حميش: "داعش" صناعة أمريكية .. و"صفقة القرن" فخ لفلسطين

حميش: "داعش" صناعة أمريكية .. و"صفقة القرن" فخ لفلسطين

لمن قرأ هذا المقال وظل قابعا تحت ظل قانون الأقوى، فما هو إلا مصاب بداء التبعية الرعناء والتمسح بأعتابها وفقدان كل أسباب السيادة والحرية.

مع مطلع هذه الألفية الثالثة، ازدادت الأوضاع في العالم العربي سوءا وتأزما، كما نعلم ونشهد. فمنذ الضربات المدمرة للحادي عشر من شتنبر 2001 ضد المركز التجاري العالمي والبنتاغون، خيم على العلاقات الغربية-الإسلامية إجمالا جو متوتر مشحون، تبرز فيه أمريكيا وحتى في بلدان أوروبية مشاعر التوجس وسوء الثقة بإزاء المجموعات العربية والمسلمة.

وفي الموجة المعادية لهذه المجموعات لا يوجد بين جنحة الاسم والمسحة واتهام الإسلام كدين وثقافة إلا عتبة لا يتردد صقور السياسة الغربية من شتى الأطياف في تخطيها، تدعمهم معاهد دراسية وحاويات فكرية (Think Tanks) بإيديولوجياتها ومستشاريها وخبرائها.

إن ولايتيْ جون والكر بوش، مرفقتين بصعود المحافظين الجدد، قد تمخضتا عن انتصارين عسكريين في أفغانستان والعراق شبيهين -مع وجود الفارق- بانتصار الأمبراطور الروماني بيروس، إذ كانتا فائقتي الخسارات المادية والبشرية، ومن ثم خلقتا شروط نشوء وتقوية ما يسمى "الإرهاب"، فصار هذا مندرجا بالضرورة في المدى البعيد، نظرا لارتباطاته العضوية المعقدة بالاختلالات الدولية وحالة الفقر والهشاشة في معظم أصقاع العالم. ويحق الفيلسوف الألماني يورچن هابرماس إذ يكتب: «إن نظرة استرجاعية إلى 11 شتنبر لا يمكن إلا أن تجعلنا نلاحظ، كما فعل عدد من أصدقائنا الأمريكان، أن "الحرب على الإرهاب" قد كسرت المجتمع الأمريكي سياسيا وذهنيا». (جريدة لومند 22-23-2015).

إن تلك الأحوال الموغلة في السوء والإستفحال على امتداد جل بلدان المشرق العربي هي التي ظلت الإدارة الأمريكية تَخبرها وتعاني من واقعها وتبعاتها في عهد باراك أوباما الذي أراد لسياسته الشرق-أوسطية وفي أفغانستان أن تكون نقيضا لسياسة سلفه بوش، كما أن تلك الإدارة عملت على مغالبة ذلك الواقع في العراق وسوريا، سيما بعد بروز تنظيمات جهادية، أعتاها وأخطرها تنظيم داعش المتفوق على تنظيم القاعدة عسكرةً وامتلاكا لأرض وقواعد ولأحدث الوسائل التقنولوجية والاتصالية.

وقد نزعم، تفعيلا للقراءة التناظرية (contrapuntal reading على نهج إدوارد سعيد)، أن في ذاكرة معظم أعضائه وجوارحهم انطبعت مخلفات الحرب الأمريكية على العراق (ربيع 2003) وآثارها الكارثية على كل الصعد، حرب تحمل على سبيل المثال رقم 700.000 قتيل عراقي أغلبهم من المدنيين (مقابل 50.000 جندي أمريكي وآلاف المعطوبين جسديا وعقليا)؛ أضف إلى ذلك أعمال أخرى فظيعة: تقويض الجيش والدولة العراقيين عوض الاكتفاء بعزل صدام حسين ومعاونين ومحاكمتهم، فكان مثل ذلك كمثل من يجتث شجرة بحرق الغابة كلها؛ تغليب الشيعة على السنة وإشعال الحرب الطائفية واستغلالها؛ شحن سجن أبو غريب الرهيب بأحدث صنوف التعذيب، وأرعب منه سجن غوانتنامو حيث اللون البرتقالي للباس السجناء هو نفسه الذي اختاره الداعشيون لرداء المحكوم عليهم بقطع رؤوسهم.

