هكذا نجح مستشارون في "تلميع وتسويق" صورة الملكية أمام العالم

هكذا نجح مستشارون في "تلميع وتسويق" صورة الملكية أمام العالم

يحتاج الملك، كشخصية عمومية وكشخصية سياسية بالأساس، إلى الحفاظ على صورة متميزة داخل الرأي العام الداخلي والخارجي. ولتكريس وتسويق هذه الصورة يتم الاعتماد في ذلك على احتكار المؤسسة الإعلامية المرئية والمسموعة، وكذا على بعض مستشاري الملك.

المستشار الملكي وتلميع صورة الملك أمام الرأي العام العربي

على الرغم من تميز الملك الراحل الحسن الثاني بمجموعة من الخصائص التواصلية أهلته لأن يخوض غمار المنازلات الصحافية والإعلامية في مواجهة الصحافة الأجنبية، فقد وجد نفسه في حاجة إلى شخصيات مقربة منه لتلميع صورته أمام الرأي العام الإقليمي والدولي.

وهكذا لعب المستشار أحمد بنسودة دورا أساسيا في تلميع صورة الملك أمام الرأي العام العربي، سواء من خلال تسهيل عقد المؤتمرات العربية التي احتضنها المغرب أو في تجسير الفجوة مع الصحف العربية. ففي عهد الملك الحسن الثاني حطم المغرب الرقم القياسي بخصوص احتضان مؤتمرات القمم العربية والإسلامية، حيث تمت استضافة سبعة مؤتمرات قمة عربية وثلاث قمم إسلامية، وهو رقم قياسي لم تستطع أي دولة عربية أن تتحمل تكاليفها ومسؤولياتها. إذ احتضن المغرب مؤتمر القمة بالدار البيضاء ومؤتمر القمة بالرباط في الستينيات، ومؤتمر القمة بالرباط في السبعينيات، ومؤتمري القمة بفاس ومؤتمري القمة الطارئة بالدار البيضاء في الثمانينيات.

وبالتالي، فقد وجد الملك آنذاك ضالته في مستشاره أحمد بن سودة، نظرا لخبرته الكبيرة بأمور العالم العربي، وشبكة علاقاته مع العديد من المسؤولين العرب، من رؤساء وملوك ووزراء وسفراء العرب... وهكذا كان يتولى مهام دقيقة بخصوص تليين مواقف الذين كانوا يمتنعون عن حضور القمة من رؤساء وملوك، ولعب دور صلة وصل بين المتخاصمين والمتنافرين، لاسيما وقد عرف عنه إتقانه تسريب أخباره إلى مصادره الصحافية، فقد عرف عنه أنه هو صاحب عبارة اشتهرت آنذاك بين العرب، وهي "قمة عربية بمن يحضر".

أما فيما يخص الصحافة العربية، فقد جذب الملك الحسن الثاني أحمد بن سودة إليه بتعيينه أولا سفيرا للمغرب ببيروت، خلفا لعبد الرحمان بادو، الذي دخل في صراع قوي مع الصحف اللبنانية، حيث توجه هذا الأخير إلى بيروت لتحسين العلاقة مع الصحافة العربية في ستينيات القرن الماضي.

المستشار الملكي وتلميع صورة الملك أمام الرأي العام الغربي

حرص الملك الراحل الحسن الثاني طيلة مدة حكمه على أن يحافظ على صورة 'الملك العصري والديمقراطي "من خلال انفتاحه على الصحف الأجنبية، وبالأخص الفرنسية، عبر تقديم استجوابات وتصريحات للصحافيين أو عقد ندوات صحافية يستدعى لها صحافيون أجانب وقنوات تلفزية، مستهدفا في ذلك تقديم صورة تنال رضى الرأي العام الأجنبي، وتخالف تلك الصورة التي كانت ترتبط بنظامه وأسلوبه المتشدد في الحكم وقمع الحريات وملاحقة المعارضين.

ولتكريس هذه الصورة، حاول جهد الإمكان استمالة العديد من الصحافيين الأجانب من خلال استضافتهم في بعض الفنادق الفخمة (كفندق المامونية بمراكش) على حساب ميزانية الدولة، أو تقديم هدايا مختلفة، بما في ذلك تخصيصهم بسبق صحافي حول قضايا حساسة أو قرارات سياسية هامة. لكن على الرغم من ذلك، لم يسلم هذا الملك، بسبب السياسة المتشددة التي كان ينهجها تجاه معارضيه وبسبب السياسة الاقتصادية التي كان يتبعها، من أن تعلق بصورته الكثير من الخدوش التي تمثلت في بعض الأوصاف التي كانت تنعته بـ"الديكتاتورية والتسلط والقمع وخرق نظامه لحقوق الإنسان".

