هذه السّبُل المتاحة أمام مجلس الأمن لمواجهة جائحة "كوفيد-19"

هذه السّبُل المتاحة أمام مجلس الأمن لمواجهة جائحة "كوفيد-19"

لا أحد يجادل في أن فيروس "كورونا" المستجد كان زائرا ثقيلا على العالم كله؛ ما يعني أن الحديث عن المنظمات الدولية، بمختلف تلاوينها، أصبح أمرا لا مفرّ منه. ويختلف تفاعل هذه المنظمات وفق توجهاتها ودورها الحقيقي في فرض التدابير أو في إيراد توجيهات، وإن كانت غير ملزمة.

وبين الآليات التقليدية الكلاسيكية في هذا الصدد، والأخرى المبتكرة، تتنوع تدخلات المنظمات؛ وعلى رأسها مجلس الأمن، الذي يحاول الدكتور محمد الوادراسي، الباحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي العام، أن يحلل ويمحص السبل التي سلكها، ويسلكها، من أجل التصدي للجائحة.

هذا نص المقال:

باستثناء جائحة الأنفلونزا، التي امتدت في فترة ما بين 1918 و1919، المعروفة باسم "الأنفلونزا الإسبانية"، والتي شكلت أخطر كارثة صحية في التاريخ الحديث، بفعل عدد الضحايا والفوضى السياسية التي أحدثتها، لم يسبق للعالم أن شهد أزمة صحية مماثلة لما نعيشه اليوم بفعل الانتشار السريع والواسع لجائحة "كوفيد 19". لقد غيّر هذا الوباء من القوالب القانونية المعتادة. هذه الجائحة، كغيرها من الأوبئة واسعة الانتشار، لا تخضع لمنطق الجغرافيا الدولية والحدود المرسومة؛ فإذا كان للدولة داخل حدودها الإقليمية إمكانية اتخاذ ما يلزم من التدابير لمكافحة الوباء بما تملك من وسائل لوجيستيكية وآليات قانونية، فإن تخطي الوباء للحدود الدولية يفرض تنسيق الاستجابة الجماعية الدولية كخطوة لا مناص منها للتأسيس لنظام أمن جماعي صحي. لذلك، فإن اللجوء إلى الميكانيزمات التي يوفرها القانون الدولي تبدو مسلكا إجباريا لتأطير عمل الدول، المنظمات الدولية ومختلف الفاعلين الدوليين، وتتنوع هذه الميكانيزمات بين آليات تقليدية (أولا)، وأخرى مبتكرة (ثانيا).

أولاـ الوسائل الكلاسيكية لتدخل مجلس الأمن في المجال الصحي

إذا سلمنا بأن لمجلس الأمن دورا في مكافحة الأوبئة الخطيرة، فإن هذا الدور يتوقف قطعا على تكييف سابق لمنظمة الصحة العالمية التي يحتفظ رئيسها بإعلان المرض كطارئة صحية عمومية تثير قلقا دوليا. هذا الإعلان يشكل تحذيرا للمجتمع الدولي يستلزم تدخل الأمم المتحدة؛ غير أن التكييف القبلي لمنظمة الصحة العالمية لا يعني تقييد سلطة مجلس الأمن التقديرية. وفي المقابل، يظل صعبا القبول بتكييف وباء معين كتهديد للسلم الدولي قبل أن تَبُتّ فيه المؤسسة الدولية المتخصصة، لا سيما أن مجلس الأمن لا يملك الكفاءة التقنية والتجربة الكافية في هذا النوع من الأزمات؛ وآيةُ ذلك أن مجلس المجلس قد ارتكز في قراره 2177 (2014) على تكييف منظمة الصحة العالمية لوباء "إيبولا".

وتعد اللوائح الصحية الدولية (2005) أهم آلية قانونية لمكافحة انتشار الأوبئة، تلتزم بموجبها الدول بتقييم المخاطر الصحية العمومية وإخطار الدول الأطراف في منظمة الصحة العالمية كما تنص على ذلك المادة 6 من اللوائح الصحية الدولية (2005)، وقبلها منظمة الصحة العالمية، التي يحتفظ رئيسها بإعلان طارئة صحية عمومية تثير قلقا دوليا (USPPI). وبعد تقييم المخاطر، وإخطار منظمة الأمم المتحدة والدول الأطراف، يبقى تدخل هذه الهيئة الدولية ضروريا لضمان وجود تنسيق فعلي لمكافحة الوباء. وهنا نكون بصدد الحديث عن مجلس الأمن، الجهاز الذي أناط به ميثاق الأمم المتحدة المهمة الرئيسية لحفظ السلم والأمن الدوليين واتخاذ ما يراه مناسبا من التدابير المنصوص عليها في الفصل السابع من الميثاق، سواء من خلال تطبيق العقوبات الاقتصادية (1) أو عن طريق خلق عمليات حفظ السلم ذات طبيعة صحية (2).

