عالم ما بعد "كوفيد-19".. التّغيير الحقيقي صناعة شاقّة ومعقَّدَة

عالم ما بعد "كوفيد-19".. التّغيير الحقيقي صناعة شاقّة ومعقَّدَة

بعيدا عن الخطابات التي بشّرت بيقين مطلق بخروج عالَم أفضل من رحم هذه الجائحة الكونية، يرى كتاب "عالم ما بعد "كوفيد-19".. الحمل الكاذب" أنّ "شروط ومتطلّبات التغيير الجذريّ الحقيقيّ، الذي يسمح بالحديث عن اللّحظة المفصليّة الفارقة في تاريخ المجتمعات البشريّة وعن تحوُّلِها النّوعيّ، غير متوفّرة الآن، ولا تلوح بشائرها في الأفق القريب".

ويذهب مؤلف هذا الكتاب الجديد، خالد شهبار، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إلى أنّ جميع المؤشّرات الحالية تغذّي اليقين بأنّ عالم ما بعد "كوفيد-19" سيكون مثلما عهدناه، وستحكمه، على الأقلّ في المدى القريب، التصورات نفسها والتوجّهات ذاتُها والقواعد والمعايير عينُها، التي حكمته خلال السنوات الثلاثين الماضية، ولن تستطيع غسله من دَرَنِه.

وينفي الكاتب الصّواب عن التصوّرات المبشّرة بـ"عالم يرتّب سلّم الأولويات"، و"يعيد الاعتبار للدّولة الراعية"، مع قطع جذري مع "مختلف قوالِب الوصفة النيوليبرالية"، التي هي عقيدة اقتصادية، وعرض سياسي، ومتن إيديولوجي، صارت سرديّتُه أحد يقينيات استراتيجيات معظم النخب السياسية الحاكِمَة خلال العقود الثّلاثة الماضية.

ويرى الكاتب أنّ هذه الخطابات المفعمة أملا واهِمٌ حَدِيثُها عن كون "هذا الوباء بكلّ آلامه ومآسيه وأهواله يحمل في رحمه فرصا إيجابية هائلة، ويعجّ بطاقات تحرّريّة وتحريريّة عميقة"، قد تجعل منه "طريقا سيّارا قادرا على فتح أبواب التّغيير على مصراعَيها أمام المجتمعات البشريّة، وتسرّع بناء وتشكيل عالَم جديد أفضل".

كما يرى الكاتب أنّ علّة تهافت هذه القراءات تكمن أساسا في كونها "إمّا ذات ذاكرة قصيرة المدى" أو "تنظر للواقع بعين عليلة (...) محكومة بتفكير رَغبويّ يجعلُها غير قادرة على إدراك منطق الحركة المادية للتّاريخ، وطبيعة سيرورة وصيرورة صراعاته الاجتماعية" أو أنّها "مُكبّلَة بأصفاد الفكر اليومي"، بتعبير مهدي عامل، أي الفكر الذي "يميل مع الحدث كيفما مال به الحدث، ويتأرجح بتأرجُحِه، (...) فكر يومي، ثابت في استوائه على سطح الأحداث، وعنه تحتجب القاعدة في مجرى التاريخ المادي."

ويتتبّع شهبار قفز هذه الخطابات على "معطيات ووقائع التاريخ متجاهلة إكراهات السياسة وعناد قوانينِها"، وخلطها بين "الحاصل والمترجّى". ويزيد شارحا "إنّ التأمّل الحصيف في ما مضى، وتوسيع مساحة التتبّع الدّقيق والمتيقّظ لما يجري، وغبارُ الجائحة ورياحُها لم يسكنا بعد، يسمحان باستشراف معالم وملامح التّدبير السياسي البعديّ المتوقَّع (...) ويدفعان إلى الاعتقاد بسهولة أنّ القادم سيكون مخيّبا للآمال وانتظارات كلّ الخطابات التي تأمل أن يكون عالَم ما قبل كوفيد-19 مختلفا بشكل جذريّ عمّا بعده".

واستدلالا على أنّ القول إنّ ما بعد الجائحة سيكون مغايِرا لما بعده "قول عليل ومتهافت، بل ومجرّد عبارة إنشائية ليس إلّا"، يعود الباحث إلى التاريخ الرّاهن ودروسه، متوقّفا عند الأزمة المصرفية في سنة 2008، رغم "فوارقها النّوعيّة مع الأزمة الصّحّيّة الحالية".

