت الزفزافي داخل مقهى "كلاكسي" يومين قبل "حادث الجمعة" الماضي، الذي سيؤدي لاحقا إلى إلقاء القبض عليه، صبيحة الاثنين المنصرم وفق الرواية الرسمية. تلك المقهى التي باتت معروفة بتردد ناصر ورفاقه عليها، حينها كان يستعد الناشط الثلاثيني لتصوير بث مباشر لمتتبعيه الذين يبلغون في العالم الافتراضي عشرات الآلاف.

قال إن الخطاب عفوي ولم يكن مخططا له، تحدث الزفزافي باللغة العربية، عكس بدايته مع الحراك حيث كان يتوجه إلى مخاطبيه باللغة الأمازيغية الريفية، "كان خطأ غير مقصود صراحة ارتكبناه في البداية، لكننا تداركانه في الآونة الأخيرة ليفهمنا باقي المغاربة "، يقول الزفزافي لهسبريس؛ حيث أخذنا الحديث إلى رفع أعلام "الجمهورية الريفية" في المظاهرات واتهامات الانفصال التي طالتهم كنشطاء، واعتراضه الشخصي على ظهور نشطاء من غيره في وسائل الإعلام، خاصة الذين قرروا الانسحاب من اللجنة التي تسير الاحتجاجات.

آخر فيديو

كان ذاك آخر فيديو سيتكلم فيه الزفزافي على المباشر، ردا على زيارة الوفد الحكومي إلى الحسيمة، الذي وصفه بالعصابة. الشاب الريفي ظهر في مظهر بسيط مرتديا جلبابا ربيعيا في اللون الأسود، ونعلا صيفيا خفيفا يحيل على أنه خرج لتوه من منزله المتواضع القريب من المقهى بحي المرسى الشعبي.

بعد قرابة نصف ساعة من العرض المباشر، وهي المدة التي ظل فيها رفاقه ينصتون معه على صفحته ويراقبون تعليقات الزائرين، يعود الزفزافي للحديث إليهم سائلا إياهم عن جودة التصوير ومستوى التعليقات، قبل أن يقاطعه اتصال هاتفي من شخص يبدو أنه صديق له متحدثا إليه عن رأيه في إحدى البرامج التلفزية التي تبث من بلجيكا والتي تحدثت عن الحراك الريفي.

بدا من كلام الزفزافي أنه متابع لما يتداول إعلاميا عنه وعن الحراك، قبل أن تأخذنا جلستنا التي كانت إعدادية لحوار مطول كان مرتقبا يوم الجمعة، قبل أن يحدث ما حدث من محاولة للقوات العمومية والسلطات لاعتقاله من سطح منزله بينما كان يلقي كلمة أمام حشد من أنصاره الذين تحمسوا بخطابه الداعي إلى الاستمرار في الحراك مع الحفاظ على السلمية إلى درجة أن حدة الحماس بلغت بعشرات من أولئك الأنصار إلى مهاجمة عنيفة للقوات العمومية بالرشق بالحجارة، لم يسلم منها كاتب هذا المقال، الذي تعرض للاعتداء من طرف بعضهم بحجة أنني كنت أصور بالبث المباشر رشقهم للأمنيين بالحجارة.

كلام الزفزافي العادي من وراء كاميرا هاتفه ليس ببعيد ولا مختلف كثيرا عن حديث معه أثناء جلسة ودية على مثل تلك المقهى الشعبية بالحسيمة؛ فمفردات "المخزن"، "العصابة" التي يقصد بها الحكومة لم تفارقه، ما يحيل إلى نفسيته الاندفاعية والتهورية في بعض الأحيان، بالرغم من أنه ظهر هادئا ومستمعا جيدا، فيما بدا "حواريوه" صامتين منصتين للحوار، دون أن يبدوا أي اعتراض أو ملاحظة؛ فهم يدرون أن صديقهم، أو "امغار نا الريف" أو "سيد الريف" كما يلقبونه، بات شخصية عامة، بل ومهددة في أي وقت من الأوقات بالاعتقال، بسبب الاتهامات الحادة التي يوجهها للمسؤولين في المملكة.

