أكاديمي كوري يكشف خطوات سيول في درب "التنمية الاستثنائية"

أكاديمي كوري يكشف خطوات سيول في درب "التنمية الاستثنائية"

دعا الأكاديمي الكوري سُنغسو كيم إلى تعاون أكبر بين بلده كوريا والمملكة المغربية في المجال السياحي، بدمج سياسة السياحة الإبداعية الكورية المعتمدَة منذ سنة 2011 مع سياسة السياحة الثقافية المغربية، وإرساء التعاون بين البلدين في مجالات من قبيل الاقتصاد الرقمي.

وقال أستاذ شعبة العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة هانيانغ بسيول في كوريا الجنوبية، في محاضرة ألقاها أمس الخميس في مقرّ أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، إنّ النماذج التي ساهمت في تجربة تحديث كوريا يجب أخذها وفق طريقة العيش المغربية، لأن هناك اختلافات في الثقافة المؤسّسة للبلَدَين.

وأبرز المحاضِر العوامل المساهمة في توسّع الناتج الداخلي الخام لكوريا الجنوبية تسع مرات بين 1961 و1979، مذكّرا بأنّ مضاعفة نسبة نمو بريطانيا بعد الثورة الصناعية قد استغرقَ سبعين سنة، فيما لم يستغرق في كوريا إلا سبع سنوات. وهو ما رافقته "تغيّرات استثنائية" على مدار ثلاثة عقود مرّ فيها البلد بتحوُّلات بنيوية.

ويرى الباحث ذاته أنّ كوريا قد صارت اليوم نموذجا للعديد من الدول السائرة في طريق النّموّ في آسيا وإفريقيا، ساهم فيه عاملان حاسمان هما: الحكم الذاتي للدّولة، مما جعلها حرّة في تنفيذ سياساتها، والقدرة على القيادة المتمثّلة في توفّر آليات للدولة تسهّل تنفيذ سياساتها، مقدّما مثالا في هذا السياق بـ"البيروقراطية القوية والمتطوّرة جيدا" التي أرساها الرئيس بارْك.

وسجّل الأكاديمي الكوري أن تطوّر الدولة في كوريا كان استبداديا، وتمّ فيه التخلّي عن الديمقراطية، وهو ما ساهم في الاستقرار السياسي، مع اتخاذ إجراءات وعقوبات صارمة في العلاقة مع الشركات التي تملكها العائلات الكبرى، مما ساهم في الوقاية من الفساد.

ووضّح سُنغسو كيم أنّ كوريا قد أُقحِمَت في الاقتصاد العالَمي لأسباب جيوسياسية أكثر منها لأسباب اقتصادية، نظرا لموقعها في المحيط الهادي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، مما جعل أمريكا تدعم "الدولة غير الديمقراطية التي كان يقودها الرئيس بارك، بالجيش، والمساعدات الاقتصادية، والقروض التجارية"؛ فاكتسبت كوريا الحكم الذاتي لتتخذ سياسات اقتصادية تقودها أساسا مشاغل داخلية تحت مظلّة أمنية أمريكية.

وكان من بين العوامل المساهمة في تنمية كوريا، وفق المحاضِر نفسه، توجّه استراتيجية نموِّها الاقتصادي نحو التّصنيع الموجَّه للتّصدير، في ظلّ فتح الأسواق، بشكل نسبي، لسلعها، وفي ظلّ وجود منافسين قلائل من الدول الأخرى السائرة في طريق النّمّو، وتوجّه أمريكا للسوق الآسيوية، خاصة الكورية، للتّبادل التجاري، وتمتّعها بالتّساهل في التّعامل بفعل ما يشكّله أمنيا موقعها في شمال آسيا بالنسبة لأمريكا، مع رخص يدها العاملة.

واستحضر الأكاديمي المتخصّص في العلوم السياسية استفادة كوريا من النموذج التنموي الصيني، وخصّ بالذكر المرحلة التي تلت اتفاق تطبيع العلاقات بين البلدين في عام 1965، مشيرا إلى التشابهات التي ساهمت في نجاح الاستفادة من النموذج الياباني؛ لأن للبدين موارد طبيعية ومالية محدودة، مع وفرة في اليد العاملة المكوَّنَة والمتعلّمة نسبيا جيدا.

ويرى الباحث أنّ مجموعتين في كوريا كانتا ضروريّتَين لتنميتها، هما التكنوقراط الذين وضعوا أولويات الاقتصاد الكوري واتّخذوا القرارات المهمّة، ومجموعة مكوَّنَة من النخب السياسية التي ابتكرت وسائل لتنفيذ الأولويات التي وضعها التكنوقراط، مع وضع إطار مؤسّساتي أساسي لتنفيذ الخطة، مثل القوانين والإجراءات، لإقناع الرأسمال الأجنبي، والاستثمار، وسوق المال. كما نبّه المحاضر إلى نتائج لم تكن متوقَّعَة للتصنيع السريع، من بينها غياب لشبكة حماية اجتماعية، والتقليل من الهويات الجماعية العائلية، وعدم بقاء مكان للتشغيل الكامل.

ووضّح سنغسو كيم دور الكونفوشيوسية الجديدة في ما تعرفه كوريا من نمو لكونها تتأسّس على العلاقات البشرية المتبادلة، وتشجّع على القيم الجماعية، والتناغم، والعائلة، وعدم فصلها بين الأخلاق والسياسة، وتشجيعها القانون والاستقرار، لما تحمله من احترام للتّعليم، والاستحقاق، والتسامح مع الديانات الأخرى لمرونتها.

وتأتي هذه المحاضرة التي ألقاها مدير معهد الدراسات الأورو-إفريقية بجامعة هانيانغ في سيول، في إطار سلسلة المحاضرات التي تنظِّمُها أكاديمية المملكة المغربية حول موضوع "آسيا أفقا للتّفكير"، في سياق التّمهيد والتحضير لدورتها السادسة والأربعين المزمع عقدها بين اليوم التاسع والسابع عشر من شهر دجنبر المقبل في مقرِّها بالرباط.