الأجهزة الزجرية الحكومية بالمغرب .. مهام متعددة وإمكانيات محدودة

الأجهزة الزجرية الحكومية بالمغرب .. مهام متعددة وإمكانيات محدودة

يُجمع جل الفاعلين الحقوقيين على أن المغرب يتوفر على منظومة رقابية عامة وشاملة تخضع هياكلها لقطاعات وزارية مختلفة، وتُسند إليها العديد من الوظائف المهمة التي تلعب دورا رئيسيا في تقويم سلوك المواطنين في أفق توعيتهم بأهمية احترام مقتضيات القانون، لكن يُعاب عليها قصور النصوص التنظيمية المؤطرة لها وضعف التطبيق الفعلي على أرض الواقع وغياب المواكبة والمتابعة من قبل الأوصياء عليها؛ ما يجعلها مجرد "حبر على ورق".

ولا شك أن المملكة عرفت خلال السنوات الأخيرة تزايد أجهزة الزجر في مجالات عديدة ومتنوعة؛ إذ يتسابق مختلف المسؤولين الحكوميين على إحداث بعض المؤسسات التي تسهر على تطبيق المقتضيات القانونية والتنظيمية، الهادفة إلى فرض احترام القانون وحماية حقوق المواطنين، سيرا على نهج الدول الأوروبية التي تعتبر الحاضن الأول لهذه الأجهزة، إلا أن "الزوبعة" التي تثيرها عند تأسيسها سرعان ما تزول وتصير في طي النسيان، لتتبخر معها أوهام المغاربة الذين يعقدون الآمال عليها من أجل حماية حقوقهم التي نص عليها الدستور، تفعيلا لمبدأ "ربط المسؤولية بالمحاسبة".

الشرطة الإدارية.. "زوبعة في فنجان"

أحدثت بعض المجالس الجماعية، خلال مطلع السنة الجارية، نظام الشرطة الإدارية في العديد من المقاطعات الحضرية، بغية ضبط احترام القوانين، لا سيما تلك المرتبطة بتحرير الملك العمومي، بحيث يقتصر مجال تدخلها على ممارسة الاختصاصات المتعلقة بقرارات رئيس الجماعة الحضرية، ولا تمارس بعض الاختصاصات الموكولة إلى الجهات الحكومية الأخرى.

وتُسند إلى هذه الأجهزة الزجرية، وفق دليل الشرطة الإدارية الجماعية الذي أصدرته المديرية العامة للجماعات المحلية التابعة لوزارة الداخلية، العديد من المهام المختلفة، من قبيل حمام الصحة والنظافة العامة والبيئة، وتنظيم ميدان السير والجولان، والحفاظ على الأمن العمومي، ومحاربة احتلال الملك العمومي، وغيرها.

ويجهل غالبية المغاربة وجود جهاز يسمى "الشرطة القروية"، يضطلع بالعديد من الاختصاصات المهمة التي أنيطت برؤساء المجالس الجماعية، بهدف تنظيم بعض نواحي الحياة اليومية للمواطنين المرتبطة أساسا بالأنشطة القروية، لكن هذه الشرطة ليس لها أي وجود فعلي على أرض الواقع، مع بعض الاستثناءات القليلة جدا، نتيجة قدم النصوص القانونية المنظمة لهذا الاختصاص من جهة، وغموض مقتضيات هذه النصوص وعدم مسايرتها للمستجدات والتطورات التي شهدها التدبير الجماعي بالمملكة من جهة ثانية.

وعقدت ساكنة العاصمة الاقتصادية آمالها على إحداث الشرطة الإدارية من قبل المجلس الجماعي الذي يسيره حزب العدالة والتنمية، بغرض تطبيق القانون على أرض الواقع، لكن هذه الآمال تحولت إلى آلام بسبب عدم تفعيل هذه الآلية في جل المقاطعات التي شملتها، رغم الميزانية الضخمة التي انتزعتها من جيوب المواطن الذي لم يلمس أي تغيير جدير بالذكر على حياته اليومية، والشأن نفسه ينطبق على بقية المدن التي أُحدثت بها الشرطة الإدارية.