شخصية جامعة للتناقضات

"على نهج الأمير عبد الكريم الخطابي رضي الله عنه وأرضاه"، كلمة يرددها الزفزافي في كل خرجاته وكلماته النارية في الساحات الاحتجاجية، تلخص شخصية هذا الشاب الريفي ذي 39 ربيعا، التي تختلط فيها الحدة والاندفاعية مع البساطة والسذاجة في بعض الأحيان.

وهي التناقضات التي جعلته في حرب معنوية مفتوحة مع من يعارضهم في الدولة، وفي صدام مع من يختلفون معه وحتى من أصدقائه وأبناء مدينته، حتى إن تلك الشخصية الريفية التي استطاعت أن تجمع حولها متعاطفين كثر من أبناء الريف، أبعدت في الوقت ذاته من طريقها نشطاء وأنصار الاحتجاج الريفي عن تصدر المشهد ليصير هو لوحده "زعيم الحراك".

ثقافة احتجاجية

في ليلة 28 أكتوبر 2016، ساعات بعد مقتل محسن فكري، بائع السمك الذي قضي طحنا بشكل مأساوي داخل آلية لجمع النفايات، انتقل الزفزافي إلى عين المكان وتصدر اعتصاما نظم فيه، تحلق الناس من حوله وهو يندد بغضب طافح بالجريمة، مطالبا بحضور المسؤولين بشكل فوري إلى مسرح الحدث. بعد دقائق سينزل وكيل الملك وعامل الإقليم إلى حيث الحشد الغاضب ويتجاذب الطرفان الجدل في ما يشبه المناظرة. هنا سيتعرف الناس على ناصر وسيستمر في حشد الحسيميين لمزيد من الاحتجاجات التي سرعان ما تحولت إلا حراك شعبي يرفع مطالب ضد الحكرة والتهميش ولا يزال مستمرا إلى هذا الحين.

المقربون من ابن قبيلة آيت ورياغل الريفية يقولون إن ناصر لم يظهر بالصدفة في ليلة مقتل فكري، فقد كان مشاركا في حراك "20 فبراير" عام 2011 بالحسيمة، وكان مدافعا شرسا عن الثقافة الأمازيغية، "شارك ناصر قبل أربع سنوات في لجان محلية تم تأسيسها بالحسيمة احتجاجا على غلاء فواتير الماء والكهرباء"، يقول أحد شباب الحراك لهسبريس، متابعا بأن هواية ناصر في تصوير مواقفه وبثها على صفحته بـ"فيسبوك" ليست وليدة اللحظة، بل منذ سنوات.

الزفزافي، الذي ترك الدراسة مبكرا في مرحلة الإعدادي لظروف اجتماعية ليشتغل بعد ذلك في الفلاحة والحراسة الخاصة وبيع الهواتف، والده سياسي يساري سابق في حزب الاتحاد الاشتراكي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وعمه محمد الزفزافي كان مناصرا للزعيم الريفي محمد بن عبد الكريم الخطابي، فيما يقول ناصر إن جده "الحاج اليزيد" كان وزيرا للداخلية في حكومة "مولاي محند"، كما يلقبه أهل الريف، التي أسسها في فترة عشرينيات القرن الماضي.

انتقادات

رغم أن رصيد الزفزافي النضالي لم يكتسبه من الهيئات السياسية والحقوقية والمدنية، كما يروي؛ حيث تلقى ذلك من متابعاته للأحداث الوطنية والدولية ومشاركته في احتجاجات الشارع، إلا أن ذلك أكسبه مهارات متنوعة في الكلام والجدال والمعارضة وحشد الناس.

ففي إحدى المرات، مطلع هذا العام، انتقل ناصر إلى وسط أحد شوارع الحسيمة وخاطب متابعيه عبر "اللايف" موجها إليهم دعوة آنية للنزول إلى الشارع بعد نصف ساعة، وهو ما لبته الحشود، ليعقد بعض المتابعين مقارنة بينه وبين الرئيس التركي الذي عبر تقنية "الفايس تايم" دعا الأتراك إلى النزول إلى الشارع لصد محاولة الانقلاب على نظامه صيف العام الماضي.

