إقحام الملك .. رسائل الشارع للقصر أم تصفية حسابات سياسية؟

إقحام الملك .. رسائل الشارع للقصر أم تصفية حسابات سياسية؟

في سابقة من نوعها، رفع نشطاء شعارات مناهضة لوزير الفلاحة والصيد البحري، عزيز أخنوش، لحظة قيام الملك محمد السادس بتدشين ميناء الصيد البحري والميناء الترفيهي الجديدين قبل أيام بمدينة طنجة. وأثارت هذه الخطوة نقاشاً سياسياً صاخباً وسط الرأي العام المغربي والفاعلين الحزبيين، وصل إلى حد اتهام حزب التجمع الوطني للأحرار جهات، يقول إنها معلومة، بـ"النيل من رصيد زعيمه السياسي".

واعتبر "حزب الحمامة"، المُشارك في التحالف الحكومي، في بيان رسمي لقيادته، أن الجهات التي "جندت أصواتا محدودة لتقديمها في محاولة يائسة على أنها شكل احتجاجي تهدف إلى الزج بالمؤسسة الملكية في تصفية حسابات سياسية".

بدوره، أكد وزير العدل، محمد أوجار، أن هذا الحدث "غير مقبول، ولا يمكن السماح به"، مُعلناً أن "الحكومة ستباشر عبر الأجهزة الأمنية التحقيقات في الموضوع"، وأن "القانون سيأخذ مجراه".

أوجار شدد على أن "المغاربة تاريخياً يُحيطون المؤسسة الملكية وأنشطة جلالة الملك بكثير من الوقار والهيبة والحرمة".

في الصدد ذاته، يرى عبد الحميد بن خطاب، أستاذ العلوم السياسية في كلية الحقوق أكدال بالرباط، أن إقحام المؤسسة الملكية في صراعات سياسية يُعتبر "نقطة تحول خطيرة تُظهر وجود خلل في بنية النظام السياسي المغربي، خصوصاً في قضية التعاطي مع الاحتجاجات والتعامل مع الظواهر الاجتماعية الكبرى التي تعيشها البلاد".

ويُوضح الباحث في العلوم السياسية أن ثقافة الاحتجاج مسألة طبيعية في جميع المجتمعات، لكنه يشير في مقابل ذلك إلى أن "الاحتجاج أمام الملك محمد السادس ظاهرة غير صحية، في وقت كان على مؤسسات الوساطة أن تقوم بدورها في احتضان وتأطير أي فعل احتجاجي قبل وصوله إلى الملك".

وحذر بن خطاب، في تصريح لهسبريس، وهو يُفسر "واقعة طنجة"، من توريط المؤسسة الملكية في نقاش مباشر مع الشعب؛ "لأن المنطق يفرض أن تنأى بنفسها عن هذا الأمر"، وزاد: "على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها في معالجة قضايا المواطنين".

وتابع المتحدث ذاته: "لا يمكن للملك أن يُعالج مواضيع من هذا القبيل انطلاقاً من صلاحياته السياسية أو أن يستقبل وينظر في شكايات المغاربة، لذلك نجد أن الفاعلين السياسيين مطالبين اليوم بالقيام بدورهم لتجنيب القصر المواجهة المباشرة مع المواطن".

وأكد المتحدث أن هيئات الوساطة (أحزاب، ونقابات، ومنظمات مدنية وحقوقية..) تمتلك صلاحيات لترجمة تعبيرات المواطنين إلى مطالب سياسية قابلة للتطبيق؛ "لأن المواطن في حياته اليومية يُعبر عن شكاوى وتظلمات وليس مطالب سياسية بشكلها الدقيق".

وعموماً، يلفت الباحث الانتباه إلى وقوع تراجع خطير بالمغرب على مستوى قيام مؤسسات الوساطة بدورها في تأطير الشارع بصفة عامة، معتبراً أن "الاحتجاج العشوائي يُصبح سلبياً، بينما لو تم تبنيه من قبل هيئات وأحزاب كيفما كانت يصبح هذا السلوك الاحتجاجي دعماً للدولة من خلال تفاعلها معه عن طريق تضمينه وبرمجته في السياسيات العمومية".

هذا الرأي يُخالفه عبد الحفيظ أدمينو، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، مشيرا إلى أن احتجاج مواطنين على السياسيين أمام العاهل المغربي "لا يرتبط بالضرورة بإقحام المؤسسة الملكية في صراعات سياسية أو حزبية ضيقة".

وأورد الباحث أدمينو، في تصريح لهسبريس، أن حدث طنجة ليس فريداً من نوعه، بل سبق أن رُفعت شعارات ضد مسؤولين محليين خلال تدشينات ملكية مغايرة، غير أنه يعتبر أن "السياق اليوم يختلف نظراً للجوء المغاربة إلى توظيف فضاءات جديدة في الاحتجاج، من بينها الزيارات الملكية، تماماً مثلما يقع اليوم عندما يتم توظيف وسائط التواصل الاجتماعي".

وزاد المتخصص في الشؤون السياسية: "الملك مؤسسة دستورية والمغاربة يتظاهرون أيضاً أمام عدد من المؤسسات الدستورية؛ لذلك لا يُمكن القول إن أي فعل احتجاجي أمامه يعتبر مساً بوقاره أو إقحاماً لشخصه في القضايا الرائجة".