السجن في زمن الوباء .. اللحظات العصيبة تقتضي قرارات جريئة

السجن في زمن الوباء .. اللحظات العصيبة تقتضي قرارات جريئة

ربّ ضارة نافعة. إنّما ما الذي قد ينفع الناس والجائحةُ تخبط خبط عشواء؟ ما الذي قد ينفعهم في ظل إجراءات العزل الجماعي التي يفرضها زمن الوباء؟ ربما هذا الإحساس الإنساني بهشاشة الكائن وإحساسه الطبيعي بالآخر وحاجته الوجودية إليه.

الهشاشة والغيرية تشكّلان جوهر آدميتنا. وها هو عدوٌّ مجهريٌّ صغيرٌ يضعُنا وجهًا لوجهٍ أمام هذا الجوهر الذي يربط سلامتنا بسلامة الغير على نحوٍ محقّق، بل ويضع العالم بكل قواه العظمى المُتَعَمْلقة أمام مصير بشري مشترك، تُكثّفه الرغبة الطبيعية في البقاء على قيد "الشمس والهواء".

الحَجْر المنزلي سجنٌ هو الآخر. سجنٌ من نوع آخر... وإلّا، ما معنى أن تجد نفسك مُحتجَزًا بين بضعة جدران لأيام نأمل ألّا تطول؟ وفي انتظار أن تحقّب البشرية هذه اللحظة العصيبة من تاريخها، وهذه مهمة المستقبل، لا مناص اليوم من هذا السجن الجماعي لمحاصرة الوباء...

لكن، ماذا حين تغادر كلمة "السجن" مقام الاستعارة لتستعيد حَرْفِيتها؟ ماذا عن سجون البلاد؟

وجدتُني أفكّر في تداعيات انتشار العدوى داخل السجون التي تعرف اكتظاظًا قد يُحوّلها إلى بؤرةٍ لتفشِّي الوباء. فماذا لو جرّبنا استغلالَ أجواء التضامن الإنساني والمصالحة بين مختلف مكوّنات المجتمع المغربي، المُصاحِبة لظروف الحَجْر الصحّي العام، لاتّخاذ مبادرة نبيلةٍ إنسانيًّا وجريئةٍ سياسيًّا تُتيح لسجوننا أن تخرج من حالة الاكتظاظ فتستعيد بذلك بعضًا من شرطها الإنساني، وللقائمين عليها فرصة أن يستعيدوا دورهم الإصلاحي؟ فالأصل في العقوبة السجنية ليست مصادرة الحرية وإنما التهذيب والإصلاح.

وهناك أعداد هائلة من المعتقلين على ذمة التحقيق -هم في عداد الأبرياء ما لم تثبت بعدُ إدانتُهم- سيتمّ تأجيل محاكمتهم، بسبب الوضع الاستثنائي الذي تعرفه المحاكم ومعها كلّ مؤسسات الدولة، مما سيُضاعِف المدة التي سيقضونها في الحجز قبل النطق بالأحكام في القضايا التي يتابَعون بشأنها؟ ماذا لو أعطيناهم فرصة الانتظار بالخارج، في "معازل" أكثر إنسانية بين أهلهم وذويهم؟ ألن يكون هذا القرار عادلًا، حتى قبل أن يكون رحيمًا، بل وحكيمًا قبل هذا وذاك؟

ماذا عن الذين اقتربوا من إتمام عقوبتهم السجنية ولم يبق بينهم وبين مغادرة الأسوار سوى بضعة أشهر؟ وسواء كانوا ممن يستخلصون الدروس من تجارب الحياة أو من الصُّمِّ العُمي، فبضعة أشهر من الحبس لن تغيّر من أمرهم شيئا. فلِمَ لا نستغلّ هذا السياق الإنساني الخاص لإطلاق سراحهم؟ فقد نبلغ معهم بمثل هذا القرار الرحيم من المقاصد ما لم تُبلِّغنا إياه سنوات سجنهم المديدة؟

وأخيرًا، ماذا لو تواصَل مدُّ المبادرات الاستباقية الحكيمة التي اتّخذَتْها الدولة في الآونة الأخيرة ليمتدَّ إلى الإفراج عن معتقلي "حراك الريف" وباقي أشكال الحراك الاجتماعي علاوة على الصحفيّين والمُدوِّنين وباقي معتقلي الرأي؟

هل سنجد سياقا أنسب من هذا لتجفيف منابع الاحتقان وتصفية الأجواء في البلد؟ ألن نُتيح بمثل هذه المبادرة للوطن فرصة حشد كلّ أبنائه وطاقاته في إطار التأهب الشامل لمواجهة هذه الجائحة العمياء، والخروج من نفق الوباء إلى أفق التطلّع والرجاء؟

ثمَّ لماذا يتمّ العفو عن السجناء بمناسبة أعياد الوطن وأفراحه، ولا يتمّ بمناسبة أتراحِه، وهذه الجائحة أكبرُها على حدّ ما عاشه معظم المغاربة، بل ومعظم البشر على حدٍّ سواء؟

اللحظات العصيبة تقتضي دومًا قرارات جريئة. فهل نترقّب قرارًا شجاعًا يساهم في صناعة الأمل، وصناعة التاريخ أيضًا؟

* كاتب مغربي مقيم في بلجيكا