واستقت جريدة هسبريس الإلكترونية تصريحات مختلفة لبعض المواطنين، الذين أجمعوا على أن "الشرطة الإدارية بقيت مجرد حبر على ورق بمدينة الدار البيضاء؛ إذ رافقتها حملة إعلامية ضخمة لحظة الإعلان عنها، لكنها اختفت مع مرور الوقت".

وحاولت هسبريس الاتصال بعبد الصمد حيكر، نائب عمدة البيضاء، من أجل معرفة حصيلة العمليات التي قامت بها الشرطة الإدارية إلى حدود الساعة، لكن هاتفه ظل يرن دون مجيب.

الشرطة البيئية.. صلاحيات متعددة وإمكانيات محدودة

يتوفر المغرب على شرطة بيئية منذ نحو سنة ونصف السنة، تتكلف أساسا بضبط المراقبة وفرض الذعائر على المخالفات المرتبطة بالبيئة، وجرى تنصيب أول دفعة من مراقبي البيئة في فبراير من سنة 2017.

وكانت حكيمة الحيطي، الوزيرة السابقة المكلفة بالبيئة، قالت في تصريحات لوسائل الإعلام الوطنية إن "إحداث الشرطة البيئية جاء تنزيلا لمضامين الدستور القاضية بضمان الحق في بيئة سليمة وتنمية مستدامة".

ومن المفروض أن تعمل الشرطة البيئية، بشراكة مع الأمن الوطني والدرك الملكي ووزارة العدل، على مراقبة جميع المخالفات البيئية، التقنية منها بشكل خاص، المتعلقة أساسا بتلوث الهواء والمشاريع التي تؤثر على البيئة بشكل سلبي. يضاف إليها، السهر على مراقبة مطارح النفايات ومحطة تنقية المياه العادمة، وكذلك مراقبة نقل النفايات الخطيرة.

ويلاحظ على طريقة عمل هذه الوحدات أنها تركز على جوانب التحسيس والتوعية أكثر من العمل على تحرير المخالفات الزجرية في حق المواطنين.

وعابت العديد من الجمعيات الناشطة في مجال البيئة، كثرة المهام المسندة إلى هذه الأجهزة، بينما تتوفر على إمكانيات محدودة جدا، لا سيما وسائل العمل واللوجستيك الضروري، فضلا عن غياب رؤية مشتركة حول الصلاحيات التي تضطلع بها وطريقة عملها.

وفي هذا الصدد، قال بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك، إن "المشكل الجوهري يكمن في الإمكانيات المرصودة لهذه الوحدات، المادية منها والبشرية على حد السواء؛ ما يجعل شمعتها تنطفئ بسرعة، وذلك مرده إلى كون هذه القطاعات الوزارية تسعى إلى الإشهار وتحسين سمعتها؛ بمعنى إن هذه الشرطة تسوّق الوزارات على أنها تشتغل بجدية، بينما العكس هو الحاصل على أرض الواقع".

وأضاف الخراطي، في تصريح لهسبريس، أن هذه الأجهزة "يكون لها تأثير إداري في غالب الأحيان، ولا يمتد إلى المجال القضائي؛ إذ تقتصر مهامها على بعض المساطر الإدارية فقط، لكنها لا تصل إلى متابعة المخالفين في المحاكم المغربية".

شرطة المياه.. تعدد المتدخلين وضعف النتائج

أعلنت كتابة الدولة المكلفة بالماء في نهاية السنة الماضية عن جهاز جديد يُعنى بحماية وتنظيم الموارد المائية، ويتمثل فيما يسمى بـ "شرطة المياه"، وينسق مع السلطة القضائية ويتوفر على صلاحيات متعددة، بدءا من المعاينة، فتحرير المحاضر، وصولا إلى تنفيذ عقوبات قد تصل إلى الغرامة والحبس في حق مرتكبي مخالفات الاستغلال غير القانوني للملك العام المائي.

وينص المرسوم رقم 2.18.453 على أن الجهاز الجديد يسعى إلى الحفاظ على الموارد المائية من الآثار السلبية كالتلوث والاستغلال العشوائي للمياه الجوفية والسطحية، عبر مراقبة الملك العمومي المائي، الذي يبقى غير قابل للتفويت والحجز والتقادم، فيما يقوم أعوان الجهاز بمعاينة المخالفات وتحرير المحاضر، طبقا لمقتضيات قانوني الماء والمسطرة الجنائية.

