هل يناقض المغرب التزامات دولية بعهد حقوق الطفل في الإسلام؟

هل يناقض المغرب التزامات دولية بعهد حقوق الطفل في الإسلام؟

صادقت حكومة سعد الدين العثماني، الخميس، على عهد حقوق الطفل في الإسلام، وهو عهد مُعتَمد من قبل وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي خلال دورة نُظمت في دولة اليمن قبل 14 سنة.

المصادقة على هذا العهد من طرف المغرب تمت بمُوجب اعتماد مشروع قانون رقم 58.19، تقدمت به مونية بوستة، كاتبة الدولة لدى وزير الخارجية والتعاون الدولي، وسيُحال على البرلمان في افتتاح دورة أكتوبر للمصادقة النهائية قبل نشره في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ.

وقالت الحكومة إن هذا العهد "يهدف إلى تحقيق المقاصد المرتبطة برعاية الأسرة وتعزيز مكانتها وتأمين طفولة سوية وآمنة، وتعميم التعليم الأساسي الإلزامي والثانوي بالمجان لجميع الأطفال، بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الجنسية أو الدين أو أي اعتبار آخر".

وأكدت الحكومة عقب مجلسها الحكومي الخميس أن العهد "يفرض على الدول الأطراف أن تكفل ضمن تشريعاتها الوطنية تمتع الأطفال اللاجئين أو من في حكمهم بالحقوق المنصوص عليها في هذا العهد".

لكن خطوة المغرب بالانضمام إلى هذا العهد أثارت حفيظة الكثير من الفاعلين الحقوقيين، إذ اعتبر أغلبهم أن مضامين هذا العهد تناقض التزامات دولية أخرى للمملكة، وتشكل تراجعاً عن مقتضيات سبق اعتمادها في قوانين أسمى أخرى.

مضامين العهد

من جُملة ما جاء في هذا العهد التأكيد على "حقوق الطفل في الشريعة الإسلامية وأحكامها، مع مراعاة التشريعات الداخلية للدول، وكذا مراعاة حقوق أطفال الأقليات والجاليات غير المسلمة، تأكيداً للحقوق الإنسانية التي يشترك فيها الطفل المسلم وغير المسلم".

كما ينص العهد على "تأمين طفولة سوية وآمنة وضمان تنشئة أجيال من الأطفال المسلمين يؤمنون بربهم، ويتمسكون بعقيدتهم؛ واحترام أحكام الشريعة الإسلامية ومراعاة التشريعات الداخلية للدول الأعضاء"، ويتحدث أيضاً عن "إنهاء العمل بالأعراف أو التقاليد أو الممارسات التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية، والحقوق والواجبات المنصوص عليها في هذا العهد".

ويؤكد العهد على "حق الطفل في الحياة، منذ كونه جنيناً في بطن أمه، أو في حال تعرض أمه للوفاة، ويحظر الإجهاض، إلا في حالات الضرورة التي تقتضيها مصلحة الأم أو الجنين أو كليهما، وله حق النسب والتملك والميراث والنفقة".

ويضمن النص سالف الذكر "لكل طفل قادر حسب سنه ونضجه تكوين آرائه الخاصة، وحق التعبير عنها بحرية في جميع الأمور التي تمسه، سواء بالقول أو الكتابة أو أي وسيلة أخرى مشروعة، وبما لا يتعارض مع الشريعة وقواعد السلوك"، ويعطي أيضاً الحق لكل طفل في احترام حياته الخاصة؛ لكنه ينص على أنه "للوالدين، ولمن يمثلهما شرعاً ممارسة إشراف إسلامي إنساني على سلوك الطفل".

ويلزم العهد كل دولة طرف باتخاذ التدابير اللازمة لحماية الطفل من التأثير الثقافي والفكري والإعلامي والاتصالاتي المخالف للشريعة الإسلامية.

الإجهاض والحالات الثلاث

أول ما يمكن ملاحظته في الصدد هو أن العهد ينص على إمكانية الإجهاض في حالات الضرورة التي تقتضيها مصلحة الأم أو الجنين أو كليهما، في وقت صادقت الحكومة سابقاً على قانون لازال لدى البرلمان يتيح ثلاث حالات.

القانون سالف الذكر، الذي جاء بعد مشاورات ونقاش عمومي صاخب، لكنه لازال مُعرقلاً لدى البرلمانيين، يتحدث عن حالات ثلاث مسموح فيها بالإجهاض؛ الأولى إذا كان الحمل ناتجاً عن اغتصاب أو زنا المحارم، أما الحالة الثانية فإذا كانت الفتاة الحامل مختلة عقلياً، في حين تشير الحالة الثالثة إلى ثبوت إصابة الجنين بأمراض جينية حادة أو تشوهات خلقية غير قابلة للعلاج.