فرض عقوبات اقتصادية

هنالك عبارة شائعة في أوساط الباحثين في مجال القانون الدولي العام، وهي أن "تهديد السلم بالمعنى الوارد في المادة 39 من الميثاق ليست شيئا آخر سوى الوضعية التي يصرح فيها الجهاز المسؤول عن اتخاذ العقوبات، بوجود تهديد فعلي للسلم"؛ غير أن هذه العبارة "المأثورة" لا تعفي مجلس الأمن من الالتزام بمقتضيات الميثاق الذي خَلَقَهُ وشَكَّلَهُ، وبالاختصاصات والتوازنات التي حددها هذا الميثاق. كما أن "السلطة التقديرية تجد حدودها في الخطأ البين في التقدير".

تلزم المادة 39 من الميثاق مجلس الأمن أن يتصرف عند رصده لوجود تهديد للسلم والأمن الدوليين، وأن يكون التهديد واقعيا وليس افتراضيا؛ غير أن طبيعة مفهوم "التهديد" تفترض أن عمل مجلس الأمن يُعَدُّ عملا وقائيا ضد خطر فعلي. لذلك، فإنه لا يمكن لمجلس الأمن أن يؤسس تدخله على تهديد افتراضي وإلا أخّل بالتوازنات التي أسس لها الميثاق بين اختصاصات الدول ومنظمة الأمم المتحدة من جهة، وبين الجمعية العامة ومجلس الأمن من جهة ثانية.

ويفترض اللجوء إلى التدابير القسرية المسلحة المنصوص عليها في المادة 42 من الفصل السابع من الميثاق وجود كيان مسؤول عن تهديد السلم أو الإخلال به، والحال أن تفعيل هذه الإجراءات ضد عدو "غير مرئي" كجائحة "كوفيد 19" لا يتلاءم مع الهدف المنشود من تنزيل هذه التدابير والمتمثل في الردع، وبالتالي سيكون من العبث القول بمكافحة فيروس "كورونا المستجد" عن طريق استخدام القوات المسلحة. لذلك، نسارع إلى استبعاد نظرية الأمن الجماعي المُؤَسَّسِ على القوة العسكرية في هذا السياق.

أما بخصوص التدابير القسرية الاقتصادية، فيمكن مناقشة جدواها بالنسبة لدول رفضت الالتزام بتوصيات منظمة الصحة العالمية لمكافحة وباء ما، وبمقتضيات المادة 43 من اللوائح الصحية الدولية (2005)، التي تدعو الدول إلى التصرف على نحو مسؤول اتجاه المجتمع الدولي عند فرض القيود على السفر والتجارة. وفي هذا السياق، نذكر مثال وباء "إيبولا"، حيث أقدمت أكثر من 40 دولة على اتخاذ تدابير إضافية خارج نطاق توصيات منظمة الصحة العالمية، أَثّرت بشكل كبير على حركة النقل العالمية. ونتيجة لذلك، لم تواجه الدول المتضررة العواقب السياسية والاقتصادية والاجتماعية فحسب؛ بل واجهت عراقيل في سبيل الحصول على الإمدادات الطبية اللازمة والمستخدمين العاملين في القطاع الصحي.

في الولايات المتحدة على سبيل المثال، فرضت بعض الولايات حجرا صحيا لمدة 21 يوما على عدد من المتطوعين العاملين في القطاع الصحي العائدين من غرب إفريقيا. كما علقت كندا، بعد أستراليا، البتّ في طلبات السفر من قبل مواطنين أجانب ينتمون إلى دول صنفتها منظمة الصحة العالمية كمناطق انتشار لفيروس "إيبولا".