ويستحضر الكاتب قسَمَ النخب إذ ذاك بأغلظ الأيمان، قائلة إنّ "ما قبل الأزمة لن يكون ما بعدها"، ثم يضيف: إلا أنّها تدخّلت فقط لتغيير طرق اشتغال "اليد الخفية" (مصطلح ليبرالي محوريّ، مرتبط بالمنظّر الاقتصادي آدم سميث وكتابه "ثروة الأمم")، وتعديل قواعد اللعبة الاقتصادية، في أفق إنقاذ الشّركات الاحتكاريّة المُعَولَمة والمؤسّسات الماليّة الكبرى من الإفلاس، بضخّ النخب الليبرالية سيولة هائلة من أموال دافعي الضّرائب في صناديق الأبناك والشّركات الكبرى لإنقاذها من الإفلاس، دون ربطها بأيّ شرط اجتماعي أو إيكولوجي، مع الإجهاز باسم "خطط الإنقاذ" على العديد من مكتسبات العمّال والمأجورين، غير المسؤولين عن الأزمة، واستمرار صنع الأوليغارشيات المالية الخرائط السياسية في العديد من الدول بأمريكا وأوروبا وغيرهما.

ويتوقّف الباحث بالتفصيل عند العودة الرّاهنة إلى تاريخ الجوائح والأوبئة العالمية للبرهنة على دورها في إنتاج التّحوّلات الكبرى أو التّسريع من إيقاعِها، قائلا إنّها خطابات "لا تحدّد بدقّة معالم وملامح هذا التّغيّر المرتقَب، وتستنكف عن المجاهرَة علنا وبشكل واضح بطبيعة انتظاراتها تجاه المقبل الذي تفترض أن يكون بالضّرورة مغايرا لما سبقه". كما يستدعي، في هذا السياق، أقوالا تاريخية تنقض التّسليم بوجود إجماع على فكرة القوّة التّغييرية للأوبئة، وتنفي عن الأمراض الوبائية وظيفة "التّحضير".

ومع تسليمه بخدش هذا الوباء هيبة الفقهاء والدعاة بالمجتمعات الإسلامية بأفعال، من بينها "الانزياح التّأويليّ الحربائيّ" لمجموعة من الخطابات، مِن الوباء جنديّ الله المسلّط على الصينيين جزاء على مجازرهم في حقّ شعب الإيغور المسلم، إلى الوباء الابتلاء والامتحان الذي يعكس حبّ الله لمن يبتليهم، لا يرى الباحث شهبار أنّ هذا "سيُسَرِّع من تآكل نفوذهم أو يشكِّك أتباعهم ومريديهم في "جودة" بضاعتهم الدينية".

ومن أمثلة السير على النّهج ذاته في قلب زمن جائحة "كورونا"، يعدّد الباحث مجموعة من القرارات السياسية المُتَّخَذة عالَميّا، وانتصارها لـ "التّوازنات الماكرو- اقتصادية" على حساب التّوازنات الاجتماعية والبيئية، ممّا "يُظهر بجلاء" أنّ النُخَب لن تتخلّى عمّا يسمّيه "خصائصها الجينية النيوليبرالية".

وعكس التغيير الزائفِ المبشَّر به، يذكر الكاتب أنّ "التّغيير الحقيقيّ صناعة سياسية- تاريخية شاقّة ومعقَّدَة"، مشروطة في مآلاتها ليس فقط بمنسوب الوعي بخطورة اختيارات القوى المحافِظَة وبحجم الجأر بالشّكوى من توجّهاتها، بل أساسا بـ"طبيعة علاقات القوّة بين الطّبقات الاجتماعيّة التي تتصارع من أجل امتلاك الموارد والخيرات المادية والرّمزيّة، وتحديدا مدى قدرة قوى التّغيير وفواعِله على تغيير موازين القوى واقعيّا لصالِحِها، عن طريق "البراكسيس"، أي الممارسة السياسية- التاريخية الملموسة التي تُغَيِّرُ العالَم".

ويضيف الكاتب "يمرّ التّغيير الحقيقيّ حتما عبر العمل السّياسيّ الميدانيّ المنظَّم، باعتباره الكفيل لوحده بتحويل الشّعوب من صنيعة لمصيرها إلى صانعة له، وباعتباره المسلك الحقيقيّ الوحيد للضّغط على هذه النخب النيوليبرالية وكسر شوكتها، والرّمي بها إلى مزبلة التاريخ، باعتبارها المسؤولَة الأولى والأخيرة، سياسيا وأخلاقيّا، عن كلّ أمارات الظُّلمِ والبؤس، وكلّ مظاهرة القسوة واليأس في العالَم".