وبالتالي، فقد كان على هذا الملك، خاصة بعد التطورات التي عرفتها المنطقة، والمستجدات التي شهدها المغرب، الاعتماد على مجموعة من المستشارين لتلميع صورة النظام وتحسين أساليب تواصله مع محيطيه الداخلي والخارجي. ولعل الضجة الإعلامية والصحافية التي أثارها كتاب "صديقنا الملك" للصحافي الفرنسي جيل بيرو في بداية تسعينيات القرن الماضي، دفعت الملك إلى التفكير في القيام بحملات إعلامية مضادة تقوم على إعادة تحسين وتلميع صورته لدى الرأي العام الدولي، بما فيه الرأي العام الفرنسي. وقد تركزت هذه الحملة على وضع كتاب بعنوان "ذاكرة ملك" تكلف بصياغته صحافي فرنسي، وتم العمل على تسويقه وترويجه داخل الأوساط الإعلامية والجماهيرية.

وقد لعب المستشار أندريه أزولاي دورا أساسيا في تنفيذ هذه الحملة لتلميع صورة الملك في مختلف المحافل الدولية وتسويقها لدى الرأي العام الفرنسي على الخصوص، والأوربي وكذا الأمريكي على العموم.... وهكذا وصف الصحافي طلحة جبريل ملابسات ذلك من خلال استجواب صحافي تضمن ما يلي :

- ما هي قصة لقائك الثالث مع الملك الحسن الثاني؟

- كان ذلك في بداية التسعينيات. آنذاك ظهر "لاعب جديد" في الديوان الملكي هو المستشار أندري أزولاي. عين الملك الحسن الثاني أندري أزولاي عام 1991 "مستشاراً للشؤون الاقتصادية". كان ذلك هو اللقب الرسمي، بيد أن أزولاي سيلعب دوراً سياسياً مؤثراً. إذ كانت من بين مهامه كذلك الملفات الإعلامية الأساسية.

- نقف قليلا عند أزولاي.. كيف تعرفت عليه؟

- بالصدفة. كان هناك اجتماع للجنة القدس، فاتجهت صوبه وقدمت له نفسي. ومن حسن الحظ أن أزولاي يتقن اللغة الإنجليزية. كان دائما لدي إشكال في التواصل مع النخبة المغربية الفرانكفونية المؤثرة في المواقع المهمة. كان أزولاي يعرف أن "الشرق الأوسط" صحيفة مؤثرة وقوية، وأن الملك الحسن الثاني يثق فيها. كان ذلك عاملا مساعدا، حيث توثقت علاقتي مع أزولاي بسرعة، خاصة عندما جاء موضوع "كتاب ذاكرة ملك". كان الملك الحسن الثاني يعتزم في مطلع التسعينيات زيارة أمريكا، وهي الزيارة التي ستتأجل حتى مارس 1995، والتقى خلالها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.

والواقع أن من أكثر الأمور التي كانت تربك المراسلين في الرباط هي زيارات الملك الخارجية. كانت هناك ترتيبات تتخذ قبل أي زيارة، وفي بعض الأحيان تتسرب أخبار حول زيارة ما، لكن دون تأكيدات رسمية، وهو ما كان يزيد الأمور تعقيداً. إذ لم يكن هناك مصدر يستطيع أن يدلي بأي إيضاحات حول زيارات الملك الخارجية، قبل أن يصدر بيان من الديوان الملكي. كنت اقترحت على أندري أزولاي، وكان وقتها من الشخصيات النافذة قرب قمة الهرم، إجراء حوار مع الملك قبل أو بعد زيارته للولايات المتحدة. بيد أن الأمور ستأخذ اتجاها آخر، قاد إلى ما هو أهم من مجرد حوار صحافي.

المستشار الملكي وتسويق صورة النظام الملكي بالخارج

على غرار سلفه، أحاط الملك محمد السادس منذ توليه الحكم شخصه بمجموعة من المستشارين تمثلت مهامهم في تلاوة رسائله، أو نقل تعازيه، أو ترؤس اللجان والمجالس والجمعيات التي توجد تحت الإشراف الملكي، بالإضافة إلى تسويق الصورة الخارجية لنظامه. وقد ظهر ذلك واضحا بمناسبة مرور 20 سنة على حكمه وتقييم الحصيلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لسياسته.

وهكذا أدلى اثنان من مستشاري الملك محمد السادس، هما عبد اللطيف المنوني وعمر عزيمان، بتصريحات نادرة إلى وكالة "فرانس برس" حول 20 سنة من حكم الملك محمد السادس، تتعلق بتقييم منجزاته الاقتصادية والسياسية طيلة هذه الفترة.