ويرجع التفاوت بين الدول في تطبيق هذه التوصيات لطبيعتها القانونية غير الملزمة. كما يظل تبني مجلس الأمن لإرشادات منظمة الصحة العالمية في شكل توصيات غير ملزمة فاقدا لعنصر الجدية في التعامل مع الأزمات الصحية. لذلك، يمثل تبني مجلس الأمن لتوصيات رئيس منظمة الصحة العالمية، سواء في شكل قرارات ملزمة أو بالتهديد بتطبيق التدابير القسرية الاقتصادية على الدول المخالفة إضافة فعلية لمجهودات مكافحة الأوبئة ذات الانتشار واسع النطاق.

وحتى إذا اعتبرنا الانتشار غير المسبوق لوباء "كوفيد-19" تهديدا للسلم والأمن الدوليين، كما أشار إلى ذلك القرار 2532 (يوليوز 2020)؛ فإن تطبيق التدابير القسرية لغرض ضمان احترام توصيات منظمة الصحة العالمية يبقى منفصلا عن واقع عمل مجلس الأمن من جهة، و"جائرا" من جهة أخرى. منفصلا عن طريقة تدبير مجلس الأمن للأزمات الدولية من حيث عدم إمكانية المس بعضو دائم العضوية، حتى ولو خرق الالتزامات الدولية المتعلقة بمكافحة الأوبئة.. والشاهد على هذه الحقيقة انتظار سبعة أشهر على انتشار وباء "كوفيد 19" ليصدر في نهاية المطاف قرارا لا أثر فيه لمسؤولية الصين عن تفشي الوباء، باعتبار أنها لم تلتزم بمقتضيات المادة 6 من اللوائح الصحية الدولية (2005) التي تفرض على الدول تقييم المخاطر الصحية العمومية وإخطار الدول الأطراف في منظمة الصحة العالمية. كما يعتبر تطبيق التدابير القسرية جائرا، بحكم أنّ تفعيل تدابير العقوبات الاقتصادية المدونة في المادة 41 من الميثاق لن يكون مسلطا إلا على رقاب دول ضعيفة أو متوسطة القوة. وقد سبق تداول فكرة معاقبة الدول ضحية انتشار الوباء بين سنتي 2002 و2003 بمناسبة التعرض لسبل مكافحة وباء المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة "سارس"، وتساءل الخبراء حينها عن جدوى فرض عقوبات اقتصادية ضد دول، أنهكها الوباء، بدعوى عدم تقاسم المعلومات المتعلقة بانتشار المرض على ترابها.

خلق عمليات حفظ السلم ذات طبيعة صحية

المثال الحي على تفعيل هذه الآلية هو خلق بعثة الأمم المتحدة المعنية بالتصدي لطارئة "الإيبولا" بتاريخ 19 شتنبر 2014، بمبادرة من الأمين العام للأمم المتحدة وليس مجلس الأمن، وهي خلاصة للبعد الصحي والإنساني؛ فهي، حسب الأمين العام للأمم المتحدة، ليست بالبعثة العادية لحفظ السلم وليست ببعثة سياسية. ويمكن لمجلس الأمن في سياق الحديث عن وباء "كوفيد 19" أن يستلهم من هذه التجربة لخلق بعثات أممية في الدول التي لا تقوى حكوماتها على مواجهة الجائحة بالإمكانات المتاحة.

وإلى جانب هذه الآليات أو الوسائل التقليدية التي دأب مجلس الأمن على استخدامها في تدخلاته من أجل حفظ السلم والأمن الدوليين، هنالك آليات أخرى جديدة يمكن اللجوء إليها لمواجهة هذا النوع من الأزمات الصحية.

ثانيا: الوسائل المبتكرة لتدخل مجلس الأمن

منذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومع تكثيف جهود مكافحة الإرهاب، شرع مجلس الأمن في اتخاذ بعض الإجراءات غير المسبوقة؛ منها ما تعلق بمكافحة الأوبئة. وقد شملت هذه التدابير تعاون أو دعم مجلس الأمن لبعض الإجراءات أو التوصيات الصادرة عن مؤسسات أو منظمات دولية أخرى فاعلة في العلاقات الدولية؛ من بينها منظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية من جهة، (1) وبعض الجهات المانحة من جهة أخرى (2).

