من الصدام إلى النزاع .. كتاب ينتقد تجريم بحوث غربية للإسلام

من الصدام إلى النزاع .. كتاب ينتقد تجريم بحوث غربية للإسلام

صدر حديثا ضمن سلسلة "ترجمات"، التي تشرف عليها مؤسسة الملك عبد العزيز بالدار البيضاء، كتاب معنون بـ"الإسلام والغرب.. من إيديولوجيا الصدام إلى جدلية النزاع"، ترجَمه الأكاديمي المغربي خالد بن الصغير.

ووضّحت جوسلين داخلية، في مقدّمتها للترجمة العربية لكتابها، أن خلفيَّتَه العامة ومنطلق تحريره هو الضغط والتّأثير المعنوي لطلبتها في "السياق السياسي الذي جاء في أعقاب أحداث 11 شتنبر 2001"؛ عندما خصّصت حلقات دراسية سنوية بمدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية (EHESS) في باريس، ورافقتهم في تحليل مضامين المنشورات الجديدة المتعلقة بالإسلام، التي تكاثر صدورها بشكل غير مسبوق في تلك اللحظة؛ فلاحظوا انتقاله من موضوع غائب تقريبا في المناقشات العامة في فرنسا أو أوروبا، إلى قضية ذات أهمية أحس الجميع بضرورة الإنتاج في مواضيعها، "مما أفضى إلى ميلاد سوق مربحة في عالم الكتاب"؛ وهو ما أزعج طلبتها الذين لمسوا "فقر محتويات هذه القراءات أو طبيعتها المضللة"، وأعربوا عن "غضبهم، وعدم فهمهم لغياب الأكاديميين الملحوظ عن هذا النقاش".

وتذكُرُ الأكاديمية أن هذا الكتاب هو أحد المؤلّفات التي واجهتها صعوبات شتّى لنشرها، ثم تسترسل مستحضرة إعلان النقاش الدائر في فرنسا عن عدائِه، وارتيابه من أي شخص قد يتبنَّى موقفا تتوفر فيه بعض درجات الحنكة والإتقان، أو ربما يتسم بقدر من التعقيد. قبل أن تصف الكاتبةُ الحقبة التي دخلتها فرنسا آنذاك بكونها حقبة تحكُمُ أطوارَها ثنائية الخير والشر، ويسود في ظلها التبادل بين قوات التأثير والتأثُّر.

موعد جوسلين داخلية مع "الإنكار" تجدّد، حَسَبَها، في وقت لاحق، عندما أشرَفَت على تنسيق كتاب آخر، في هيئة عمل جماعي، تناولَ موضوع المسلمين في تاريخ أوروبا، وصدر تباعا في جزأين، سنتي 2011 و2013.. وكان خلافا للفكرة القائلة بأن الحضور الإسلامي حديثُ العهد جدًّا في أوروبا الغربية.. يسلِّطُ الضوء على التجليات الأكثر قِدَماً لإسهامات الساكنة المسلمة في كل ربوع أوروبا الغربية، على مدى عدة قرون خلت.. وهو ما يستلزم "أهمية التفكير مليًّا في إسهام المجتمعات الإسلامية، باعتبارها أيضًا فاعلة في بناء مقومات الأمم الأوروبية".

وترى الكاتبة أن ما جاء من أطروحات ومقترحات في طبعة الكتاب الأصلية الصادرة باللغة الفرنسية، ما تزال مؤكَّدة، وتضيف: "الإشكالية ذات الصلة بإسلام في هيئة «الأرض الهمجية غير المتحضّرة»، لم تعد مقتصرة بصفة أكثر على فرنسا، ولا منحصرة فيها اليوم دون غيرها.. -بل- أصبحت رهانات الإسلام وتحدياته تكتسي طابعا أكثر شمولية وأعم نطاقا، إلى درجة صار يؤثر معها على المجتمعات المسلمة ذاتها، حيث بلغت حدا يستحيل تصوره حتى الآن".

في هذه السياقات صار الإسلام، حَسَبَ الباحثة، "عرضة للتجريم أو قريبًا منه، مقارنة مع السياقات المغاربية، على سبيل المثال، حيث يشكل الإسلام.. نسبة الأغلبية، مما يجعله في منأىً عن أي لوم على هذا النحو. ومن ثم، فإن الإسلام السياسي فقط، وفي تجلياته العنيفة بالأحرى، هو الذي يظل عرضة للمناقشة والمناهضة"؛ بل وقد يتّضح أن "درجة النقد تكون أقوى، كما تنعم الكلمة بحرية أكثر، وبحدة أشد في مثل هذه الحالة، مقارنة مع السياقات الغربية التي يُحتَمل في ظلها أن يترتّب عن أي رغبة في الدفاع عن حقوق المواطنة لفائدة المسلمين، اتهام المعني بمحاولة المنافحة عن الإسلام المتشدد".