ويتجلى واضحاً التناقض بين العهد والقانون الذي اعتمده المغرب، وبذلك "تكون الحكومة تراجعت عن مقتضيات قانونية سبق أن صادقت عليها"؛ فوفق التزامات عهد حقوق الطفل في الإسلام يجب عليها تعدل القانون السالف لضمان توافقه.

التزامات دولية

تفاعلاً مع هذا الموضوع، كتب الفاعل الحقوقي عزيز إدمين مقالاً مُطولاً قال فيه إن المقتضيات سالفة الذكر في العهد "تؤسس لنظام تمييزي عنصري بين الطفل المسلم وغير المسلم، وتنتهك حقوق الطفل في اللباس والتعليم والتعبير، بالإضافة إلى المس بحقوق المرأة المكتسبة".

كما يطرح هذا العهد، حسب إدمين، سؤالاً حول موقعه في التزامات المغرب الدولية أمام الشرعة الدولية والاتفاقيات الأساسية المصادقة عليها، إذ اعتبر أن المملكة "خرقت القانون الدولي وانتهكت التزاماتها الدولية"، ويوضح في هذا الصدد: "صادق المغرب على الاتفاقيات الأساسية التسع للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وخاصة اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الثلاثة الملحقة بها، واتفاقية مُناهضة جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية مناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية".

وأشار الحقوقي ذاته إلى أن الاتفاقيات الدولية التسع تحتضنها وتراعي تنفيذها الأمم المتحدة، أما اتفاقية عهد حقوق الطفل في الإسلام فهي اتفاقية قطرية (جهوية)، ما يعني أنها محصورة على مجموعة دول معينة ترتبط بقاسم مشترك.

ويؤكد إدمين أن "المنتظم الدولي حسم في حالة التعارض أو الاختلاف بين الاتفاقيات، فجعل الاتفاقيات الدولية الشارعة تسمو على كافة الاتفاقيات الأخرى، وأوكل لمحكمة العدل الدولية الحسم في نزاع حول تفسير أو تطبيق اتفاقية ثنائية أو إقليمية، بأن تستند المحكمة على الاتفاقيات الدولية والأعراف الدولية وأيضاً على الاجتهادات القضائية".

وسبق أن صدرت أحكام قضائية واجتهادات دولية قضت بإلغاء وبطلان عدد من الاتفاقيات التي تتم بين عدد من البلدان في الاتحاد الأوروبي، من بينها المعاهدة المبرمة بين رئيس وزراء فرنسا "بيير لافال" وسفير حكومة فيشي في برلين، المتعلقة باتفاقية حول استخدام أسرى الحرب الفرنسيين في المصانع الألمانية، إذ اعتبرتها باطلةً ومخالفة للآداب والأخلاق العامة الدولية المنصوص عليها في الشرعة الدولية.

كما تم حسب الحقوقي نفسه إلغاء الاتفاق الفرنسي الإنجليزي والإسرائيلي المتعلق بالاعتداء على مصر في 29 أكتوبر 1956 بقرار من مجلس الأمن الدولي، نظراً لعدم مشروعيته ومخالفته للمبادئ الدولية.

مسؤوليات الأحزاب والمجتمع

قراءة عزيز إدمين لانضمام المغرب إلى هذا العهد تخلص إلى أنه "يشكل انتكاسة"، وقال إن "التخوف يمكن في أن يتجه القضاء المغربي بشكل مساير للمقاربة المحافظة التي تغزو مؤسسات حقوق الإنسان والحكامة مؤخراً، والاستناد على هذا العهد عوض أحكام القانون الدولي"، ويشير في هذا الصدد إلى أن هذا الأمر يطرح مسؤوليات على مؤسسات الدولة، من بينها المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي منحه المشرع حق المبادرة الذاتية في ما يتعلق بكل مشاريع القوانين من أجل إبداء رأيه فيها، وهو ما نصت عليه المادة 25 من القانون المنظم له.

كما يلقي الحقوقي بالمسؤولية على الأحزاب السياسية التي تدعي الحداثة والتقدمية والمعاصرة، إذ قال إنها توجد "أمام امتحان ربط خطابها بالممارسة، وذلك بحث فرقها البرلمانية على عدم المصادقة داخل اللجنة المختصة بالبرلمان على مشروع قانون هذا العهد".

وحمل إدمين أيضاً المسؤولية للمجتمع المدني، إذ أكد أنه "مطالب اليوم بتشكيل جبهة وطنية لمواجهة المد المحافظ داخل منظومة حقوق الإنسان بالمغرب"، وختم قراءته بالقول: "اليوم بدأت مع عهد حقوق الطفل في الإسلام، وغدا قد تكون مصادقة المغرب على الميثاق العربي لحقوق الإنسان مسألة وقت فقط".