أما اتصاف داعش بالقساوة والعنف الأقصى في عملياتهم العسكرية السريعة الماحقة ومعاملتهم الشرسة للأقليات من زيديين ومسيحيين، فمن المحتمل جدا أن قياديي التنظيم (ومنهم أطر سابقون في الجيش العراقي المنحل) استوحوا ذلك من نظرية "الصدمة والترويع" Shock and Awe (من وضع الستراتجيين أولمان وواد) التي طبقها الجيش الأمريكي بكل قواته أثناء غزو العراق الساحق في السنة المذكورة.

وقد رأى بعض الخبراء الغربيين وحتى في البلدان الإسلامية أن العمل بتلك النظرية إن هو إلا صنف آخر للإرهاب. ومن العجيب حقا أن نجد ذلك الصنف بالتسمية ذاتها عند الأشوريين القدامى في القرن التاسع قبل الميلاد ممارسا من طرف ملوكهم، أشهرهم أَنَنْسَلين الذي كان يعلق الجثث مبعوجةً في الممرات المؤدية إلى قصره، وذلك كيما يصدم برؤيتها ويُروِّع زواره وطالبيه من خصومه ورعيته، ويحطم معنوياتهم قبل لقائهم، كما هو أحد أهداف النظرية تلك. وقد استلهم جوزيف كونراد هذه التقنية في روايته قلب الظلام، التي حولها فرنسسكو فورد كوبولا إلى فيلم هو رائعته Apocalypse now.

هذا وإن وجه جدة آخر عند تنظيم داعش يكمن في انضواء جهاديين أجانب من أوروبا وغيرها في صفوفه من جنسيات متعددة، وهؤلاء كأنما هم وفدوا أفرادا وأفواجا عديدين ملبين نداءً مفاده: يا مقهوري كل البلدان والساخطين على الدول المستبدة اتحدوا... وهو على منوال نداء البيان الشيوعي لماركس وإنچلز "بروليتاريي كل البلدان اتحدوا".

ولعل ما يلقي ضوءً كاشفا على هذا الوضع الجديد البالغ التناسل والتعقيد هو اعتراف طوني بلير في 25 أكتوبر 2015 - وشهد شاهد من أهلها إذ كانت بلاده في عُهدته ضالعة مع أمريكا في الحرب على العراق حتى لُقب بكانيش بوش-، ومفاد الاعتراف في شبكة CNN أن هذه الحرب هي التي هيأت الشروط والتربة لنشأة تنظيم داعش وترعرعه، واعتذر عن الأخطاء الاستخبارية والتخطيطية، وهي في الحقيقة آثام وخطايا إجرامية عظمى.

وكان، كما نعلم، تبرير غزو العراق بادعاء مضل أن نظام صدام حسين كان حليف تنظيم القاعدة ويمتلك سلاح الدمار الشامل؛ وللبرهنة عليه أتى بعينة منه في قارورة كولن باول وزير الدفاع إذذاك، وأخذ يلوح بها في جلسة منظمة الأمم المتحدة؛ ونتذكر في المحفل نفسه خطاب الدولة الفرنسية المعارضة لتلك الحرب، وذلك على لسان وزيرها الأول دومنيك دوڤلبان.