وتؤكّد الباحثة أهمية "الحرص على مناهضة جميع أنواع التعميمات الدينية أو الثقافية، وبالأحرى «الإثنية»"، لأنه "لا يمكن بأي حال، الاعتقاد بأن الإسلام، أو الثقافة والتاريخ الإسلاميين، قد يمثلون العناصر الكفيلة بتحديد الحاضر، أو الذهاب إلى القول بأن مجتمعات العالم الإسلامي، هي مجتمعات سياسية، سواء كانت قد عاشت تجربة الربيع العربي مباشرة أم لا"، بل "يتعيَّن علينا، إعادة إضفاء الطابع السياسي على هذه المجتمعات الإسلامية، من خلال الكشف بدقة عن الخلافات السياسية، والعمل على إبراز المعارضات، ومظاهر التنوع، وتبيان طبيعة المواجهات والتحدِّيات أو الرِّهانات، بطرق تتجاوز ما وراء الحجة الوحيدة، ذات الصِّلَة بالإسلام السياسي، أو بالإسلام في حد ذاته، مهما كانت مشروعية هذا النقاش".

وتتحدّث جوسلين داخلية عن ضرورة "أن يصبح هذا التنوع السياسي، أكثر قابلية للقراءة في العالم، وخاصة من منطلقات المجتمعات الغربية التي لا تتردّد في إسقاط نفس القراءة التبسيطية على مسلمي الغرب". وهو ما عبّرت عنه بـ"الخروج من الصَّدمة للدخول في حلبة الصراع"؛ بمعنى "ترك الماهية الثقافية، والخروج من هذا البعد التبسيطي المتمركز حول الحيثيات الإثنية، والتي يُصِدر بموجبها كثيرٌ من الغربيِّين أحكامهم في حق المفكر الإسلامي، على أساس اعتباره مجرد منخرط في تيار الحركة «التقدمية» أو في عوالم «الحداثة». وبالتالي، فقد يحظى لديهم بالقَبول، دون أن يلزمهم الأمر، تحمّلَ عناء التشكيك في توجهاته السياسية، أو طرح رؤيته السياسية للعالم موضع تساؤل، خلافا لما قد يفعلونه في تعاملهم مع مفكر آخر"، في "قراءة أبوية ومغرقة في الاستصغار بهدف الاحتواء"، وفق قراءتها.

وتتناول الكاتبة "عودتها المتكرّرة، في كتابها" إلى الوَقع الذي أحدثه المؤلَّف الجماعي الصادر في عام 2002 بعنوان "أراضي الجمهورية المفقودة"، والذي يحيل على مفهوم "الأَحْيَاءِ التي قد تصبح في عِدَاد الأراضي غير القابلة للاسترداد، بمعنى وقوعها خارج اختصاصات الجماعة السياسية الحاكمة"، وهي الصورة التي تتمّ العودة إليها اليوم، بشكل كبير، في التحاليل المتعلقة بالحركات الجهادية، والتي غالبا ما يقع النظر إليها على أساس انبثاقها في الأصل من هذه المناطق الشعبية بالذات…"، ثم تستدرك موضّحة: "سرعان ما سقط القناع، لتظهر إثر ذلك حقيقة اسم "برينر" المستعار، فاتضح أنه من صنيع المؤلف جورج بن سوسان، المثقف والمؤرخ الذي ما فتئ يتفانى في سعيه إلى إثبات وجود نزعة بنيوية معادية للسامية يقودها العرب في اتّساق متناظر مع الضواحي الفرنسية، فضلا عما يضمرونه كافة من مشاعر المقت والكراهية تجاه إسرائيل، وهو ما يجرِّمهم، في هذا الشأن، بصفة جماعية"، لتجمل قائلة: "إن هذا الدفاع المبدئي عن إسرائيل هو تعبير عن كل ما هو معلق ومسكوت عنه بخصوص كثير من الهجمات التي تستهدف العالم العربي، ومعه الإسلام وفرنسا متمازجة الأعراق والأجناس".

