الودغيري: أقوال الصمدي "صفعة" .. الحكومة متواطئة مع الفرنكفونية

الودغيري: أقوال الصمدي "صفعة" .. الحكومة متواطئة مع الفرنكفونية

انتقد الأكاديمي عبد العلي الودغيري ما قاله خالد الصمدي، كاتب الدولة المكلَّف بالتعليم العالي والبحث العلمي، في سياق مشاركته في برنامج "ضيف هسبريس"، الذي بُثَّ مباشرة على جريدة هسبريس الإلكترونية، وعلى موقِعَي التواصل الاجتماعي "فيسبوك" و"يوتوب".

وكتب الأكاديمي المتخصّص في الدّراسات المعجميّة، في مقال عنوَنَه بـ"تمنَّيتُ لو قالَها غيرُه"، "لا يكاد يمر علينا يوم إلا ونُصفع صفعةً قوية توقظنا من غفلتنا، وتؤكد لنا كم كنا مخدوعين عندما اعتقدنا أن رجالاً من الحزب، الذي طالما رفعَ شعار الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية والمرجعية الإسلامية، هم الذين سوف يعزِّزون هذه الهوية ويعملون على التمكين للغة الأمة العربية الإسلامية وتقوية وجودها".

وذكر الأكاديمي ذاته أن "آخر هذه الصفعات" ما جاء على لسان خالد الصمدي، في حوار مع صحيفة هسبريس، ووردت فيه جمل وعبارات أشار إلى أنه كان يتمنّى "أن لا تأتي على لسانه هو شخصيّا" لاعتبارات كثيرة، أوّلها "كونه في الأصل أستاذًا جامعيا متخرجا من شعبة الدراسات الإٍسلامية المعرَّبة، وهذا تخصُّصه؛ وهو أوّل من كان يُفترَض فيه الدفاع عن العربية لا الاحتفال بفشلها كما يقول".

الاعتبار الثاني، الذي أورده الودغيري، هو أن كاتب الدولة كان من الأصدقاء الشباب الذين كان يُمَنّي النّفس بأن "يَجْرِي كثيرٌ من الخير لهذه البلاد على أيديهم"، مضيفا أن من بين الاعتبارات أيضا أنه "قياديّ في حزب كبير، طالما رفع شعار الهوية العربية الإسلامية، والدفاع عن حضارة لغة الأمة العربية الإسلامية، وطالما انتظرنا منه، بعد أن آلت إليه قيادة الحكومة لمدة طويلة، أن يترك بصماته الواضحة التي تُترجِم صدقَ شعاراته إلى أقوال وأفعال، لا أن يتخلى عن كل ما عاهدَ عليه المغاربةَ، ويحتمي بحجة إكراهات السلطة، ويدافع عن أطروحات كان يهاجمها ويتظاهر ضدها بالأمس القريب".

واستغرب الودغيري ما قاله الوزير الصمدي حول فشل سياسة التعريب عقب اكتفاء السياسات العمومية باعتمادها في الأقسام الأولى فقط، وعدم إيصالها إلى مُدرَّجات الجامعة، وترديده "خطاب أعداء العربية وخصومها الألِدَّة"، دون قول حقيقة أن "التعريب أُفشِل عن قصد وتعمُّد".

وأكد الأكاديمي المغربي أنّ من أفشلَ التّعريب "هم من رفضوا مواصلة تعريب الجامعة بشكل تدريجي من الحكومات السابقة، كما أفشلَته الحكومةُ الحالية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، بتواطؤ سافر مع التيار الفرنكفوني وحُلفائه".

وأضاف "بل لقد ذَبَحته من الوريد إلى الوريد، حين قرَّرت الرجوع بالمغرب أربعين سنة إلى الوراء، ومحو تجربة التعريب التي اكتسبت فيها البلادُ خبرة جيدة، كان يمكن أن تستفيد منها دولٌ عربية وإسلامية كثيرة، وتكوَّنَ خلالها جيلٌ من الأساتذة القادرين على تدريس كافة المواد العلمية بالعربية، والتأليف بها، وإغناء العربية بالمصطلحات المناسبة".

وكان من السهل في هذا السياق "تطوير اللغة العربية، ونقلها إلى التعليم العالي، بشكل تدريجي ومدروس ومخطَّط له بعناية"، يتابع الودغيري، الذي أكد أن "الحكومة التي لا طعم لها ولا لون" تخلّت عن "كل الكفاح المرير الذي خاضه الصادقون من زعماء هذا البلد وكبار علمائه ومفكّريه واللامعين من مثقفيه، من أجل إعطاء لغة البلاد مكانتَها المرموقة في كل المجالات".

وأوضح أنه لا يدري "كيف يمكن تصوُّر تطوير اللغة العربية في المغرب، بعدما تقرَّر قصُّ أجنحتها، وتقليصُ دورها، لينحصر في تعليم المواد الدينية والأدبية والاجتماعية بالمدارس الابتدائية والثانوية. وأضاف أن "هذه المواد نفسها يمكن التراجع عن تعريبها في يوم من الأيام، بمقتضى الصياغة الملتبسة التي وردت في القانون الإطار".