ولم تنفع هذه المعارضة في كبح جماح الإدارة البوشية وثنيها عن تحدي المنتظم الدولي وخرق مواثيقه وقوانينه. وعن أمر الرئيس فرنسوا هولاند بتحريك حاملة الطائرات شارل دوغول إلى الساحل السوري لإعلانها حربا بلا هوادة على داعش بدعم من أنجلترا وألمانيا صرح دوڤلبان نفسه بعيد ذلك أن هذا الأمر "عبثيٌّ خطير"، مؤكدا بالمناسبة أن داعش إن هو إلا الوليد الغول لسياسة الغرب المتقلبة المستكبرة إزاء شعوب الشرق ودوله. وتبنى هذا المنزع منشئ ويكي ليكس الأسترالي جوليان أسانج الذي اعتبر داعش صناعة أمريكية تتحدر من سياسة خلق العدو الإمبريالية، ومن ثمة استخلص أن الإسلاموفوبيا واقع بيّن لا ريب فيه.

أما عموم مثقفينا فما تحادثوا عن تنظيم داعش وقبله القاعدة إلا وتباروا في إذكاء جذوة السباب الحادّ والذم البليغ في حق التنظيمين، غير مُعملين منهج التعليل التاريخي في النظر والتحليل، إذ بمقتضى هذا المنهج نتأدى إلى أن تصاعد الضغط الهيمني القهري يولّد بالضرورة ردات أفعال انفجارية، من مضاعفاتها فك الإرتباط الكلي مع الغرب ونبذ أيّ حوار معه وبالتالي ممارسة الصدام اللامتكافئ ضده (asymétrique) الذي يسمى الإرهاب.

لكن تنظيم داعش الذي لج وبرع في تأليب غالبية العالمين عليه ما كان له أن يصمد طويلا أمام تحالف قوى الغرب مجتمعة، تعضدها أخرى إقليمية، وخصوصا مع دخول روسيا على الخط وكدح فرنسا إلى تلك الغاية بعد ضربات موجعة تلقتها في باريس ليلة 13 نوفمبر 2015. فكأنما هذي القوى العظمى تجد نفسها أمام قوة داهمة يحسب لها ألف حساب!

والغالب على اعتقاد مخططي الغرب العسكريين -إلا أنْ تحدث معجزة- أن داعش لا بد أن ينتهي بها الصراع إلى الانهزام، شأنها شأن تنظيمات حفل بها تاريخ المنطقة، من أشهرها فرقة الحشاشين الإسماعلية في قلعة ألموت، بزعامة قطبها الروحي ورائد الإرهاب السياسي بامتياز، حسن الصباح، والتي آلت منتصف القرن السابع هـ (13 م) إلى الإندحار على أيدي الجيوش المغولية الغازية. إنما السؤال الذي يلزم تمثله هو: اليوم وقد أفل نجم داعش وتناثرت عملياته الإرهابية هنا وهناك، خصوصا في القرن الإفريقي وليبيا إبّان ولاية إدارة دونالد ترامب، هل من يقين أن التنظيم (هو الناشئ عن تنظيم أبي مصعب الزرقاوي) لن يخلفه تنظيم جديد (أو تنظيمات ذرية متكاثرة) أشد وأعتى، يستفيد من غلو سلفه وأخطائه، ويبتكر صيغا وطرائق قتالية عالية الخطورة ومبتدعة غير مسبوقة؟

أما الحدث الذي لا شك أن المؤرخين سيقفون عنده بالرصد والتحليل فهو حدث داعش الفريد من نوعه، وذلك من حيث إنه استطاع استثارة أعصاب مجمل دول الغرب وقادته، وحرك ضده جوا وبحرا وحتى برا قوى الحلفين الروسي والأوروبي-الأمريكي، وذلك في حرب مدمرة كاسحة.

والسؤال ذاك يحق طرحه لأسباب شتى، من أقواها وأبرزها قرارات دونالد ترامب وإجراءاته الجائرة المجحفة وتمادي إسرائيل في تقتيل الفلسطينين وازدياد أوضاعهم مأساويةً واستعارا. ونتذكر بالمناسبة أن مؤسس الصهيونية بن گريون كان يوصي اليهود بضم الأراضي متبسمين، وها هو نيتانياهو يفعل ذلك مضيفا أعلى الدرجات في استرخاص أرواح شباب فلسطين في مسيرات العودة والاستهتار بكل القوانين الدولية والقيم الإنسانية.