أما بالنسبة إلى الأزمة الحادة التي تطرحها قضية المرأة، تقول جوسلين داخلية، إنه "قد صار من المستحيل، في الظروف الآنية، أن نفكر في النساء المسلمات، بصورة إجمالية، باعتبارهن من التلميذات المتفوقات في استيعاب دروس الانعتاق والتحرر على الطريقة الفرنسية"، مضيفة أنه "بغض النظر عن التأكيد، فيما يتعلق بالأشكال المختلفة التي اتخذتها الحركات النِّسوية الإسلامية، وسواء كانت مفهومة ومقبولة أم لا.. فإن قضية من حجم نازلة الحجاب.. قد تسببت في واقع الأمر.. في انهيار فعلي لمشروع التنوير، وهو نمط التقدم والحداثة الذي يمكن أن تتحرّر النساء بواسطته شيئًا فشيئًا من ظلمة الحجاب وليله الحالك". ثم تزيد مبيّنة أن "هذا المسار الخطّيّ في التاريخ لا وجود لمثله"، بل الأمر "يتعلّق بإشكالية بأكملها على صعيد اتجاه الخطِّيَّة التاريخية التي تربك الأجواء اليوم وتسبب الحيرة المقلقة وسوء الفهم"، قبل أن تزيد مشدّدة على أن "الخروج من المأزق الإيديولوجي أمر ممكن.. من خلال الاعتماد على المكتسبات الأخيرة التي تسنَّى إدراكها في حقل الدراسات التاريخية بالغةِ الانضباط والدقة، والخاضعة للمراقبة الصارمة من قبل الأخصّائيّين العارفين بمهنة المؤرخ في بعدها الاحترافي".

وبعد استحضار فكرة «الانحطاط» المتعلّقة بحقبة العصور الوسطى الغربية التي لم يبق لها اليوم أي معنىً على مستوى الكتابات التاريخية، والتخلّي عن فكرة الانحطاط التاريخي فيما يتّصل بمنطقة البحر الأبيض المتوسط أمام ازدهار المحيط الأطلسي، بعد ثبوت عدم صحتها، ترى الباحثة أن "من المتعيَّن علينا التخلي أيضا.. عن فكرة الانحطاط في العالم الإسلامي"، ثم تضيف قائلة: "إذا لم يكن هناك انحطاط، فليست هناك أيضا «قابلية للخضوع للاستعمار»، وقد لا يوجد.. أي إخفاق لعالَم يتعيَّنُ تدارك أمره عن طريق الإصلاح، ولا أي إفلاس ثقافي توجد حاجة للخروج منه…"، بل وتعتبر "الحتمية الإصلاحية للنهضة، أو استبدادية القرن العشرين، أو حتى مسألة ظهور الإسلام السياسي الحديث"، كلها من بين عدة قضايا "يجب قراءتها بطريقة مختلفة، بعيدا عن النّظر إليها من منطلق العواقب المنطقيّة لمجتمعات لَحِقَهَا الانهيار، بحكم عدم قدرتها على مواكبة واقع العالم المعاصر وتقلّباته".

تاريخ العالم الإسلامي، بجميع مكوناته وفي هيئته الكاملة، يقتضي بالنسبة إلى جوسلين داخلية في كتابها المترجم حديثا "الإسلام والغرب من إيديولوجيا الصدام إلى جدلية النّزاع"، "ضرورة إعادة التفكير في شأنه، بغية إعادة كتابته من جديد، في ضوء مبادئ المعاصَرة، ووفقا لمعايير التكافؤ ومقاييسه المعتمدة مع بقية ربوع العالم". وهي ثورة ذهنية، ومشروعٌ طويل الأمد سيكون له "تأثير على كل فرد.. ويمكنه أن يندرج في سياق هذا التاريخ، ليشكّل بذلك جزء لا يتجزأ منه.."، وليس مقصِدُهُ، حَسَبَ الباحثة، "مجرَّدَ.. التمكّن من تلبية الرّغبة في استعادة الإحساس بالعزَّة والافتخار بالكرامة بواسطة التاريخ"؛ بل يتعدّى ذلك إلى "أهمية الخروج من العزلة من خلال التاريخ، مع الحرص على إعادة وضع حالات الفشل التاريخية، وتجارب الإخفاقات السياسية، التي وقعت حقا ولا يمكن تجاهلها، في مكانها الحقيقي دون الاستسلام إلى أي نزعة قَدَرِيَّةٍ مهما كانت قوتها".