و"بعيدا عن النّزعة الإرادويّة التي تعتقد أنّ السيرورة التاريخية مشروطة ومرهونة فقط بالإرادة والقصديّة والمزاج"، يذكّر الكاتب بأنّ "التّغيير الحقيقيّ لا يمكن أن تصنعه القيادة السياسية المُقِلَّة في الكلام، التي تكتفي باللّمز والغمز، والإيماء والإيعاز، و"تتقن فنّ الصّمت... وتلوذ بالتّلميح... وتستعين بـ السيميائيات". وهي عبارة تردّدت كثيرا، وبصيغ مختلفة، في سياق تأبين الوزير الأول الأسبق عبد الرحمان اليوسفي.

إنّ صانِعة التّغيير، وفق الباحث خالد شهبار، هي "القيادة الجَهوَرِيَّة الصّوت (...) التي تقرع الأجراس برباطة الجأش والحزم، و"تدُقّ جدران الخزّان" بأعصاب صلبة وصلدة وجامدة"، مسمّية المسمَّيات بأسمائها بعيدا عن الخنوع والانبطاح والعبوديّة الطّوعيّة التي صارت، في ظِلِّ الهيمنة الثّقافيّة للعقيدية النيوليبرالية مرادفا لـ"الواقعية السياسية".

ويسترسل الأكاديميّ المغربي شارحا أنّ القيادة السياسية الأولى التي تحرص بشدّة على نظافة يدها، "تقف في منتصف الحقيقة، وتحلم نصف حلم، وتتعلّق بنصف أمل"، كما يقول جبران خليل جبران، ثمّ في مخاض اللحظة التي تستدعي منها التّصدّي الحازم للحيتان الكبرى وناهبي المال العامّ ورموز الدّولة العميقة، وأن تجهر بإدانتهم تفضّل إمّا "بلع لسانها" حتّى لا تعكّر صفاء "مزاجهم الرّهيف" أو تكتفي بإمساك العصا من الوسط، متوسِّلة ومتسَوِّلة أنصاف حلول لا تُطعم خبزا ولا تروي ظمأَ، بل تعاكس غالبا مصالح وانتظارات الكادحين والمقهورين، وتعيد إنتاج شروط نهبِهم وتجويعهم".

أما القيادة السياسية الصّانعة للتّحوّلات الحقيقية، التي يبشِّر بها الكاتب ويدعو إليها، فهي التي "تفكّر بهدوء وتضرب بشدّة، وتتنفّس هموم ومآسي الحفاة والعراة، وترتعد منها فرائص خصومهم وأعدائهم الطّبقيّين"؛ فتحفر في الصّخر بأظافرها بحثا عن كلّ الكائنات الريعيّة والمستنقعيّة، ساعية ليس فقط لفضحهم، بل لقطع أياديهم الملطّخة بعرَق الأُجراء والعمّال والفلّاحين الصّغار؛ فـ"تحمل الدّرع كاملة، وتُشعل النّار شاملة، وتستولد الحقّ من أضلُع المُستحيل إلى أن يعود الوجود لدورته الدّائرة"، كما يقول الشّاعر أمل دنقل في قصيدته "لا تصالح".

وإذا كان طريق التغيير الحقيقي، وصناعة عالَم أفضل جدير بالحياة هو "وجود قوى سياسية واجتماعية منظّمة بإحكام لا تكتفي بالحلم بالنّجاح، بل تستيقظ باكرا لتحقيقه"، فإنّ الحركات السياسية والاجتماعيّة والإيكولوجية الحاملة لمشروع مجتمعيّ بديل، وتتطلّع إلى بناء عالَم جديد، على أنقاض هذا القائم، غير قادرة، على النهوض بهذا المقصد حَسَبَ الباحث، في ظلّ "حروبها الدّاخلية الشّرسة وتشرذُمِها، وترهّل قواها، وضعف قدرتها على الحشد والتّعبئة والاستقطاب والتّأثير"، وضعف قدرتها على التقاط كرة "كوفيد-19" و"الرّكض بها في اتّجاه عالم أكثر إنسانية، ورحابة، وأقلّ توحّشا".

إنّ الحياة العامّة ستعود إلى سالف عهدها، حَسَبَ خالد شهبار، وستتحطّم انتظارات وآمال كلّ الخطابات التي تُبَشِّر بحتميّة إنتاج هذا الوباء "ذهنية أنثروبوجية جديدة" أو "براديغما جديدا" أو "حوضا سيميائيّا جديدا" أو "لا وعيا سيميائيا جديدا" أو "روح عصر جديدة" أو "ثورة كوبرنيكية جديدة" أو "نموذجا تنمويّا جديدا" أو "نمط إنتاج جديدا".