ويطرح هذا الجهاز التابع لكتابة الدولة المكلفة بالماء الكثير من التساؤلات بخصوص علاقته مع بقية الأجهزة الأخرى المنضوية تحت لواء قطاعات حكومية أخرى، كشرطة البيئة على سبيل المثال. وبالتالي، فإن تعدد المتدخلين يؤدي في نهاية المطاف إلى قصور العمل التشريعي الذي تقوم به الحكومة، ومن ثمة غياب مبدأ "ربط المسؤولية بالمحاسبة" الذي نصّ عليه الدستور، كما لم تنشر بعد أي من هذه الأجهزة الحكومية حصيلتها السنوية من أجل تقييم أدائها.

وفي هذا السياق، قال إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، إن "هذه الأجهزة المتنوعة لها رؤوس متعددة في الوقت الذي يجب إحداث شرطة مستقلة ومتخصصة تابعة للأجهزة الأمنية، بحيث تكون هنالك أقسام متخصصة في البيئة والمياه وغيرها من المجالات. وعلى أساس ذلك، يتم توفير تكوينات محددة وترتيب الجزاءات الملائمة في إطار ما ينص عليه القانون".

وأضاف السدراوي، في حديث لهسبريس، أن "تعدد الأجهزة يساهم في الإفلات من العقاب، ويشجع على المحسوبية والحزبية، خاصة أنها تابعة لقطاعات وزارية تسّيرها أحزاب معينة؛ ما يجعل قراراتها تتسم بالتمييز والانتقائية، كما أن هذه الأجهزة بنفسها في حاجة إلى مراقبة أمنية؛ لذلك لا يمكن أن تكون الخصم والطرف في الوقت ذاته".

"غرامة الراجلين".. إجراء جيد ينقصه التفعيل

أثار تطبيق "غرامة الراجلين"، في وقت سابق، الكثير من النقاش لدى الرأي العام، لا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وجهوا إليها الكثير من الانتقادات، تتعلق أساسا بشروط تطبيقها، بينما دعت شريحة أخرى إلى تطبيقها على أرض الواقع بغية وضع حد "للفوضى" التي تعم ممرات الراجلين بمختلف شوارع وأزقة المدن الكبرى.

وبعد مرور نحو سنة على تفعيل هذا النص القانوني، الذي ظل مجمدا طيلة سنوات، قالت بعض جمعيات المجتمع المدني إن "هذه الغرامة لم تعد تطبق من قبل عناصر الشرطة في الوقت الحالي"، مسجلة "عدم وجود أي تغيير ملموس على أرض الواقع بعد إقرار الإجراء".

لجان المراقبة المختلطة.. حملات موسمية غير كافية

يوجه المغاربة انتقادات لاذعة إلى اللجان الإقليمية المختلطة التي تتكلف بمهمة حماية صحة المستهلك، بحيث يشتكون من حملاتها "الموسمية" التي تصادف المناسبات الاجتماعية، مثل عيد الأضحى ورمضان، داعين إلى مضاعفة الحملات التي تستهدف مراقبة جودة وسلامة المواد الغذائية التي تُباع بالمحلات التجارية.

وقال بوعزة الخراطي إن "أهم شيء يحول دون حماية المستهلك هو الدورية التي طبقتها وزارة الداخلية، التي تطلب من جميع مصالح المراقبة عدم الخروج إلى الشارع إلا في إطار اللجان المختلطة"، مضيفا: "هذا حيف في حق حماية المستهلك، لأن القانون أشار إلى تعدد هيئات المراقبة لكي تقوم بالحملات الدورية".

وشدد رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك على أن "هذه اللجان التي تترأسها مصالح العمالة أو الأجهزة الأمنية تعتريها العديد من الثغرات التي تجعل المراقبة بدون فعالية، فالمشكل الأساسي يتجلى في ضعف الميزانية وقلة أعضاء المراقبة، ففي وزارة الصناعة والتجارة، مثلا، لا يتعدى عددهم تسعين شخصا فقط على الصعيد الوطني؛ لذلك ينبغي أن تطال المراقبة الأمنية جميع المجالات الأخرى، بما فيها السلامة الصحية".