رغم كم التعاطف الذي لقيه الناشط الريفي لدى ساكنة الحسيمة ونواحيها ولدى العديد من مغاربة المهجر المنحدرين من المنطقة ذاتها، إلا أنه حصد في المقابل اعتراضا شديدا من لدن شريحة أخرى، بمن فيها نشطاء في الحراك، وأيضا الدولة التي رفضت الجلوس معه للحوار؛ وذلك بسبب حدة خطابه وتخوينه لكافة الهيئات السياسية والحقوقية والمدنية، ومعهم من ينتقدونه داخل الحراك من زملائه.

فعبارات من قبيل "المخزن الديكتاتوري الإرهابي المجرم" و"الأمن اللاوطني" و"الدرك الحربي" (الدرك الملكي) و"الحراك الريفي المقدس" و"ريفيّو الشتات" و"الدكاكين السياسية" و"العصابة والشرذمة والبيادق"... جزء من قاموس أثار صخبا داخل الحراك الشعبي بالحسيمة وخارجه، ودفع البعض إلى أن يأخذ موقفا من خلفيات الزفزافي، وطرح تساؤلات حول قصده المباشر من تلك العبارات التي تصاغ في خطاب كثيرا ما يكون متشنجا ومتعصبا، ودفع رفاقه إلى نصحه من أجل التراجع عن تلك الطبيعة وتلطيف الأجواء.

تنضاف إلى تلك الانتقادات، التي يبدو أن "أيقونة الحراك الريفي" لا يلقي لها اهتماما، وفق مقربين منه، قضية رفع الأعلام الأمازيغية وتلك التي ترمز للجمهورية الريفية، التي كانت يوما ما حلما راود الراحل محمد بن عبد الكريم الخطابي، مع عدم رفع العلم الوطني وعدم استدعاء قضية محسن فكري في الاحتجاجات التي تلت مقتله بأشهر. سهام انتقاد ولوم كانت دائما توجه إلى ناصر الذي كان دائما يعتبرها غير مهمة بقدر أهمية استمرار الحراك حتى تحقيق المطالب، وفق تعبيره.

بطل في عين أمه

تقول والدة ناصر، الأم لأربعة أبناء، التي تصفه بالبطل بعد اعتقاله، بأنه يعيش حياة بسيطة، "تعالوا انظروا أين ينام ابني وخبروني أين هي أموال الجزائر والخارج، فنحن لم نجد حتى أموال المغرب فبالأحرى الخارج"، فيما تصر على أن ناصر لم يكن مخطئا قط في اقتحامه لمجال النضال في الشارع من أجل تحقيق مطالب أهل الريف المشروعة في العيش الكريم.

أما والده، الذي حضر هذا الأسبوع إلى قلب الاحتجاج الليلي بحي سيدي عابد وسط المدينة، فلم يختلف عن والدة ناصر حين قال: "جئت لأطمئن على استمرارية الحراك، ولكي أبلغ رسالة لناصر الزفزافي ولرفاقه الذين اختطفوا معه، إن إخوانكم في الريف والمدن الأخرى وفي أوروبا معكم"، قبل أن يخاطب المتحلقين حوله: "أيتها الجماهير الشعبية التي كانت تسير دوما وراء ابني ناصر الزفزافي، يمكن أن نقول إن هذا قدرنا، ولكن لن نقول إن هذا من سخرية القدر، كي لا أكون مجحفا في حقه، لكنها سخرية من فضلهم القدر".

تاركا وراءه احتقانا حادا في الحسيمة وتعاطفا وطنيا مع قضية حراك ريفي لم ينته بعد، اعتقل ناصر الزفزافي صبيحة يوم الاثنين الماضي، وهو في حالة فرار منذ حادث اقتحام منزله يوم الجمعة الماضي بينما كان يخطب أمام أنصاره من فوق سطح المنزل، بعد آخر رسالة بعثها عبر "فيسبوك" إلى المحتجين مطالبا إياهم بالحفاظ على السليمة؛ إذ يتواجد حاليا بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في مرحلة التحقيق التمهيدي، مواجها تهما ثقيلة تهم "ارتكاب جريمة عرقلة وتعطيل حرية العبادات"، وأيضا "المس بالسلامة الداخلية للدولة، وأفعال أخرى تشكل جرائم بمقتضى القانون". أما والداه فيطلبان من الملك الإفراج عنه.