وتساءل الأكاديمي المغربي عمن سيُحاسَب عن التقصير في إيصال التعريب إلى الجامعة في عهد الحكومة الحالية والفترة التي سبقتها، إذا كان ما أفشلَه هو عدم إيصاله إلى المدرَّجات، وفق ما كتبه الصمدي، قبل أن يضيف "كان بإمكان كاتب الدولة استثمار الميثاق الوطني للتعليم، الذي ينص على إمكانية فتح مسالك لتدريس المواد العلمية بالعربية في التعليم العالي".

وتساءل عن الأساس الذي حكَم الصمدي بناء عليه على فشل تجربة استعمال العربية في تدريس المواد العلمية، رغم أنّه لم يطَّلِع على حجّة علمية أو دراسة ميدانية واحدة ذات مصداقية، له أو لغيره، تؤكد وتثبت "صحة هذا الفشل المزعوم".

وأوضح الودغيري أنّ ما قاله الصمدي لو تكلّم به وزير التربية الوطنية سعيد أمزازي، أو وزير التربية الوطنية السابق رشيد بلمختار، "أو مَن على شاكلتهما ممن نعرف مرجعيتهم الفكرية والثقافية، وتوجّهاتهم السياسية، لما أثار فينا أي نوع من الاستغراب"، مضيفا أن "العَجَبَ العُجابَ" أن يصدر هذا عن مسؤول عن التعليم العالي، معرَّب ومتخصّص في الدراسات الإسلامية، وقيادي في حزب "الهوية" و"المرجعية الإسلامية".

وردّ الباحث على قول كاتب الدولة المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي إن "اللغة التي لا يُمارَس بها البحث العلمي وتُعاني الفقر على المستويين المعجمي والمصطلحي، لا يمكن أن تنجح في فترة ما قبل الجامعة"، بأن ذلك هو "مربط الفرس"، لأن "التعريب لم يفشل فقط لأنكم والحكومات السابقة رفضتم إيصاله ومدَّ قنواته تدريجيا إلى التعليم العالي"، بل إنه "أُفشِل بإرادة وعزم من حكومتكم، ومن كل مَن يؤمن بمثل هذه الحجة الواهية".

ورأى الأكاديمي ذاته أن حجة "فشل التعريب الواهية" قائمة على فكرتين، أولاهُما تقول: إن العربية فقيرة في المعجم والمصطلح، وأن المراجع غير موجودة، وأنّ ليست للأساتذة قدرة التدريس بها، وغيرها من الحجج..

ووصف ذلك بـ"حكم القيمة"، الذي كان يمكن أن يُنظرَ فيه، حين كانت العربية في بداية عصر نهضتها الحديثة أوائل القرن التاسع عشر، بينما وضعُ العربية اليوم من كل النواحي، مختلف تماماً عما كانت عليه قبل قرنين من التطور الإيجابي والنهضة الحثيثة التي لا يلتفت إليها الكثيرون.

وتابع الودغيري أن الحجّة الثانية تقول إن العربية غير صالحة لتدريس العلوم في الابتدائي والثانوي، لأنها لا تُستعمَل في البحث العلمي الجامعي في مجالات العلوم الدقيقة. ثم سجّل أن "التعليم في المدارس الابتدائية والثانوية لا علاقة له بالبحث العلمي، وعندما يصل الطالب إلى مرحلة ممارسة البحث العلمي يمكن إذ ذاك مناقشة ما هي اللغة أو اللغات الصالحة لذلك".

وأضاف أنه "لو سلمنا جدلاً بأن العربية لم تصبح بعد لغةً للبحث العلمي في الجامعات، فهل الفرنسية التي تفرضونها على المغاربة بمقتضى القانون هي لغةُ العلم؟، ثم كيف يمكن للعربية أن تصبح لغة بحث وعلم وهي تُطردُ ويُرمى بها بعيدًا عن كل المجالات العلمية والتقنية منذ المراحل التعليمية الأولى، وعن كل إمكانية لتطويرها وتنميتها وإغنائها؟ وهل يُنتظَر منكم شيءٌ إيجابي بعد الذي فعلتموه في حق لغة أمتكم وحضارتكم؟".

واستغرب الودغيري انتقادَ الصمدي مَن يتحدث عن "فَرْنسة التعليم"، وتأكيده على عدم وجود أيّ إشارة إلى لغة ضمن القانون سوى العربية، مضيفا "لا أدري كيف استوعب عقلُ الأستاذ الصمدي تقبُّل هذه الديماغوجية التي حاول بها نفَى تهمة "فرنسة التعليم" بحجة عنكبوتية، وهي أن القانون لم يتحدث عن الفرنسية".

وتساءل مستنكرا: "هل يكفي تَغييب جملة "فرنسة التعليم" عن نص القانون لكي يفهم الناس براءةَ مقصدكم وسلامة نيتكم بأنكم لم تقرّروا الفرنسة؟ وما هي اللغة التي قرَّرتم استعمالَها في تدريس المواد العلمية بعد أن أخذتموها من العربية إذا لم تكن هي الفرنسية؟ ولماذا ظل السيد أمزازي طوال الشهور السابقة لتمرير القانون يكرّر التصريح العلَني في كل المنابر ووسائل الإعلام بأن المواد العلمية لا يمكن تدريسُها بالعربية ولا بالإنجليزية وإنما بالفرنسية، والفرنسية فحسب؟".