إن السياسة الأمريكية حيال القضية الفلسطينية تأدت بالجمهوريين والديمقراطيين، مع بعض الفوارق، إلى خدمة الدولة الإسرائيلية منذ نشأتها في 1948، وذلك بكل أنواع الدعم، منها استعمال الڤيتو الأمريكي أكثر من ثلاثين مرة في مجلس الأمن، حتى باتت إسرائيل كأنها عضو سري ضمن أعضاء هذا المجلس الدائمين، بل الولاية الأمريكية الواحدة والخمسين، ومنها قرار ترامب نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس الغربية واعترافه بالقدس كلها عاصمة لإسرائيل الأبدية، حسب تعبير الصهاينة بجميع أطيافهم.

والواقع أن هذه العلاقة العضوية بين الدولتين هي التي تسوِّد صورة القوة العظمى في العالم العربي والإسلامي والعالم الحر، مع أن لأمريكا كامل السلطة على التحكم في ربيبتها وترشيدها. إن الغالب على المشهد اليوم أكثر من ذي قبل هو التعطيل المستمر لحل الدولتين وذلك بسبب سياسة الحرب المستدامة المتبعة من طرف الدولة العبرية ضد الشعب الفلسطيني وقيادته؛ وهذه السياسة تغذي توجه كل من يرى، فلسطينيا وعربيا، أن الصراع ضد إسرائيل وحاميتها أمريكا صراع تاريخي مصيري وأنه الوجه الآخر لصراع العرب ضد تأخرهم وتمزقهم.

وبالرغم من مرور سبعة عقود على القضية الفلسطينية فإن الأمل معقود على جيل المقاومين الجدد وجاهزية العالم العربي والإسلامي في اكتساب أسباب القوة والمناعة الذاتية وتغيير ميزان القوى لصالحه، مما يستلزم بالضرورة رص الصف الفلسطيني وتوحيده وتمكينه من السلاحين المادي والروحي. فإسرائيل، كما نعلم، تتوفر وحدها في منطقة الشرق الأوسط على القنبلة النووية، كما أنها أعلنت الديانة اليهودية ركنا ركينا في بنية دولتها...

وعليه، إذا لم يتحقق هذا الشرط الوجودي ذو البعدين العسكري والمعنوي، فإن ما يسمى "صفقة القرن" بل صفقة الخزي التي تروج لها إدارة ترامب ما هي إلا أكذوبة بلقاء وفخ للإيقاع بالقضية الفلسطينية واغتيال حقوق الفلسطينيين في العودة وإقامة دولتهم على أرضهم قبل حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وهذا ما باتت تعاكسه باستماتة وشراسة سياسة إدارة ترامب التي تشجع إسرائيل على توسيع مستعمراتها وحتى على أن تكون لها مطامع ترابية في الضفة الغربية وحتى في ضم غور الأردن وشمال البحر الميت.

وللإشارة فعن ترامب، هذا الوحش الضاري، قالت عنه مؤخرا نانسي بيلوزي الديمقراطية رئيسة الگونغرس إنه خليق بأن يزج به في السجن. ولعمري إن هذا لرجاء غالبية سكان المعمور الحر، عدا قاعدة ترامب الناخبة المكونة من الفلاحين ورعاة البقر الجهلة وأشتات من الطبقات الوسطى.

وفي خضم هذا الوضع المأساوي يعاني الفلسطينيون من عذاب مهين تؤجج نيرانه قوة أمريكا العظمى وحتى نيران بعض الدول الشقيقة التي شاركت في "ورشة المنامة" المذلة المستهترة، وينطبق عليها قول الراحل محمود درويش حين كتب: "لا.. لا أحد/ سقط القناعُ/ عربٌ أطاعوا رومهم/ عربٌ وباعوا روحهم/ عربٌ.. وضاعوا/ سقط القناعُ".