تسويق نموذج التعايش الديني الجديد

على الرغم من تراجع دور أندريه أزولاي، حيث لم تعد تسند إليه المهام نفسها التي كانت تسند إليه في محيط الملك الراحل الحسن الثاني، فقد تم الاحتفاظ به مستشارا للملك محمد السادس إلى جانب بعض المستشارين القدامى. وهكذا ما زال يكرس هذا المستشار، من خلال تواجده في محيط الملك الحالي، أبعاد التسامح الديني والتعايش السياسي، بالإضافة إلى عكس صورة الحوار الحضاري التي تحولت إلى موضة سياسية وثقافية بعيد حرب الخليج وأحداث 11 شتنبر 2011، وفي ظرفية دولية وإقليمية اتسمت بتزايد التطرف السياسي بكل تلويناته السلفية والجهادية.

تسويق النموذج التنموي الجديد

ففي جوابه عن سؤال حول "حصيلة 20 سنة من حكم الملك محمد السادس"، أشار مستشار الملك عمر عزيمان إلى أنه "ابتداء من فترة 2004-2006 فتحت الأوراش الاقتصادية الكبرى، سواء منها مشاريع البنيات التحتية (الطرق، الطرق السيارة، الموانئ، المطارات)، أو برامج النهوض بقطاعات الفلاحة والصناعة والطاقات البديلة. وقد "تحقق الكثير من المنجزات المفيدة للبلد، لكن ثمار التنمية خلال العشرين سنة الماضية لم يستفد منها الجميع"، مضيفاً "لا نزال غير قادرين على خلق فرص عمل لشبابنا، وما تزال لدينا مناطق تعاني التهميش". إذ "بوسع المغاربة أن يفخروا بما تحقق، لكننا لا نستطيع تجاهل النواقص والاختلالات. لكي نواصل التقدم لا بد لنا من ضمان انسجام اجتماعي، هذا شرط أساسي". واعتبر أن "اليوم أصبح تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية في صدارة الأولويات"، مشيراً إلى "أنها ورشة ضخمة يستوجب إنجازها صياغة نموذج تنموي جديد يكون أكثر حرصا على ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية. كما يستوجب نهج سياسة مجالية جديدة ستساهم فيها الجهوية المتقدمة بقوة توسيع صلاحيات الجهات المحلية".

تسويق النموذج السياسي الجديد

وعن سؤال التغيرات التي حصلت طيلة هذه الفترة السياسية، أشار مستشار الملك عمر عزيمان إلى أن المغرب "يسير منذ تولي الملك محمد السادس الحكم في طريق تطبعه الاستمرارية والتغيير في الوقت نفسه. فالنظام لم يتغير ولم تحدث قطيعة، بل استمر مؤكدا قدرته على التأقلم مع تطورات الزمن والمجتمع". إذ أن "الفرق الجوهري بالمقارنة مع عهد الملك الحسن الثاني يكمن في أننا انتقلنا إلى السرعة القصوى على مستوى الاختيارات الإستراتيجية وعمل مؤسسات الدولة وتنفيذ السياسات العمومية واشتراط الفعالية".

وعن الأولويات المطروحة حاليا، قال عزيمان: "في مرحلة أولى كانت الأولويات تتركز حول التقدم في مجال الإصلاحات الديموقراطية وبناء دولة القانون وتعزيز حقوق الإنسان وطي صفحة الماضي وإنجاح تجربة العدالة الانتقالية.

وعن سؤال حول التغييرات التي جاء بها دستور 2011، قال عزيمان: "كان الملك يحتل مكانة مركزية في الدستور القديم ولا يزال كذلك في الدستور الحالي، وهنا تتجلى فكرة الاستمرارية. في الوقت نفسه هناك تغيير جوهري، فبينما كانت مكانة الملك في الدستور القديم غير محددة في نطاق معين، أصبح مجالها محددا المعالم في الدستور الجديد. الفرق كبير بين الوضعيتين".

وفي السياق نفسه أشار المستشار الملكي عبد اللطيف المانوني إلى أنه "على صعيد الإصلاحات الديموقراطية أنجز الأهم، ولا يزال مطلوبا ترسيخ هذه المنجزات"، مؤكدا أن دستور 2011 "يتيح للأحزاب السياسية إمكانيات أكبر لتفرض نفسها مقارنة بالماضي، لكن التطور المنتظر على هذا الصعيد لم يتحقق بعد في الواقع. ربما يلزمه وقت".

وجواباً عن سؤال إمكانية تصور ملكية برلمانية في المغرب على النمط الأوروبي، قال عزيمان: "لسنا في إطار نظام يشبه الملكية الإسبانية أو الهولندية، حيث يسود الملك دون أن يحكم. نحن في ظل نظام ملكية من نوع آخر، لكن سلطات الملك محددة". فيما قال المانوني: "نحن على طريق ملكية برلمانية (…) لكن بطبيعة الحال لا تزال ثمة ربما بعض المقتضيات التي يلزم تجويدها".