ضمان مجلس الأمن تفعيل قرارات منظمتي الصحة والتجارة العالميتين

يمكن لرئيس منظمة الصحة العالمية، بمناسبة انتشار كبير لمرض معدٍ، أن يعلن طارئة صحية عمومية تثير قلقا دوليا USPPI، ويُمكِّن هذا الإعلان منظمة الصحة العالمية من توجيه توصيات للدول حول ما يجب إتباعه من تعليمات؛ غير أن الإشكال الذي يُطرح في هذا السياق هو افتقاد هذه التوصيات لعنصر الإلزام في التنفيذ. وبحكم توفر مجلس الأمن على وسائل القسر والإكراه، يستطيع هذا الجهاز تبني هذه التوصيات في شكل قرارات ملزمة. وتعتبر هذه الآلية أقل قسوة من اللجوء إلى العقوبات الاقتصادية.

كذلك يمكن لمجلس الأمن أن يلعب دورا مهما في تفعيل مقتضيات منظمة التجارة العالمية في جزئها المتعلق بالأحكام الاستثنائية الخاصة باتفاق حقوق الملكية الفكرية التي تمس التجارة في علاقته بالمجال الصحي، كما تمت إعادة تفسيره بمقتضى الإعلان الوزاري المعتمد في الدوحة في نونبر 2001. وحسب هذا الإعلان الوزاري، تعهدت الدول المتقدمة المنخرطة في اتفاق حقوق الملكية الفكرية بتشجيع مقاولاتها ومؤسساتها على نقل تكنولوجيا صناعة الأدوية إلى الدول الأقل تقدما. كما أعفت الدول النامية من التقيد بحقوق الملكية الفكرية في مجال صناعة الأدوية، وذلك إلى غاية فاتح يناير 2016.

وخلال المفاوضات المتعلقة باتفاق حقوق الملكية الفكرية في شقها المرتبط بصناعة الأدوية، اعترض مندوب سويسرا بشدة على إعفاء الدول النامية من الالتزام بحقوق الملكية الفكرية في مجال الأدوية عندما يتعلق الأمر بمكافحة الأوبئة، قبل أن يتم استبعاده من مجموعة العمل المكلفة بتحرير النص النهائي للإعلان؛ وذلك بفضل الضغوط التي مارستها متضامنة الدول الأقل تقدما (الهند والبرازيل) والدول النامية (الدول الإفريقية المشاركة في مؤتمر الدوحة).

اليوم، وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على تاريخ "نهاية صلاحية" إعفاء الدول النامية من الالتزام بحقوق الملكية الفكرية في المجال الصحي عندما يتعلق الأمر بمكافحة الأوبئة، وفي ظل الانتشار واسع النطاق لجائحة "كوفيد 19"، يبدو دور مجلس الأمن مُلِحاً للتدخل من أجل تعليق العمل باتفاق حقوق الملكية الفكرية في شقه المرتبط بمجال صناعة الأدوية. وإذا كان لهذا التدخل تأثير على اتفاقية حقوق الملكية الفكرية، فإنه يستند إلى شرعية ميثاق الأمم المتحدة التي اعتبر في المادة 103 على أنه "إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق".

دفع مجلس الأمن نحو تأجيل الجهات الدولية المانحة لمطالبها باسترداد ديونها

التعاون بين مجلس الأمن والجهات الدولية المانحة، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في مكافحة الأوبئة تختلف عن ما سلف ذكره عن العلاقة مع منظمتي الصحة والتجارة العالميتين؛ فلا يتعلق الأمر بضمان تنفيذ قرارات أو توصيات، بل بطلب تعليق تسديد الديون الملقاة على عاتق الدول الفقيرة حتى تتمكن من رصد إمكاناتها الضعيفة لمكافحة الوباء على أراضيها.

ففي عالم مترابط المصالح، يمكن أن يجُرّ انتشار الأمراض المعدية داخل بلد ما أخطارا لا تُقدّر عواقبها على المجتمع الدولي. وحدها الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالمجال الصحي، بما تفرضه من واجب التنسيق والتعاون الدولي، تستطيع تقوية المنظومة الصحية الدولية. ويشكل مثل هذا النظام ضمانة أساسية لبناء أمن صحي جماعي مستدام.

في المحصلة، فإن سبب الكارثة التي نعيشها اليوم ليس انتشار الوباء فحسب؛ ولكن عدم اكتراث بعض الدول بمصير الإنسان، واستخفاف البعض الآخر بحجم الجائحة، ونقص التجهيزات في مناطق أخرى من العالم يُطلق عليها تجاوزا (أو تفاؤلا) دولا نامية.

(*) أستاذ زائر بكلية الحقوق عين الشق-الدارالبيضاء وباحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي العام