ويقدّر الباحث أنّه "باستثناء تنويع وتقصير سلاسل التّوريد والتّموين المرتبِطَة ببعض الأنشطة الصّناعية المرتبطة مباشرة بالأمن الصّحّيّ"، سيعود كلّ شيء إلى "أصله الطّبيعيّ (...) لما كان عليه قبل ظهور الجائحة، على مستوى المدّ العولميّ والعلاقات الدولية والتوازنات الجيو- استراتيجية والتقسيم الدّولي للعمل أو العلاقات الاجتماعية بين الجنسين، والوعي الإيكولوجي، والسياسات العمومية، وأنظمة الحكم والحكامة، وعلاقات القوّة الاجتماعية، وآليات توزيع الثّروة والسّلطة والرّأسمال الثقافي والرّمزيّ".

ويعبّر، هنا، أستاذ علم الاجتماع عن رأيه في "الهبَّة التّضامنيّة التي رافقت كوفيد-19 بالمغرب" قائلا إنّه لا يرى فيها مؤشّرا دالّا على بداية نزوع مطّرد باتّجاه تعزيز وتقوية قيم التّآزر والتّعاضد والتّكافل بين المغاربة، سواء بشكلها المؤسّساتي التعاقدي المجتمعي الحديث أو غير المؤسّساتيّ الجماعاتيّ الإحسانيّ التّقليديّ. بل يعتبر هذا التّضامن المؤسّساتي محكوما بـ"هواجس أمنية خالصة"، و"استراتيجية وقائية" موجّهة بالسّعي الحثيث لتجنّب وقوع انفجار اجتماعي تبدو كلّ خمائره متوفّرة، و"قد يُبيد سقفَ المعبد على صانعي بؤس المغاربة". أمّا التّضامن التقليديّ ذو الطّابع الخيريّ والإحسانيّ فلا ينزاح في الغالب عن الهواجس الانتخابية المحضة، وردّ الفعل الغرائزيّ الانفعاليّ، وردّ الفعل الاستراتيجي على حالة من الهلع داهمت الناس بعدما أحسّوا أنّ المياه بدأت تتسرّب إلى محرّك مركبهم الذي لم يكن بالإمكان القفز منه.

ويستعير الكاتب "نمذجة ماكس فيبر للفعل الاجتماعيّ" ليفسّر أنّ هذه السلوكات كانت إمّا "فعلا عاطفيّا، أو فعلا محدّدا بطريقة عقلانيّة غائية، أي مرتبطا بأخلاق المسؤولية، أو فعلا محدّدا بطريقة عقلانية قيمية، ومرتبطا، بالاستتباع، بأخلاق الاقتناع".

وبقدر ما يستبعد الكاتب أن يكون عالم ما بعد الجائحة أفضل ممّا سبقه، يرفض الاعتقاد بأنّه سيكون عالَما تسلّطيّا وبانوبتيكيا (من سجن البانوبتيكون الذي يراقَب منه الجميع عند ميشيل فوكو وغيره)، "تصادَر فيه الحرّيّات المدنية والسياسية بفضل آليات الضّبط والرّقابة الرّقميّة الشّديدة..."، مع تجديد التأكيد على "تهافت الرؤية الحتمية والخطية والتراكمية والتصاعدية للتّاريخ".

وعن قلاع الفساد والاستبداد التي تعيش "على إيقاع الانتقام، وليس الانتقال، الديمقراطي"، لا يستبعد الباحث في المغرب "تناسلا مذهلا لمشاريع قوانين تكميم الأفواه، وإثقالا متزايدا بصكّ اتّهام الأصوات الحرّة العصيّة على التّدجين والتّرويض (...) وتصاعدا شديدا في وتيرة الزّجّ بها في غياهب السّجون، بعد طبخ ملفّاتها، بنوع من القذارة السياسية والإسفاف الرّوحيّ، في طنجرة الأجهزة السرية على نار أخلاقية هادئة، والتكييف الجنسيّ لاعتقالها، لتُحرم بذلك حتى من شرف الاتّهام بالممانَعة السياسية".

ويَصدَحُ كتاب "عالم ما بعد "كوفيد-19".. الحمْلُ الكاذب" بصراحة بأنّ "شروط ومتطلّبات التغيير الجذريّ الحقيقيّ الذي يسمح بالحديث عن اللّحظة المفصليّة الفارقة في تاريخ المجتمعات البشريّة وعن تحوُّلِها النّوعيّ، غير متوفّرة الآن، ولا تلوح بشائرها في الأفق القريب"، بل إنّ كلّ المؤشِّرات تغذّي اليقين بأنّ عالم ما بعد "كوفيد-19" سيكون "مثلما عهدناه"، ولن تستطيع الجائحة غسل درنه؛ لذا لا داعي "لكي نسعى لاصطياد الغراب بغية التّأكّد من سواد لونه".