هل يُغيّب تنامي الاحتجاجات الشعبية الجزائرَ عن مباحثات جنيف؟

هل يُغيّب تنامي الاحتجاجات الشعبية الجزائرَ عن مباحثات جنيف؟

يترنّحُ المشهد الجزائري بينَ اسْتمرار الجماهير في الخروج إلى الشوارع لإسقاط رموز النّظام في البلاد، وبينَ ترقب تحركٍ محتمل للجيش الذي يكْتَفي إلى حُدود اليوم بالدّعوة إلى التهدئة. وبينَ المشْهدين، يُرتقبُ أن تشاركَ الجزائر في مباحثات "جنيف 2" حول الصحراء في ظرفٍ اسْتثنائي، هذه المرّة مع تعاظُمِ الاحتجاجات الشعبية، قد يُؤثّر على سيْرِ الجولة الجديدة.

ويبْدو أنَّ استمرار خُروج الجزائريين إلى الشوارع ضدَّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وعدد من أعضاء الحزب الحاكم ورجالات "العسْكر" قدْ يبعثرُ أوراقَ الجارة الشرقية التي ينتظرها امتحان ديبلوماسي جديد في أواخر مارس الجاري.

ورغم أن كل طرف ينظر إلى صيغة لقاء جنيف من زاوية مختلفة؛ فالجزائر تؤكد أنها تحضر بصفتها "بلدا مراقبا"، والرباط تعتبرها "طرفا" في النزاع، فإن الأنظار سترقب ما إذا كانتْ الجارة الشرقية ستحتفظُ بالتمثيلية الدبلوماسية نفسها التي حضرت "جنيف1".

ومن المرتقبِ أن يجلسَ جنباً إلى جنب وزراء خارجية كل من المغرب والجزائر وموريتانيا، بالإضافة إلى ممثل جبهة البوليساريو، التي أعلنت أنها سترْسل وفدا من خمسة أشخاص إلى جنيف، ضمنهم ممثل التنظيم في الأمم المتحدة، سيدي محمد عمار، وزعيمها خطري أدوه. ومعَ ارتفاعِ حدة الاحتجاج فيها، يطرحُ التساؤل حول ما إذا كانت الجزائر ستحضرُ فعلاً في هذا اللقاء الأممي.

وقال مصطفى الخلفي، الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، في ندوة صحافية الخميس، إن "المغرب منخرط ضمن توجهات سبق الإعلان عنها من طرف وزارة الشؤون الخارجية بالتفاعل إيجابيا مع العمليات التحضرية التي تمت وكل ما يهم المحطة المقبلة".

غياب على حساب الأمن الداخلي

وبهذا الخصوص، يستبعدُ المحلل هشام معتضد غياب الجزائر عن المشاركة في لقاء جنيف رغم الحراك السياسي الذي تمر منه، ويُرجعُ ذلك إلى أن منهجية المطالَب الشعبية في الجزائر يمكن اعتبارها، سياسيا، في الوقت الراهن ذات بعد سلمي، ويتم التعامل معها بحذر شديد، وليست خارج السيطرة أو تهدد الأمن القومي للجزائر.

ويرى الأستاذ الجامعي المقيم في كندا أن "التزامات الجزائر على المستوى الخارجي لنْ تتغير في ما يخص مشاركتها وحضورها الدوليين"، مستدركاً بأن "هذه الاحتجاجات يمكن أن تدفع السلطة في الجزائر إلى إعادة النظر في طريقة المشاركة وترتيب مستوى الوفد السياسي والتمثيلية الدبلوماسية في المفاوضات".

ويشدد المحلل ذاته على أنَّ "الحسابات السياسية والدبلوماسية للمشاركة الجزائرية ستكون تحت ضغط كبير بين إرسال إشارة إلى الشارع الجزائري بأولوية الاستجابة للمطالب الشعبية من جهة، وتطمينْ جبهة البوليساريو لكوْنها سندها القوي والأساسي في هذا النزاع من جهة أخرى".

لعمامرة.. رجل المرحلة

من ناحية أخرى، يؤكد خطري شرقي، مدير مركز الجنوب للدراسات والأبحاث، أن "المشهد الجزائري الداخلي يشهد مجموعة من الأحداث المرتبطة بالانتخابات الرئاسية ومرحلة العهدة الخامسة والطريقة التي تم بها التعاطي مع هذه الأحداث داخل مربع ممارسة الحكم"، مشيراً إلى أن "ذلك ألقى بظلاله على جميع المجالات بالجزائر، بما فيها السياسة الخارجية، حيث تم تغيير الوزير المساهل وتعيين وزير جديد هو رمطان لعمامرة".

ولعمامرة، بحسب الأستاذ الباحث، "لديه خبرة إقليمية، سواء على المستوى الإفريقي أو على مستوى أروقة الأمم المتحدة، وكذلك خبرة كبيرة مع صانعي القرار الأمريكي بعد المدة التي قضاه في سفارة الجزائر بواشنطن، مما يحمل معه قضايا أساسية جديدة تحضر بقوة على مستوى السياسة الخارجية الجزائرية".

ومسألة حضور الجزائر في جنيف ستكون مختلفة عن السابق، وفقاً للباحث ذاته، ذلك أنه "في المحطة الأولى، كانت الجزائر حاضرة على أساس ملف التكامل المغاربي والقضايا الأمنية وأحداث منطقة الساحل وغيرها من القضايا الإقليمية التي تستهدف الأمن الإقليمي للمنطقة، ولكن في ظل استقرار سياسي ورؤية واضحة لطريقة تدبير النقاشات التي سبقتها تقاطعات ومواقف إعلامية لصناع القرار في الجزائر".

أولوية للداخل

أما في المحطة الحالية، فإنَّ "جميع الأطراف السياسية والعسكرية والمدنية بالجزائر ترى أولوية للشأن الداخلي ما لم تر أن ملف الصحراء قناة لتصريف الأزمة الداخلية مع المغرب، ولكن هذا الأمر يحمل مؤشرات سلبية للداخل الجزائري مع تعاظم الاحتجاجات، وكذلك بداية بلورة قواعد جديدة في ملف الصحراء وتجاوز مرحلة جس النبض وبداية التفكير في مخرجات قوية في ظل عوامل متعددة؛ أولها رفض المغرب التوجه إلى برلين ولقاء هورست كوهلر".

وأشار الباحث إلى أنَ "الموقف الجزائري من الممكن أن يتخذ توجهين أساسين؛ الأول، متشدد يظهر الجزائر كما لو أنها غير معنية بالصراع وأنها تدعم أي حل متوافق عليه من طرف الأمم المتحدة بين البوليساريو والمغرب في محاولة لتقديم صورة عن صلابة المؤسسات الجزائرية، بما فيها الخارجية، على غرار مرحلة العشرية السوداء التي لم تؤثر على الموقف الجزائري من نزاع الصحراء".

والثاني، يختمُ الباحث، "يساير توجهات الأمم المتحدة ومبعوثها هورست كوهلر وأصدقاء الصحراء في ضرورة وضع مسار واضح لمسلسل التسوية عبر الوقوف على تقاطعات بين أطراف النزاع والمتدخلين فيه وقدرة الطرف الجزائري على التأثير على جبهة البوليساريو".