الخاسرون من الحجر الصحي .."كورونا التطرف" والنصابون والمحتالون

الخاسرون من الحجر الصحي .."كورونا التطرف" والنصابون والمحتالون

أكّد الكاتب المغربي علي الوكيلي أن من صفات التطرف الانتشار بسرعة رهيبة، مع دخول التقنيات الجديدة للإعلام والتواصل مثل التلفزيون الفضائي والرقمي والإنترنيت، مشيرا إلى أن المجتمع المغربي "أصيب بعاهات متطرفة قادمة إلينا من المشرق ابتداء من التسعينيات".

وأفاد الوكيلي، في مقال خصّ به هسبريس، بأن "المتطرف لا يتغير حتى ولو لبس وجه الملائكة؛ هؤلاء الملائكة الذين ظهروا على حقيقتهم اليوم، لأن وباء كورونا حرمهم من أهم وسائل اشتغالهم، "الاجتماع والتجمع".

وأشار صاحب المجموعة القصصية "أحزان الجنة" إلى أن "الجهلة خرجوا يطردون كورونا من البلاد بالتكبير والتهليل، معتقدين أن قوة خارقة تحمي المؤمنين من كل وباء، وكأن المئات من ضحايا كورونا في العالم غير مسلمين"، مضيفا: "جهلة يعتقدون بالقدر خيره وشره بشكل أعوج".

وفي ما يلي نص مقال علي الوكيلي كما توصلت به هسبريس:

"كورونا التطرف"

من أخطر صفات التطرف التخفي عن الآخرين وأحيانا عن الذات، إذ إن المتطرفين في الدين يتمظهرون بغير حقيقتهم، فيدّعون السلام والسلم والمحبة والأخوة ويلبسون ماكياج التحضر، لكنهم في العمق مخلصون لعقيدة الكره والتكفير والعنف والقتل.. ينتظرون اجتماع الأسباب ليتحولوا من السرية إلى الإجرام؛ كما أن الكثير منهم يحمل بذرة التطرف في دمه دون أن يشعر، وحين تقوم "القيامة"، يتجند - دون فهم- مع كتائب الجهل وحركة القطيع.

وفي هذا السياق يمكن قراءة استفتاء هسبريس حول فيروس كورونا، لنستنتج أن الذين يرون أنه مرض خطير هم فقط من يمكن اعتبارهم متحضرين ومعتدلين في دينهم، أما غيرهم فالنطيحة والمتردية وما أكل السبع. ومن صفات التطرف أيضا الانتشار بسرعة رهيبة، مع دخول التقنيات الجديدة للإعلام والتواصل مثل التلفزيون الفضائي والرقمي والإنترنيت. وكم من الأسر اجتهدت في تربية أبنائها على دين وسط لكنها فوجئت بهذا التواصل الجديد يهدم كل شيء.

وقد أصيب مجتمعنا بعاهات متطرفة قادمة إلينا من المشرق ابتداء من التسعينيات بسبب هذا الانتشار السريع الخفي الغادر. لذلك فإن المجتمع لا يقدّر خطورة حركة التطرف سوى بعد فوات الأوان.. وقد سجل التاريخ للكثير من القيادات السياسية تساهلها مع هؤلاء، بل إشراكهم في البناء الديمقراطي، ومنح المتشددين منهم صفة شرعية كفاعلين في المعارضة.

وقد يكون أنور السادات أول من سن منهج التهاون في أمر هؤلاء حتى عضوا اليد التي أحسنت إليهم في حادث المنصة. وتوالت أخطاء الحكام حتى أوصلونا إلى قمة الجنون الديني مع "داعش" وأخواتها.

لقد أثبتت التجارب أن المتطرف لا يتغير حتى ولو لبس وجه الملائكة، هؤلاء الملائكة الذين ظهروا على حقيقتهم اليوم، لأن وباء كورونا حرمهم من أهم وسائل اشتغالهم، "الاجتماع والتجمع".. فقهاء الظلام لا يشتغلون إلا في اجتماعاتهم المريبة عند بعضهم البعض وعبر صلوات الجماعة وخطب الجمعة التي ظاهرها إرشاد ونصح وباطنها تحريض على الناس ممن يخالف "دينهم".

لا يجهل فقهاء الإفتاء المتطرف خطورة وباء كورونا، ويعرفون أن الإسلام يعلي من شأن الحياة وصحة البدن على ممارسة الدين إن تعذر.."الأبدان قبل الأديان" لكنهم مستعدون للتضحية بالأمة ودفعها إلى طاحونة الجائحة لتبقى متاحة وسائلهم الدنيئة في التهييج والتحريض.

فمن الخاسر من الحجر الصحي العام؟ النصابون والمحتالون واللصوص وتجار المخدرات وأقراص القتل وكل من يشتغل خارج القانون؛ هؤلاء لا يشتغلون حين يقفل الناس أبوابهم ويسكنون إلى الحيطة والحذر حفظا لأرواح المسلمين وغير المسلمين، لذلك فوجئنا بتحالف كل من يخنقه الحجر الصحي من المشتغلين خارج القانون ومن المشتغلين بتحريف الدين، وهو زواج يبدو غريبا لكنه زواج منطقي، زواج تم بين جميع المنتمين إلى ملة الانحراف. وها قد خرج الجهلة "يطردون" كورونا من البلاد بالتكبير والتهليل، معتقدين أن قوة خارقة تحمي المؤمنين من كل وباء، وكأن المئات من ضحايا كورونا في العالم غير مسلمين.

جهلة يعتقدون بالقدر خيره وشره بشكل أعوج، أي إن الله يقدر كل شيء فيقتل بالحوادث والحروب والأوبئة، بينما الله تعالى بريء من ذلك، لا يقدر المآسي والمجازر والمحرقات وغيرها، ولا يقتل عبيده بالأوبئة، بل يقدر الخير لا الشر، إلا إذا انتقم من الأشرار في الدنيا قبل الآخرة. وانتقام الله ليس جماعيا ولا متهورا مثل تهور هؤلاء الجاهلين.

حين تخرج بلادنا من هذه المحنة إن شاء الله بلا أضرار كثيرة أتمنى أن يراجع المغاربة مواقفهم من هؤلاء وأن يصححوا علاقتهم بهم، وأن يتصلوا بخالقهم بصلة صحيحة لا يتسرب إليها شياطين الإفتاء والتأويل.