الجراري: التراث والحداثة يحتاجان تصفية .. والثقافة تلم شمل المسلمين

الجراري: التراث والحداثة يحتاجان تصفية .. والثقافة تلم شمل المسلمين

قال عباس الجراري، عميد الأدب المغربي مستشار سابق للملكين الحسن الثاني ومحمد السادس، إنّ شتات العالم الإسلامي لا يمكن أن تلمَّهُ إلا الثقافة، حتى تتحقّق المصالحة التي نفتقدها اليوم بين المسلمين عبر المصارَحَة.

وأضاف الجراري، في محاضرته التي افتتحت "ملتقى الإيسيسكو الثقافي"، مساء الثلاثاء بمقرّ المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، في الرباط، أنّ "العالَم الإسلامي يحتاج تشخيصا دقيقا لتراثه، وماضيه، لنحدّد الصالح فيه والطالح، فنحتاج أن نعرف التراث الحافل الذي يمتد قرونا على مختلف أصعدة العالم الإسلامي (...) ولا يمكن الحديث عن الماضي المجيد دون بحث ونظر فيه، لأن شوائبَ كثيرة دخلته، ونحتاج معها تصفيته لنأخذ بصالحه".

وذكر الأكاديمي ذاته أنّ "الحداثة أيضا تحتاج تصفية، لأنها نشأت في بيئة أخرى لها تقاليدها وثقافتها، ويصعب تطبيقها كما هي على ثقافتنا، وهو ما يتطلّب مثقفين وعلماء متحمّسين للحداثة، ليُصَفّوها مما لا يلائمنا". وزاد: "يجب أن يُنظَر إلى الحداثة من مختلف الجوانب، خاصة من جانب القيم التي هي جانبٌ أساسي في الثقافة، والكيانات، والانتماءات"، ثم أضاف متسائلا: "هل سنأخذ الحداثة بقيمها، والدين الإسلامي، غني بالقيم، ومن بينها ما يطالَب به الآن، من تعايش، وتسامح، وحوار، وحرية تعبير؟ علما أنّ كل هذا قد دعا إليه الدين؛ أي إنه موجود في ماضينا وهوياتنا".

وفي ظلّ ما يعيشه العالم العربي الإسلامي من "فترة صعبة"، ونزاعات يعاني منها الآن وتعرقل مسيرته، رغم تعدد أقطاره في مختلف القارات، ورغم عدد سكانه وثرواته الطائلة ومواقعه، ورغم ماضيه وما يتطلع إليه، يرى الجراري أنّ الحلّ لن يكون "إلا بالتوفيق بين الأصالة التي نعتز بها والحداثة التي نريد أن نلحق بها". وهو ما لن يتمّ دون "تصفية للتراث العربي الإسلامي الغني في مختلف العلوم والفنون، وتصفية للحداثة، مما لا يلائم ذاتنا وكياننا"، ثم زاد جازما: "هذه عملية صعبة تحتاج بدل أن نثرثر عن الماضي والحداثة، أن ننكب على دراستهما".

وذكر عضو أكاديمية المملكة المغربية أن "من بين مشكلات الثقافة في العالم العربي الإسلامي اليوم، الانشغال بقضية التنمية، وقضايا التقدم، والتركيز على الجوانب الاقتصادية والمالية، من صناعة وفلاحة، واستثمارات، علما أنها أمر أساسي وجيد، في حين إن التنمية، وكل ما نسعى إليه ماديا، لن يقوم إلا إذا كانت الثقافة في انطلاقته؛ فهي وعي بالذات، ووعي بالهوية ومقوماتها، ووعي بالشخصية من لغة ودين ومعارف"

وتحدّث الجراري عن حاجة العالم العربي الإسلامي للوعي بطاقاته الإنسانية، وبقدراته الإبداعية والثقة فيها، مضيفا أن "القدرات موجودة في العالم الإسلامي، ومع الوعي بها والثقة فيها، يمكن أن نبدع وننتج الرقي والتقدم، في حين نستهلك اليوم التنمية والإنتاج اللذين يقدمهما لنا العالم الذي أحس بذاته وقدراته، دون تحقيق التنمية بمفهومها الشمولي المؤدي إلى الرّقيّ والتقدم".

وشدّد المحاضِر على أن "ردّ الفعل السليم على هجرة الكفاءات هو البكاء لا الفرح؛ لأن العالَم الإسلامي أنتج الكثير، وكفاءاته كثيرة، ويهاجر شبابه إلى العالم الآخر، لأنه يجد فيه ما لا يجده في العالم الإسلامي، فيساهم في إنتاج حضارة الآخر، ورُقِيّه، وتقدّمه"، مضيفا أَنَّ "من بين التحديات المطروحة اليوم علينا: كيف نستعيد كفاءاتنا المهاجرة؟".

وفصّل الجراري في كون الحوار مكونا أساسيا في ثقافتنا، مستحضرا أمثلة من القرآن، كمحاورة الله الأنبياء والشيطان، وعلى "كون الحوار قائما في قيمنا الإسلامية، على أن لك رأيا وأن لي رأيا، في حين يُفرض علينا الحوار فرضا، سواء مع الآخر أو في الحوار الاسلامي-الإسلامي المتعثّر". وأضاف: "ينبغي أن نحيي القيم في الثقافة، وأن نبعث جزءا كبيرا من القيم، ومن المفروض أن يكون المسلمون أمة الحرية؛ لأنه حتى في أعلى مقدّساتهم، تقول الآية: (لكم دينكم ولي دين)".

وبعد استحضار دور التربية والتعليم في بثّ الوعي بالذّات في النّفوس، ذكّر الجراري بأنّ "الآخر" قد تقدّمَ بالعلم، وبأنّ الأمية ما زالت منتشرة، وتصل إلى نسبة ثلاثين أو أربعين في المائة في بعض الدول الإسلامية، ليضيف قائلا: "نحتاج الأخذ بالأسباب العلمية، والجامعات أكثرُ من أن تعدَّ في العالم الإسلامي، لكن ما أثرها في المجتمع؟ وما أثرها في حل المعضلات، وفي الوعي والتقدم؟ علما أن إلى جانبها، يجب أن تكون مؤسسات فرعية، ومتعددة".